737

في الوقت الذي يشهد فيه الأطفال السوريون حربًا امتدت لسنواتٍ عدة، لم تمنحهم مناهجهم الدراسية، أو كتبهم التعليمية، أي تفسير لهذه الحرب، ولكنها ظلت مصدرًا لنشر توجهات النظام السوري بقيادة بشَّار الأسد، وأداةً لنشر رسائل تؤكد على بطولة عائلة الأسد وشجاعتهم في الحفاظ على سوريا من الدمار.

وفي الوقت نفسه هناك أطراف متعددة  تعمل من الآن من أجل دعم وتعزيز أوضاعها بعد انتهاء الحرب؛ وأبرزها روسيا التي تخطط  بطريقة ناعمة للبقاء. فكيف تسعى روسيا للبقاء في سوريا مستخدمةً القوة الثقافية والاستثمار في الأطفال؟

اللغة الروسية تجتاح سوريا

لم تكتفِ روسيا بالتدخل العسكري لصالح النظام السوري منذ ثلاثة أعوام، بل وجَّهت اهتمامها لما يمكن أن يكون له أثر أكبر وأكثر استدامة داخل المجتمع السوري، مثل الاحتلال والغزو الثقافي، أو ما يُطلق عليه في العلوم السياسية «الاختراق السياسي».

أصبحت اللغة الروسية هي اللغة الثانية التي يتم تدريسها في المدارس السورية؛ فقد صرَّح السفير السوري لدى سوريا، رياض حداد، في أبريل (نيسان) 2017 أن اللغة الروسية أصبحت أكثر انتشارًا من قبل في الداخل السوري، مشيرًا إلى أن أولاد الرئيس السوري، بشَّار الأسد، يدرسون الروسية أيضًا، وأكد أن هذا الأمر لم يعد سرًا الآن، ويعرفه الجميع.

وكانت وكالة الأنباء الروسية «تاس» قد نقلت عن السفير السوري لدى روسيا قوله: «إن انتشار اللغة الروسية في الداخل السوري، وجعلها اللغة الثانية في المدارس، جاء بقرار من الرئيس السوري بشَّار الأسد؛ في إشارة إلى الامتنان للشعب السوري بسبب دعمها له، ولنظامه، وللشعب السوري على مدار سنوات»، مضيفًا أنه إلى جانب ذلك فإن العديد من الأسر السورية اعتات تسمية أطفالها باسم بوتين في إشارة إلى الامتنان أيضًا إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وجهوده في سوريا.

الجدير بالذكر أن تعليم اللغة الروسية يبدأ في المدارس السورية بدايةً من الصف السابع – الأول الإعدادي – فضلًا عن افتتاح أقسام اللغة الروسية في جميع الجامعات السورية مؤخرًا؛ فعلى سبيل المثال تم استحداث قسم لتدريس اللغة الروسية بكلية الآداب في جامعة دمشق، وذلك منذ أربعة أعوام.

الأسد يستقدم «الروسية» بنفسه إلى سوريا

لم يكن انتشار اللغة الروسية في المدن السورية هو الشكل الوحيد للتحول للاختراق الثقافي والسياسي من قِبل روسيا لسوريا، ولكن يبدو أن بشار الأسد بنفسه كان على استعداد للمساهمة في ذلك؛ إذ يأتي هذا في الوقت الذي نقلت فيه الوكالة الروسية خبرًا في فبراير (شباط) 2018 عن رياض حدَّاد، السفير السوري في روسيا، قوله: إن الأسد تبرَّع بقطعة أرض بالقرب من دمشق، وذلك من أجل بناء مدرسة روسية في الشرق الأوسط بدمشق؛ إذ تم الإعلان عنها بكونها إحدى أهم الأحداث في التعاون الروسي السوري الإنساني في مجال التعليم تحت إشراف بشار الأسد والجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في روسيا، وباتباع مناهج روسية مترجمة إلى العربية.

الجدير بالذكر أنه مع تزايد اهتمام السوريين بالتعليم العالي الروسي، وارتفاع شعبية اللغة الروسية في سوريا، هناك ما يقارب 30 ألف شخص في الداخل السوري يتعلمون الروسية في أماكن مختلفة في الوقت الحالي. وقد أدرجت وزارة التربية السورية اللغة الروسية في مناهجها كلغة أجنبية ثانية إلى جانب الإنجليزية، وبديلًا اختياريًا عن الفرنسية ذات التاريخ العريق في المدارس السورية؛ وقد بلغ عدد المدارس التي تدرّس اللغة الروسية العام الماضي 170 مدرسة في معظم المدن السورية، استعانوا بنحو المائة مدرس ومدرسة من سوريا ممن يتقنون اللغة، مع توقعات بازدياد العدد العام الدراسي المقبل الذي متوقع أن يبدأ خلال شهر سبتمبر (أيلول) الجاري.

كما افتتحت وزارة التعليم العالي السورية العام الماضي مركزًا روسيًا في جامعة دمشق لتنسيق التعاون بين الجانبين الروسي والسوري في مجال تعليم اللغة الروسية للطلاب السوريين.

