نشأ تحالف بين الرياض وأبوظبي منذ عام 2015، راجت حوله انطباعات بسيطرة الأخيرة على مواقف الثانية، بالتزامن مع صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورجاله الجُدد في الحكم، وهو الذي دعمته أبوظبي في دوائر صنع القرار بواشنطن على حساب منافسه آنذاك محمد بن نايف، وسط تسريبات تظهر بين الحين والآخر عن رفض أعضاء مؤثرين داخل الأسرة الحاكمة لسياسة التماهي الكامل في ظل الإمارات.

غير أن علاقة السعودية مع الإمارات التي حاولت الظهور في موقع القيادة بالخليج، تخللتها خلافات في المواقف تجاه قضايا كبرى أسست للتحالف بين البلدين في ظل اتجاه المملكة لتبني خط جديد في سياساتها الخارجية تجاه أكثر من قضية، مدفوعة في هذا التحول بخلفيات عديدة من ضمنها الرغبة في التمايز عن سياسة أبوظبي. يحاول التقرير التالي التعرف على أبرز القضايا التي أظهرت السعودية خارج التطابق في المواقف مع أبوظبي، وإن لم يصل بعد إلى درجة الافتراق، وانعكاسات هذا الأمر على خريطة التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط.

المصالحة الخليجية.. السعودية تخالف القرار الإماراتي

برز الخلاف الأكبر بين أبوظبي والرياض في موقف كلتا العاصمتين تجاه القبول بعودة المفاوضات لإنهاء الخلاف مع قطر؛ إذ تحركت الرياض بشكل مستقل خلال الشهور الأخيرة في زيارات وجلسات مع الدوحة انتهت باتفاق أولي، وسط صمت رسمي من أبوظبي، وتسريبات تحدثت عن رفضها سياسة إعادة العلاقات من الأساس، وعكست تغطية وسائل الإعلام المملوكة للدول الثلاث هذا الأمر، إذ ظهر التزام من جانب وسائل الإعلام السعودية والقطرية بالتهدئة، بينما ظل الهجوم مستمرًا وقائمًا بين الدوحة والقاهرة وأبوظبي.

ملمح آخر لهذا الخلاف ظهر في تغريدة نشرها الدكتور عبد الخالق عبد الله مستشار ولي عهد أبوظبي، باتجاه معاكس للتفاؤل السعودي بقوله: «لن يتحرك قطار المصالحة الخليجية ميلمترًا واحدًا بدون علم، وبدون موافقة، وبدون مباركة الإمارات المسبقة»؛ وهو ما أغضب الدكتور تركي الحمد المحسوب على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فرد عليه «كل الاحترام لدولة الإمارات، ولكنك بالغت كثيرًا.. ولو قلت لا مصالحة إلا باتفاق الدول الأربع لكان الأمر مقبولًا ومنطقيًا، أما أن تجعل الإمارات هي سيدة القرار بلا منازع فهذا ينفيه واقع الحال».

غير أن الملمح الأبرز لهذا الخلاف في الرؤى والتحرك السعودي المنفرد في هذه القضية هو انتهاء المفاوضات مع الدوحة باتفاق ربما سيتم توقيعه خلال أسابيع، نص على شروط تضبط العلاقة بين العاصمتين فقط دون إدراج أبوظبي أو القاهرة في موقع من هذا الاتفاق، حيث تضمنت بنود الاتفاق، كما سربها دبلوماسيون أمريكيون، سماح السعودية للقطريين باستئناف الرحلات الجوية عبر المجال الجوي السعودي مقابل سحب القطريين للدعاوى القضائية الدولية المعلقة ضد السعودية، وتجاهلت البنود على ما يبدو قائمة الثلاثة عشر مطلبًا التي روجت لها الإمارات ومصر لعودة العلاقات مع الدوحة.

صحافي يعمل في إحدى وسائل الإعلام السعودية، أكد في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أنه يمكن التأريخ للبداية الحقيقية لالتزام الوسيلة الإعلامية التي يعمل بها تجاه الدوحة منذ نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول)، مؤكدًا أنه خلال الخمسين يومًا الماضية لن تجد تقريرًا فيها منتقدًا للسياسة القطرية، فضلًا عن رفع الحجب عن وسائل الإعلام القطرية في السعودية.

وأكد المصدر الصحافي أن الالتزام بالتهدئة لهذه الفترة يبدو «نادرًا» قياسًا على السنوات الأخيرة، وهي أطول مدة زمنية من التهدئة التي اتبعتها الوسيلة التي يعمل بها تجاه السياسة القطرية خلال المفاوضات المنفردة بين الدوحة والرياض في نهاية العام الماضي التي لم يكتب لها النجاح.

مقابل ذلك أبرز موقع «العين الإماراتي»، وهي إحدى وسائل الإعلام التابعة لجهاز أبوظبي للإعلام، تقريرًا حديثًا بعنوان «مؤامرة ضد المصالحة الخليجية.. إساءات إعلام قطر تتواصل»، تحدث خلاله عن استمرار الدوحة عبر وسائل الإعلام المملوكة لها في خرق ما تعتبره شروط المصالحة، عبر التصعيد ضد أبوظبي والقاهرة، بحسب تقرير الموقع.

