ميرفت عوف 13
ميرفت عوف 13

1,025

يحظى المسلسل التركي الأطول في تاريخ التلفزيون المغربي «سامحيني» منذ سنوات بمشاهدات عالية، لكن قبل نحو عام حذرت جمعية مغربية – تُعنى بحماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية – من أن هذا المسلسل هو أحد أسباب ازدياد حالات اغتصاب الأطفال في المغرب.

ومضت الجمعية تدلل على ذلك بالقول إن وقائع تسجيل هذه الحالات ارتفع مع توقيت عرض المسلسل التركي على شاشة القناة الثانية المغربية، حين تنشغل الأسرة بمتابعة أحداث المسلسل، فيما يستغل المغتصب أو المتحرش هذا الوقت لتنفيذ جريمته في ممرات العمارات وسلالمها والأقبية والمحلات حسب الجمعية، وفي وقت تزامن فيه هذا الاتهام والتحذير مع الإعلان عن إطلاق أول دليل للتكفل بالأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية، يبقي المغرب العربي حتى يومنا هذا يعاني من ظاهرة اغتصاب الأطفال، ويبحث عن أسبابها وحلولها.

اغتصاب القصر.. واقع مخيف بالمغرب

مر عام واحد على صدمة المغاربة بحادثة محاولة اغتصاب فتاة داخل حافلة للنقل العمومي في الدار البيضاء، ففي أغسطس (أب) 2017 انتشر مقطع فيديو يظهر مجموع من الشباب المراهقين يحاولون نزع ملابس فتاة مراهقة ولمسها، بينما هي تصرخ وتبكي.

Embed from Getty Images

وقبل أن يستفيق المغاربة من الحكاية السابقة وغيرها المئات لحالات اغتصاب الأطفال والقاصرين، شغلوا خلال الأيام القليلة الماضية بقضية اغتصاب فتاة في بلدة «أولاد العايدة» القريبة من العاصمة الرباط؛ إذ تعرضت فتاة تدعى خديجة وتبلغ من العمر 17 عامًا للخطف والاحتجاز والاغتصاب والتعذيب على أيدي 15 رجلًا لمدة شهرين، وبالرغم من وجود روايات تتهم الفتاة بالكذب وإقامة علاقات رضائية مع المتهمين، وقبل خروج نتائج التحقيقات الرسمية عقبت منظمة «اليونيسف» على الحادثة قبل أيام بالقول في بيان خاص: إن «حالة خديجة هي تنبيه حقيقي لجميع المتدخلين لتفعيل الاستراتيجيات، خصوصًا أن المحاكم المغربية عالجت 5980 حالة تعنيف لقاصرين سنة 2017».

وأضاف البيان أنه «يجب وضع مصلحة الأطفال على رأس الأولويات، والاهتمام بمعايير الرعاية والتكفل بالضحايا، الاستراتيجيات عليها أن تركز على الطفل والأسرة، وتعزيز التدابير الوقائية».

وتظهر الأرقام غير الرسمية واقعًا خطيرًا عن ظاهرة اغتصاب الأطفال في المغرب؛ فنحو 38% من حالات العنف الممارس ضد الأطفال هي حالات عنف جنسي ونفسي، فيما أكدت أرقام نشرت في العام 2013 أن وتيرة اغتصاب الأطفال ارتفعت خلال السنوات الأخيرة 50%، ومن بين هؤلاء 70% تعرضوا للاغتصاب من طرف أقاربهم، وتظهر التقارير الحقوقية أن الذكور هم أكثر عرضة للاعتداء الجنسي من الإناث، وأن حالات الاعتداء الجنسي تتوزع حسب طبيعة المعتدي، حيث يحتل الأقارب والجيران صدارة لائحة المعتدين، يليهم المعتدون الغرباء والأجانب، ثم الآباء وأطر المؤسسات التعليمية والخيرية والاجتماعية.