وإضافة إلى ذلك توجهت العديد من مراكز ومعاهد اللغات الخاصة في مدن عديدة مثل دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس لتدريس اللغة الروسية بالاستعانة بمدرسين من روسيا أو محليين ممن يتقنون اللغة.

«الطيور على أشكالها تقع».. 6 تشابهات بين سوريا وكوريا الشمالية

الأطفال السوريون إلى المعاهد العسكرية الروسية

اتفقت الحكومة الروسية مع نظيرتها السورية على توقيع اتفاقية ثنائية حول دراسة القاصرين السوريين في مدارس وزارة الدفاع الروسية، وذلك في منتصف يوليو (تمّوز) 2018، بحسب ما نشره موقع «روسيا اليوم» الروسي.

وأشار الموقع إلى أن الأمر الذي وقعه رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف، ينص على «ضرورة الموافقة على مشروع الاتفاقية التي قدمتها وزارة الدفاع الروسية، وتم تنسيقها مع وزارة الخارجية الروسية والهيئات الفيدرالية المعنية الأخرى، كما تم تنسيقها تمهيديًا مع الجانب السوري»، حول دراسة السوريين القاصرين في المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة الدفاع الروسية التي تنفذ البرامج التعليمية الثانوية والمهنية والمتكاملة مع البرامج التعليمية الإضافية، والهادفة إلى إعداد الطلاب للخدمة العسكرية والعمل في مؤسسات الدولة.

الجدير بالذكر أن القرار يجري تنفيذه  في المدارس التابعة لوزارة الدفاع الروسية؛ إذ اقترحت روسيا إعداد الطلاب على أساس العقود الموقعة من قبل الهيئات المناسبة للجانبين، ووفق البرامج التعليمية التي تم وضعها للطلاب الروس في هذه المدارس. وستتم العملية التعليمية في هذه المؤسسات مجانًا وباللغة الروسية. يأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه الجانب الروسي تحمله لكل تكاليف الدراسة. أمَّا فيما يتعلَّق باختيار الطلاب للمدارس الروسية، فسيقوم به الجانب السوري.

بعد ذلك بشهرٍ واحدٍ فقط، وتحديدًا في أغسطس (أب) 2018، وصل ثمانية أطفال سوريين إلى مدينة سان بطرسبورج، كدفعة أولى من الطلبة السوريين الذين تنوي موسكو استقدامهم بشكل سنوي للدراسة في المدارس العسكرية الروسية، وإعدادهم ورعايتهم كقادة محتملين في السنوات الطويلة اللاحقة.

الجدير بالذكر أن السفارة السورية لدى موسكو أكدت الخبر، وذكرت أن ذلك يأتي ضمن إطار اتفاق دائم وسنوي لتدريس مجموعة من الأطفال السوريين، حيث يخضعون للتدريب ضمن فيلق الطلاب الروس.

من جانبه أكد رئيس اللجنة الفرعية التابعة لمجلس «الدوما» الروسي حول التعاون العسكري والتقني الدولي، النائب أولجا كوفيتيدي أن إعداد ضباط عسكريين على درجة عالية من الاحتراف من قبل روسيا هو استثمار كبير في مستقبل سوريا.

الجدير بالذكر أن أعمار الأطفال والطلاب تتراوح بين 10 إلى 15 عامًا فقط، وسيخضعون لنفس التدريب العالي، الذي يخضع له الطلاب الروس في المدارس العسكرية.

العلويون في سوريا يتحدثون لـ«ساسة بوست».. كيف يرون بشار الأسد الآن؟ 

المناهج السورية.. روسيا وُجدت لتبقى في سوريا

تعتبر المناهج الدراسية الي يتم تدريسها للأطفال في سوريا  أن العلاقات السورية مع روسيا هي علاقات دائمة، مشيرةً إلى أن روسيا هي الحليف الأقرب والأبرز لسوريا، وللعالم العربي، فضلًا عن الأعداد الكبيرة المتزايدة حول الأطفال المتعلمين اللغة الروسية، وهي الخطوة التي أصبحت إلزامية في عدد من المدارس والمراحل التعليمية.

ليس هذا فقط، بل تشير المناهج السورية في المدارس إلى أن «روسيا لن تذهب إلى أي مكان بعد الحرب، وإنما وُجدت لتبقى في سوريا»، وذلك بحسب التقرير الذي أصدره «معهد متابعة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي»، والذي قام بتحليل المناهج الدراسية السورية منذ عام 1998 وحتى الآن، والذي نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية نتائجه؛ إذ قامت دكتورتان بفحص وتحليل الكتب المدرسية بدايةً من الصف الأول، وحتى الصف الثاني عشر، وذلك في المناطق التي تسيطر عليها قوات الرئيس السوري «بشَّار الأسد».

الغريب في الأمر أنه في الوقت نفسه ذُكرت إيران في المناهج السورية على أنها منافس إقليمي، وذلك برغم مساهمتها الكبيرة في تعزيز نظام الأسد، وهو ما يشير إلى أن التحالف السوري الإيراني ليس دائمًا وقويًا كالتحالف السوري الروسي، ولكنه مجرد تحالف مؤقت معتمد بالأساس على البراجماتية.

سوريا متصدرة.. تعرف إلى ترتيب بلدك في مؤشر عدد النازحين داخليًّا