في مارس (آذار) عام 2011، تدخَّل حلف الناتو لإسقاط عرش الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، والتدخل العسكري الذي جاء متأخرًا بعد خسارة القذافي معظم حقول النفط والغاز الليبية حمل إشاراتٍ أخرى غير التدخل لحماية مصالح الدول الصناعية الأوروبية فقط، فالولايات المتحدة التي قادت الهجوم، كانت تضع ضمن أهدافها إثبات سيادتها، وقدرتها على تحديد موعد لإطاحة الحُكَّام العرب من حلفاء موسكو في الشرق الأوسط.

الصفعة التي تلقتها روسيا من واشنطن حينها لم تمر دون رد على الأرض، فموسكو بعد تسع سنواتٍ من محاولات طردها من الشرق الأوسط، باتت اليوم صانعة القرار السياسي الأولى في سوريا، والطرف المتحكم بمصير الحرب في ليبيا إلى حد بعيد، والوسيط الموثوق به بين أنقرة وطهران، وبوابة تل أبيب الوحيدة إلى دمشق، وقناة الاتصال الخلفية بين إيران والسعودية، ورسول أنقرة في بغداد ودمشق، والحليف المُرشح لدورٍ محتمل حتى في الأزمة اليمنية. التقرير التالي يتتبع كيف نجحت البراجماتية الروسية في اللعب على حبال الجميع تحديدًا في ليبيا.

رحلةٌ في عقل بوتين.. ماذا أراد القيصرُ من ليبيا؟

في عُمق الأرض الليبية، احتياطاتٌ نفطيةٌ هائلة تُقدر بنحو 48 مليار برميل، إضافةً إلى احتياطات النفط الصخري بسعة 26 مليار برميل، وهي ثروة نفطية هائلة، جعلت ليبيا تنتج 1.65 مليون برميل يوميًّا، فهي المُصدِّر الرئيس للطاقة في جنوب أوروبا، وخاصة إيطاليا وفرنسا.

الحصة النفطية الهائلة في السوق العالمية التي امتلكتها ليبيا كانت بمثابة ورقة القوة التي ساوم بها القذافي الغرب على بقاء نظامه في ظل تذبذب أسعار النفط بسبب الأزمة العالمية، لذا ظل عرش القذافي مُحصنًا حتى مع استمرار عدائه الصريح مع واشنطن، وتبنيه فكرة «الدينار الذهبي» ليكون عُملة أفريقية موحدة، هدفها محاربة هيمنة الدولار الأمريكي.

ووفق هذا النهج العدائي، لعبت ليبيا القذافي دورًا محوريًّا طوال سنواتٍ لصالح الاتحاد السوفيتي، في ظل قطع العلاقات مع الولايات المتحدة وحرمانها من الحصول على الأسلحة الغربية منذ عام 1981، انفتحت طرابلس أكثر فأكثر منذ ذلك الحين على موسكو التي زوَّدتها بالأسلحة والمعدات الثقيلة، بالإضافة إلى 11 ألف جندي ومهندس روسي بنوا قواعد صواريخ جديدة، وحدثوا الجيش الليبي بأحدث الأسلحة.

مع وصول بوتين إلى الرئاسة عام 2000، قاد الرجل القابع في الحكم حتى الآن استراتيجية إعادة الإمبراطورية السوفيتة بعد انهيارها عام 1991 عبر الإبقاء على حكم سلطوي في الداخل، وفتح أبواب للسيطرة في الخارج، والبداية كانت من الشرق الأوسط؛ وبالحديث عن ليبيا، سعى الرئيس الروسي للحصول على موطئ قدم جديد في البحر المتوسط إلى جانب قاعدة طرطوس السورية، فمنحه القذافي إمكانية الوصول إلى ميناء بنغازي، وبذلك اكتمل الوصول الروسي إلى المياه الدافئة بتهديد الدول الأوربية الأعضاء في حلف الناتو.

تُوِّجت العلاقة بين البلدين بحدثٍ فريد عام 2008، فخلال زيارة بوتين – كان رئيسًا للوزراء وقتها – إلى القذافي الذي كان يحتفل بلقب «ملك ملوك أفريقيا»، أسقطت روسيا ديون ليبيا خلال العهدة السوفيتية، والبالغة نحو 4.6 مليار دولار، مقابل عقود تركزت على النفط والغاز ومشروعات السكك الحديدية، إلى جانب صفقات السلاح التي جاوزت 4 مليارات دولار، والتي مثَّلت 12% من صادرات الأسلحة الروسية لعام 2010.