البيدوفيليا الأجنبية.. انتهاك الطفولة المغربية

في يناير (كانون الثاني) 2018، استفاقت مدينة فاس المغربية (شمال وسط المغرب) على «مصاب جلل»؛ لقد تعرضت أربع طفلات تتراوح أعمارهن بين 10 و13 عامًا لاعتداء جنسي داخل مشغل للخياطة على يد رجل فرنسي في الثامنة والخمسين من العمر.

Embed from Getty Images

خرجت المدينة غاضبة وهتف أهلها وحقوقيوها: «لا للسياحة الجنسية»، و«نطالب بأقصى العقوبة لبيدوفيل فاس»، و«هذا عيب هذا عار، أولادنا في خطر»، وطالبوا بإنزال أقصى عقوبة بحق المعتدي، هذه الحادثة تمخضت عن كون المغرب البلد السياحي أصبح قبلة للكثير من الراغبين في السياحة الجنسية، والتي يظل أخطرها دعارة القاصرين التي يبحث عنها بعض السياح الأجانب؛ إذ يرتبط وجود هؤلاء في المغرب بالبحث عن السياحة الجنسية والبيدوفيليا (الوَلَعُ بالأطفال جنسيًا)، ويحصلون على ما يريدون عن طريق الأموال الوفيرة التي تستخدم في استدراج الضحايا واستغلال فقرهم.

تتكرر مثل هذه الاعتداءات بالمغرب، ومن أبرزها حادثة استدراج الإسباني دانيال غالفان لـ11 طفلًا من مدينة القنيطرة المغربية واغتصابهم، وصعق المغربيون مرة أخرى بهذه القضية حين صدر عفو ملكي عن الرجل رغم وجود قوانين رادعة، لكن المغاربة لم يصمتوا على هذا القرار؛ فأجبرت الاحتجاجات الكبيرة الملك على إلغاء العفو عن بروفيسور باللغة العربية في جامعة مورسيا الإسبانية غالفان.

كما يمكن هنا ذكر قضية الصحافي البلجيكي فيليب السرفاتي الذي هزت فعلته الرأي العام المغربي في أبريل (نيسان) 2005، في مدينة أغادير (جنوب المغرب)؛ فقد قام السرفاتي باستغلال عشرات من الفتيات القاصرات وتصوريهن بشكل فاضح، ثم جمع قرصًا مدمجًا تضمن آلاف الصور الجنسية، ونشرها في أحد منتديات الحوارات الجنسية على الإنترنت.

وتلام الحكومة المغربية من قبل العديد من الحقوقيين والنشطاء بشكل عام في التسامح مع المتورطين الأجانب عن طريق تخفيف الأحكام الصادرة بحقهم أو تمكينهم من الفرار من المغرب دون معاقبتهم، وهذا بحسب هؤلاء الحقوقيين يشجعهم وغيرهم على القدوم إلى المغرب؛ لأنهم يعلمون مسبقًا أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب على الأرجح، ويرجع بعض الحقوقيين المغاربة سبب تساهل القضاء مع اغتصاب الأطفال من طرف البيدوفيليين الأجانب إلى هيمنة الدول الأجنبية على المغرب، وعدم استقلالية القضاء بحسبهم.

عواقب وخيمة لظاهرة اغتصاب الأطفال

لا يمكن نفي حقيقة كون الاعتداءات الجنسية على الأطفال جريمةً وسلوكًا مشينًا ومرفوضًا أخلاقيًا وقانونيًا، إلا أن ظاهرة اغتصاب الأطفال من طرف قاصرين هي أكثر فتكًا بالمجتمع في نظر بعض المحللين الاجتماعيين؛ كونها تعبر عن اختلالات كبيرة على المستوى السلوكي والاجتماعي للمغتصِب القاصر.