‌«الإمارات سربت الخبر».. الرياض لا تسير على خُطا أبوظبي في التطبيع

القضية الثانية التي أظهرت خلافًا في الرؤى بين الرياض وأبوظبي هي مسألة موقف البلدين تجاه قضية التطبيع، والتي انعكست في تعاطي كلتا العاصمتين مع العلاقة مع تل أبيب، بالتزامن مع دعوة واشنطن لحلفائها في الخليج لإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل. بينما حاولت أبوظبي الجهر بسياسة التطبيع مع الهرولة في إقامة علاقات مع تل أبيب على كافة المستويات، التزمت الرياض بتجنب أي اتصال عام علني مع «أشخاص مرتبطين بإسرائيل».

وكان المظهر الأبرز لمحاولة السعودية التميز عن الإمارات في هجوم الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، لإسرائيل، خلال حديثه على هامش مؤتمر «حوار المنامة» بالبحرين، عبر الإشارة إلى أنها «دولة فصل عنصري غير ديمقراطية، ترغم الفلسطينيين بالتعفن في معسكرات اعتقال دون سبب وجيه».

كما أعرب عن رفضه لـ«اتفاقيات إبراهيم»، وقال إن السلام في المنطقة والعلاقات بين إسرائيل والسعودية لا يمكن تحقيقها إلا بعد تنفيذ مبادرة السلام العربية، التي تدعو إلى قيام دولة فلسطينية على خطوط 1967 تتضمن القدس الشرقية عاصمة لها.

ويزيد من أهمية هذه التصريحات كونها صدرت من جانب الفيصل، وهو «الرجل غير الرسمي الذي اختارته العائلة المالكة لإجراء اتصالات مع إسرائيل» خلال السنوات الأخيرة، فيما رآه باحثون إسرائيليون أنه يهدف «لتحقيق بعض التوازن في نهجها، حتى لا يبدو أنهم يميلون أكثر من اللازم نحو إسرائيل».

وأتت هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان إماراتي عبر سفيرها لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة مؤخرًا للقناة 12 الإسرائيلية بالتأكيد على أنه «لا يعتقد أنه سيتم حل الأزمة الخليجية في أي وقت قريب» كما اتهم العتيبة قطر «بلعب دور الضحية».

وبحسب مصدر دبلوماسي فلسطيني مُقيم في القاهرة، تحدث لـ«ساسة بوست»، فإن عدم إقدام السعودية على خطوة التطبيع يعود بشكل رئيس إلى رغبتها في التميز عن الإمارات إقليميًا، موضحًا أن الأمر الذي يدفع نحو هذا المسار هو رغبة أعضاء في الأسرة الحاكمة بعدم إقامة علاقة كاملة مع تل أبيب، على الرغم من توسع العلاقات مع تل أبيب أمنيًا واستخباراتيًا.

ويقول المصدر الدبلوماسي: إن الرياض علمت بأن أبوظبي كانت وراء تسريب زيارة نتنياهو للرياض «سرًا»، ولقائه بولي العهد السعودي، وهي الزيارة التي نفاها وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، وأكدتها وسائل الإعلام الإسرائيلية.

عامل آخير يرتبط بجوهر سياسة المملكة الخارجية يتعلق بكون «الدبلوماسية السعودية معروفة بمبادرات النفس القصير التي تأفل برحيل أصحابها أو بتراجع مواقعهم»، وهو ما تحقق مع قدوم فريق جديد لإدارة سياسة المملكة الخارجية من أبرز رجاله سعود الفيصل.

العلاقات مع تركيا.. تحسن بعد سنوات من القطيعة

القضية الثالثة التي شهدت مؤشرات على تغير في موقف الرياض تجاهها هي العلاقة مع تركيا، والتي ظهرت عدد من العلامات تؤشر على احتماليات تحسن وتحول مستقبلي فيها. المؤشر الأول الدال على هذا التحول هو إعلان الملك سلمان بن عبد العزيز، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تقديم التعزية بضحايا زلزال ولاية إزمير التركية، إضافة للإعلان عن مساعدات للمنكوبين في الزلزال، بتوجيهات منه، وتبع هذا الإعلان اتصال هاتفي من جانب الملك سلمان، بعد سنوات من القطيعة، بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

أعقب هذا الاتصال انعقاد لقاء بين وزيري خارجية السعودية، فيصل بن فرحان آل سعود، وتركيا ،ومولود جاويش أوغلو في النيجر على هامش اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي، انتهى بإعلان الأخير أن بلاده تولي أهمية لعلاقاتها مع السعودية، معتبرًا أن «الشراكة القوية بين تركيا والسعودية ليست لصالح البلدين فحسب، بل للمنطقة بأكملها».