وبخلاف فاتورة صفقات السلاح، فروسيا أيضًا تعطشت إلى الحصول على حصة من نفط ليبيا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، وعبر شركة «غاز بروم» الروسية العملاقة، حصلت موسكو على عقد شراكة  لبناء خط أنابيب غاز يربط ليبيا وأوروبا، وقُدرت قيمة الاستثمارات النفطية الروسية آنذاك بنحو 3.5 مليار دولار.

الحلم الروسي لم يكد يكتمل في ليبيا حتى انهارت أحلام بوتين على وقع ثورة فبراير (شباط) عام 2011، ومن وجهة النظر الروسية، فتدخل حلف الناتو العسكري هدف بالأساس إلى إنهاء الوجود الروسي في أقرب البلاد إلى الشواطئ الأوروبية، والجولة الأولى كانت داخل الأمم المتحدة، حيث رفضت روسيا التصويت على قرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وهو القرار الذي كلَّفها خسارة بلغت 4 مليارات دولار.

سقوط القذافي تبعه انهيار الصفقات الاقتصادية والعسكرية الروسية برمتها، إلى جانب استبعادها تمامًا من طاولة المفاوضات التي سعت لمنح اعترافٍ دولي للمجلس الانتقالي الذي تشكل بعد سقوط القذافي، وهو المجلس الذي رفضت روسيا الاعتراف به إلا بعد سبعة أشهر كاملة من تأسيسه.

لم تكن روسيا وحدها هي أكبر الخاسرين من الساحة الليبية، فتركيا التي رفضت الاعتراف أيضًا بالمجلس الانتقالي، رفضت قبلها تدخل حلف الناتو الذي كلَّفها خسارة استثمارات تجاوزت تكاليفها المبدئية نحو 2.7 مليار دولار، لكنَّ الخريطة الإقليمية الجديدة التي استبعدت روسيا وتركيا وهمَّشت إيطاليا، لم تلبث بضع سنين حتى انقلبت الطاولة رأسًا على عقب.

بوتين وحفتر.. من يملك طرف العصا؟

في العام نفسه الذي قرر فيه بوتين التدخل عسكريًّا في سوريا – 2015 – لمنع تكرار تجربة القذافي، كانت الساحة الليبية جاهزة للرهان على الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، المعروف بكونه شريكًا صعبَ المراس غير جدير بالثقة بالنسبة لروسيا، نظرًا إلى عمله السابق مع وكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي إيه)، إلى جانب مظلة تحالفاته الإقليمية المتشابكة برعاية فرنسية مصرية إماراتية.

دخول روسيا طرفًا رئيسيًّا في الساحة الليبية استدعى على خلاف الجميع سياسةً براجماتيةً مزدوجةً حافظت على بقائها طرفًا أساسيًّا في الصراع؛ فإلى جانب الدعم السري لحفتر عبر المقاتلين والسلاح، حافظت روسيا على إقامة علاقات متوازنة مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، مع إبقاء دعمها العسكري للجنرال الليبي دون غطاء سياسي مُعلن، إلى جانب الحفاظ على التحالفات القديمة مع بقايا نظام القذافي، في حال أصبحوا بديلًا محتملًا لأي تسوية سياسية قادمة.

البراجماتية الروسية في إدارة الصراع عمدت إلى عدم تمكين طرف على حساب الآخر، مع إبقاء الدور الروسي في موضع صناعة القرار الذي يخدم أهدافها ومصالحها، وبما يعوِّض خسارتها القديمة بسقوط القذافي، ويرسم نفوذها المستقبلي في البلد النفطي المُرشح لمحاصرة مصالح الأوروبيين وحلف الناتو في جنوب البحر المتوسط، كل هذا تم على طريقة استراتيجية تجميع النقاط بهدوء، وليس محاولة الفوز بالضربة القاضية.