Embed from Getty Images

وبشكل عام يضع المختصون المغاربة ارتفاع نسبة الأمية سببًا رئيسًا في تفشي ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال؛ فالمستوى الدراسي للآباء والأمهات ينعكس غالبًا بتوفير رعاية أسرية سليمة، وتنشئة اجتماعية متوازنة، تحصن الأطفال ضد أن يقع عليهم، أو يقع منهم تحرش ما، أو انتهاك ما، كما أن أغلب القاصرين المستغلين جنسيًا ينحدرون من أسر فقيرة، أو أسر مضطربة.

وبالرغم من إلغاء الفصل رقم 475 من القانون الجنائي الذي كان يُبيح تزويج القاصر من مغتصبها، إلا أنه ما يزال يلقى باللوم على القانون المغربي وأحكامه التي تصدر في حق مُرتكبيها، ويعتبرها الحقوقيون مخففة لا تردع القائمين على هذه الممارسات، ففيما يقوم الجاني باغتصاب طفل أو طفلة ويخرج بعدها من السجن، غالبًا ما يعود إلى اقتراف جريمة مماثلة.

تقول رئيسة «جمعية ماتقيش ولادي» نجية أديب: «حقًا ما يحدث للقاصرين والأطفال بالمغرب شيء فظيع، وليس أطفال الشوارع أو ضحايا الطلاق أو الفقر أو الهجرة القروية وحدهم من يتعرضون للاغتصاب، فهناك أطفال ينتمون لعائلات ميسورة جدًا، ورغم عيشهم في الرفاهية، إلا أنهم يتعرضون لاعتداءات جنسية، إما من طرف الخدم أو السائق أو الطباخ، فجميع الأطفال بصرف النظر عن وضعيتهم وظروفهم الاجتماعية والبيئية، نجدهم مهددين باستمرار بخطر الاعتداء الجنسي، حتى داخل المدرسة أو في الحضانة، نجد خطرًا يحدق بهم على نحو مستمر».

وفيما يتعلق بإقدام القصر على اغتصاب الأطفال قالت: «أعتبر أن القاصرين الذين يغتصبون الأطفال هم مشاريع بيدوفيليين؛ لأنهم يمتلكون جيناتهم، ولو كانوا قاصرين، فيجب أن يسري عليهم نفس العقاب الذي يسري على الراشدين، فما دام هؤلاء يستطيعون ممارسة الجنس، فهم يستحقون عقابًا قاسيًا؛ لأنهم سيدخلون إلى السجن، وسيخرجون، وسوف يعودون إلى اغتصاب الأطفال من جديد، وهكذا».

وفيما يتعلق بالعواقب الوخيمة للاغتصاب على حياة الطفل، يقول الاختصاصي في العلاج النفسي أحمد الحمداوي: إن الاغتصاب يحطّم الوحدة النفسية للطفل، ويُدخله في حالة انزواء، ويمكن تقسيم هذه الانعكاسات إلى ثلاثة أنواع من الأعراض: «منها ما يظهر بشكل مباشر، ومنها ما يظهر بعد ستة أشهر أو سنة، وأعراض مؤجّلة لا تظهر إلا على المدى البعيد»، حسب الحمداوي.

Embed from Getty Images

ويضيف الاختصاصي في العلاج النفسي: «انعكاسات الاغتصاب كثيرة جدًا، سواء النفسية أو الجسدية، وتتمثل على المستوى الجسدي في بروز أعراض طبيّة مباشرة، مثل الإصابات، وأورام وتشققات على مستوى الدبر، وظهور أمراض متنقلة جنسيًا، أو الحمل، بالنسبة للفتيات».