وأتى هذا التقارب مع نفي وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لأي شكل من أشكال المقاطعة السعودية «غير الرسمية» للمنتجات التركية، مشيرًا إلى أن العلاقات مع تركيا «طبية وودية»، فيما نقلت صحيفة صباح التركية عن وزير التجارة روحار بكجان قوله إننا «نتوقع خطوات ملموسة لحل المشاكل في علاقاتنا التجارية والاقتصادية». عزز هذا التقارب تخفيف أنقرة والرئيس التركي للغة التصعيدية المتبعة في قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وتأجيل محاكمة قتلته لمارس (أذار) المُقبل.

وبحسب سفير تركيا السابق لدى قطر، ميثات ريندي، فأحد دوافع التقارب السعودي التركي هو وصول جو بايدن، قائلًا: «السعوديون أدركوا أنهم يجب أن يكونوا مستعدين لمعاملة مختلفة من قبل إدارة بايدن، لذا تحركت الرياض وأنقرة معًا نحو وقف تدهور العلاقات، وإعادة التواصل من جديد، خصوصًا مع إدراك أنقرة أن الرياض ستكون لها داعمًا اقتصاديًا رئيسًا كما كانت في ظروفها الاقتصادية الصعبة».

سياسة

منذ سنتين
بينهما «شعرة معاوية».. لماذا تحرص السعودية على «وصل» تركيا مهما حدث؟

ونقل تحليل نشرته وكالة الأناضول الحكومية التركية عن مسؤول حكومي تركي أن استجابة بلاده للمكالمة الهاتفية للملك سلمان يؤكد أن أنقرة أكثر استعدادًا لاستعادة العلاقات مع الرياض، وذكر التحليل ذاته أن العداء الإماراتي لتركيا لم يظهر أي مؤشر على الانتهاء، بعد أن عارضت أبوظبي سياسة أنقرة الخارجية الإقليمية في ليبيا وسوريا، حتى بشكل استباقي أكثر من الرياض.

ما وراء هذه التغييرات في عقل الرياض؟

يُثير التمايز في المواقف السعودية عن حليفها الإماراتي تساؤلات حول الدوافع وراء هذا التغير في بوصلة الرياض لسياستها الخارجية تجاجه القضايا التي تطابقت فيها مواقفها مع أبوظبي، وشهدت تنسيقًا منذ عام 2015.

من جانبه قال رياض محمد، باحث عراقي متخصص في الشأن الأمريكي، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»ة: إن الخلافات بين الرياض وأبوظبي هي حقيقة «واقع»، وقد ظهرت داخل المحور السعودي الإماراتي مؤخرًا في أكثر من قضية أبرزها على سبيل المثال اهتمام أبوظبي بموضوع الموانئ، عبر محاولة إظهار أن لا منافس لموائنها، وهو ما صنع خلافًا مع الرياض في اليمن.

وأضاف رياض محمد، وهو كاتب رأي في مجلة «فورين أفيرز»، أن الإمارات لا تراعي كثيرًا الحساسية الدينية التي تراعيها السعودية باعتبارها أرض الحرمين، ولنفوذ علماء الدين فيها الذين ساهموا في إقامة الدولة السعودية، وهي القضية الثانية محل الخلاف بين البلدين، فضلًا عن تحرك الإمارات لمباردات هنا وهناك، ومحاولات للوصول لاتفاق مع إيران بشكل مستقل عن الرياض، كونها دولة أصغر وأضعف بكثير.

ويؤكد الباحث العراقي، المُقيم في أمريكا، أن للسياسة الخارجية السعودية ثوابت لم تحد عنها منذ تاسيسها، لكنها قد تكون شهدت خروجًا عن هذا الخط العام للسياسة التقليدية لها، خلال عهد الملك سلمان، واندفعت نوعًا ما نحو ما يمكن تسميته سياسة هجومية، وهذا نتيجة لعوامل متعددة مثل شخصية سلمان نفسه، وشحصية ابن سلمان، وصعود الدور الإيراني في المنطقة، وتراجع الدور الأمريكي.

ويُعد التحول الإماراتي تجاه طهران أحد الدوافع السعودية للتحرك منفردة في القضايا الكُبرى، إذ تبدل موقف أبوظبي من دعم وتأييد موقف الرياض في تبني سياسة «الضغط الأقصى» ضد طهران والتحريض عليه داخل البيت الأبيض منذ عام 2016، إلى تراجع أبوظبي عن هذا الموقف في العام الأخير، وكان من أبرز المؤشرات على ذلك زيارة وفد من خفر السواحل الإماراتي، نهاية العام الماضي، طهران لمناقشة الأمن البحري مع نظرائهم الإيرانيين. يتقاطع مع العامل السابق كون الإمارات كانت أقل تشددًا من السعودية في قطع جميع التبادلات الاقتصادية مع إيران.

العامل الآخر هو إدراك بعض الأفراد النافذين في الرياض، ممن يُعدون في الدائرة الخارجية لصنع القرار، أن التحركات الإماراتية المنفردة في اليمن بعيدًا عن التنسيق مع الرياض، وكذلك التهدئة مع طهران، ترقى إلى «الخيانة»، إلى جانب دفعهم نحو التأكيد على آثار وعبء هذا التحالف على سياسة بلادهم.

المصادر

تحميل المزيد