تتضح الاستراتيجية الروسية في التحركات الرسمية لروسيا، ففي الوقت  الذي أعلن فيه بوتين أنَّ المرتزقة الروس في ليبيا لا يمثلون الدولة الروسية ولا يحصلون على مرتباتهم منها، كانت موسكو تدعم كل خطط الأمم المتحدة في أي مبادرات سياسية، تزامنًا مع الرفض الروسي المتمثل في منح حفتر شرعية سياسية وانتهاك قرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا علنًا.

انحياز روسيا الخفي لحفتر تحديدًا جاء نتيجة السياسة التي لعب بها الجنرال الليبي على حبال الجميع؛ بجذبه القادة البراجماتيين إلى دائرة الصراع بطلبه المساعدة العسكرية في الاستيلاء على نفط ليبيا والبنك المركزي، مقابل حصةٍ كبرى من الاستثمارات الليبية، وتوقيع عقود مستقبلية بعد هندسة انتصار كامل ونهائي، وفي ظل الضعف السياسي والعسكري الذي ظل ملازمًا للوفاق قبل دخول تركيا، وفي ظل امتلاك حفتر لحقول النفط التي تمكنه من دفع صفقات الأسلحة، دخلت موسكو ليبيا بما لا يفقدها حيادها العلني تجاه الأزمة، وبما لا يسمح لحفتر برفاهية الاستغناء عنها.

استراتيجية اللعب بالعصا التي تنتهجها روسيا في ليبيا، سبق وكررها حفتر مع جميع حلفائه، لكنَّ الجنرال الليبي الذي ضاعف نفوذه السياسي عبر قوى إقليمية وقبلية وعربية، وكوَّن جيشًا بجنود سلفيين وحلفاء علمانيين، إلى جانب قيادات وألوية عسكرية متذمرة من السلطات فشل في الاستغناء عن الحليف الروسي.

على خلاف الدعم السخي الذي حصل عليه من حلفائه، كان حفتر في حاجة إلى صفقة أسلحةٍ روسية أكثر تطورًا من تلك التي حصل عليها من مصر والإمارات، إلى جانب إرسال عدد من المستشارين العسكريين لتقديم المساعدة، وتوفير الدعم اللوجيستي من المرتزقة الروس من شركة «فاجنر»، الذين حوَّلوا حروب الميليشيات إلى ما أهو أشبه بالحروب النظامية.

وفي الوقت نفسه الذي كان حفتر يواجه فيه أزمة مالية لتمويل حربه، كانت روسيا بحسب الاتهامات الأمريكية قد تكفَّلت بطباعة ملايين الدينارات الليبية المزورة التي طبعتها شركة «جوزناك» الحكومية الروسية لطباعة الأوراق النقدية بهدف دفع مرتبات الجنود في ظل إغلاق الموانئ النفطية من بداية العام الجاري، واللافت أنَّ الرد الرسمي عبر الخارجية الروسية حمل دلالات اعترافاتٍ علنية جاء فيها: «إن الأموال المذكورة، ضرورية للحفاظ على الأداء المستقر للاقتصاد الليبي بأكمله».

عربي

منذ أسبوعين
«الإندبندنت»: من يجندهم وكيف يدخلون البلاد؟ رحلة في عالم المرتزقة في ليبيا

لكن الدعم الروسي ظل مرهونًا بتحقيق الانتصارات على الأرض، وبما يحفظ مصالح موسكو، ويكشفُ مجموعة من الصحافيين الاستقصائيين الروس عبر وثائق سرية عن أن روسيا ظلت تروِّج لحفتر رئيسًا لليبيا، إلا أنَّ فشل الأخير في السيطرة على طرابلس أعاد تقييم الموقف بالنسبة للروس، وأشارت الوثائق إلى أنَّ الجنسية الأمريكية التي رفض حفتر التنازل عنها لا تعكس ولاءً مُخلصًا للمصالح الروسية بالنسبة لموسكو، بالإضافة إلى ما يعانيه من مضاعفاتٍ بسبب إصابته بالسرطان، وهي الأسباب التي دفعت بوتين للبحث عن بديل.

أبعد من حفتر.. كيف لعبت روسيا على حبال حكومة الوفاق؟

 في مايو (أيار) عام 2019، اعتقلت حكومة الوفاق في طرابلس روسيين بتهمة ترتيب لقاء مع سيف الإسلام القذافي، إضافة إلى جمع معلومات عن توجهات الرأي العام للتأثير في نتائج الانتخابات الليبية، وكشفت التحقيقات عن أن أحد الموقوفين وضعته الولايات المتحدة على قوائم العقوبات؛ لتورطه فيما تسميه جرائم سيبرانية وعلاقته بملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية.