ويتابع القول لـ«لفرانس24»: «الانعكاسات النفسية أكثر وقعًا من الانعكاسات الجسدية، لكون الاغتصاب يؤدّي إلى خلخلة الوحدة النفسية، والبنية الفردية للضحية، وهو ما يؤدّي إلى فقدان الطفل للأمان النفسيّ، ويصير عرضة للهلع والخوف واضطرابات النوم والشعور بالذنب»، ومن السهل أن يتفاقم الأمر نحو الخطر الشديد و ظهور أعراض أكثر حدّة وخطرًا، إذا لم تتم متابعة ومعالجة الطفل الذي تعرض للاعتداء، ومن ذلك «الاكتئاب الذي يفضي إلى الانتحار، والانحراف، عبر تعاطي المخدرات والكحول، أو اللجوء إلى الإجرام، من أجل الانتقام الرمزيّ؛ لكون المغتَصَب يجد نفسه عاجزًا عن الخروج من قوقعة الضحية، وقد يؤدّي الاغتصاب في حال عدم المتابعة النفسية للضحية إلى التطرّف الفكريّ والدّيني».

الإخصاء الجراحي ليس حلًا

انشغلت الساحة المغربية قبل فترة بخبر إعلامي يفيد أن المغرب قد أقرر قانون الإخصاء الجراحي للمغتصبين، إلا أن هذا الخبر الذي كان مجرد «كذبة أبريل»، لم يبرح أن تحول لمطلب على ألسنة عدد من الجمعيات المهتمة بالطفل لمعاقبة مغتصبي الأطفال.

انطلق تأييد الجمعيات وعدد من الحقوقيين لضرورة إقرار سن قانون الإخصاء اقتداءً بدول متقدمة قامت بسنه، مثل: بولندا، وكوريا الجنوبية، وإندونيسيا، والهند، وكازاخستان، ويعتقد هؤلاء أن العقوبة مع بقاء المغتصب في السجن تشكل رادعًا كبيرًا للتصدي للظاهرة بوضع المعتدي أمام بعض المشاكل التي يعاني منها المعتدى عليه.

والإخصاء الكيميائي هو «استخدام عقاقير للحد من الشهوة الجنسية، دون اللجوء إلى التعقيم، أو استئصال الأعضاء التناسلية»، فيما يؤكد المعارضون لهذا القانون أن إخصاء المغتصب عقوبة لا تحترم حقوق الإنسان، وهي ضمن العقوبات الجسدية التي أصبحت مرفوضة بشكل عام، ويطالب هؤلاء بعقوبات بديلة، وهي العقوبات الحبسية، وهي كافية للردع، إذا كانت صارمة ومرتفعة من وجهة نظرهم.

على جانب آخر تلام الحكومة المغربية بالتساهل في قضايا «دعارة الأطفال»؛ إذ توجد مدن مخصصة فيها قاصرات وقاصرون يتعاطون الدعارة مهنًة لهم، ويدعو الحقوقيون المغاربة الحكومة لإرادة سياسية لقطع هذه الظاهرة وعلاجها من أسسها، وينتقد العديد من الحقوقيين القانون الجنائي المغربي لعدم تسمية الظواهر المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال بمسمياتها؛ فهو لا يتحدث عن السياحة الجنسية وعن دعارة القاصرين، فينص الفصل 475 على أن «من اختطف أو غرر بقاصر يقل سنه عن 18 سنة بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 200 إلى 500 درهم»؛ فالمغرب وهو طرف في اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 وبروتوكلاتها الاختيارية، ملزم بالحفاظ على حقوق القاصرين وحمايتهم خاصة.

تقول رئيسة الجمعية الديمقراطية للنساء بالمغرب سعيدة الإدريسي: إنه «يجب تشديد العقوبات على المغتصبين في الجانب القانوني، والاقتداء بأوروبا في توفير علاج نفسي لهم، يجب كذلك توعية الأطفال، وأن توفر الدولة الحماية للأطفال»، وتوضح خلال حديثها لـ«العمق» المغربية: «أن انتشار ظاهرة الاغتصاب يشعر المواطنين أنه ليس هناك قانون فعلًا لردع المغتصبين، القضاة يجب أن يكونوا صارمين في هذا الأمر، وإذا كان الضحية طفلًا، ويتوفر على شهادة طبية من طبيب تثبت تعرضه للاغتصاب، فذلك كاف، ولا يحتاج الأمر إلى إثباتات أخرى».