بحسب الوثائق التي توصل لها مركز الأبحاث السيبرانية في جامعة «ستانفورد» الأمريكية، فشركة فاجنر التي يعمل لديها الجاسوسان الروسيان، والتي قاتلت مع حفتر في معركة طرابلس، خططت لإعادة تسويق سيف الإسلام القذافي، واشتملت الخُطة على تمويل قناة «الجماهيرية الليبية» التي تبث من القاهرة.

روسيا أيضًا حاولت التفاوض مع حكومة الوفاق للإفراج عن الجاسوسين، وبحسب البيان الرسمي الذي حمل دلالة واضحة، فالخارجية الروسية اعتبرت أنَّ استمرار احتجازهما «يشكل حاليًا أكبر عائق أمام تطوير التعاون ذي المنفعة المتبادلة تدريجيًّا بين الطرفين»، تزامنًا مع تقارير استخباراتية أخرى تحدثت عن اتصال روسيا بسيف الإسلام القذافي والتفاوض مع حكومة الوفاق في صفقة مفادها تخلي الأولى عن حفتر، في مقابل موافقة الثانية بنجل القذافي في المشهد الليبي.

التحوُّل الروسي جاء بعد نحو عامٍ ونصفٍ على معركة طرابلس التي أطلقها حفتر في أبريل (نيسان) العام الماضي، ونجحت حكومة الوفاق، بدعمٍ تركي، في السيطرة الكاملة على غرب ليبيا برًّا وجوًّا، كما سيطرت على مدن غلاف العاصمة الليبية طرابلس كاملة، بعد انسحاب قوات الجنرال الليبي منها.

تمثل مجموعة فاجنر الروسية إحدى كلمات السر في التحولات العسكرية الأخيرة التي شهدها محيط طرابلس لصالح قوات حكومة الوفاق، فبعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين بوتين وأردوغان في 18 مايو الماضي، انسحب المرتزقة الروس من الخطوط الأمامية قرب طرابلس، كما غادرت قوات مجموعة فاجنر مدينة ترهونة وتوجهت إلى بني وليد والجفرة، وهو ما تسبب بنسبة كبيرة في الخسائر التي نالتها قوات الجنرال الليبي وانسحابها من الغرب الليبي.

انسحاب فاجنر من محاور القتال للضغط على حفتر للقبول بوقف إطلاق النار تكرر مرة أخرى في يناير (كانون الثاني) العام الحالي، فبعدما رفض الجنرال الليبي التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي فرضته روسيا وتركيا على طرفي النزاع، كانت ورقة فاجنر هي العقاب السريع الذي حرمه من استئناف المعارك.

التحرك الروسي للبحث عن بديل سياسي في ظل خسارة حفتر، لم يمنع موسكو من إبلاغ أنقرة بأنَّ مدينة سرت – تقبع في وسط ليبيا- التي تعتزم الوفاق دخولها خطٌ أحمر، والرغبة الروسية في منع سقوط سرت تكمن في رغبة روسيا في إقامة قاعدة عسكرية دائمة في الجفرة على غرار قاعدة «حميميم» في سوريا، إضافة إلى قاعدة بحرية أخرى في سرت الساحلية تضمن لها موطئ قدم في شمال أفريقيا، والوصول عبر الجهتين – سوريا وليبيا – إلى شرق البحر المتوسط، حيث الدول التي تتصارع على الطاقة من جهة، ولتهديد حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهةٍ أخرى ردًّا على تهديدات «الدرع الصاروخية» للناتو بالقرب من حدودها الغربية.

عربي

منذ أسبوعين
رغم هزائمه الأخيرة.. هل يستطيع حفتر الانتصار في معركة سرت؟

ورغم أن روسيا تقف عقبة أمام حكومة الوفاق لتحرير سرت، وبدء معارك اقتحام الشرق الليبي، حيث قلعة حفتر الأخيرة، فإن موسكو ما تزال تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع تركيا وحكومة طرابلس، بما يضمن لها استمرار امتلاكها لأوراق تأثير في قرار الحرب والسياسة في ليبيا.

المصادر

تحميل المزيد