أسبوع مضى على بدء سريان الحظر الجوي الذي فرضته حكومة بغداد مساء الجمعة 29 سبتمبر (أيلول)، كإجراءات ضد حكومة إقليم كردستان التي أجرت استفتاء للانفصال عن العراق في الـ 25 من سبتمبر، كان الحظر الجوي أول رد للحكومة المركزية تمثل بتعليق كافة الرحلات الجوية من وإلى مطاري أربيل والسليمانية، فما هي تأثيرات هذا الحظر على الوضع في الإقليم؟ وكيف سيؤثر موقع الإقليم الجغرافي لإقليم كردستان في تمكنه من تجاوز الحظر من عدمه مقارنة مع الحظر الجوي لدول الحصار الخليجي على دولة قطر التي تشهد حالة شبيهة إلى حد ما بدأت منذ قرابة أربع أشهر.

بالتفصيل.. ما الذي ينتج عن الحظر؟

حظر جوي على مدن الإقليم هو الأول من نوعه الذي يتعرض له إقليم كردستان، حيث يوجد في اقليم كردستان مطاران دوليان هما مطار اربيل الدولي في عاصمة الإقليم «أربيل» ومطار السليمانية الذي يحمل اسم المدينة، ويستقبل هذان المطاران عشرات الآلاف من المسافرين سنويًا نظرًا لما يتمتع به الاقليم من استقرار نسبي وحركة اقتصادية.

الحظر الجوي على الاقليم ليس شاملا وإنما على الرحلات الدولية فقط، حيث أعلنت السلطات العراقية استمرار الرحلات الداخلية مع إقليم كُردستان العراق، واشترطت الحكومة على الإقليم السيطرة على منافذه ومطاراته لعودة الطيران الدولي إلى سابق عهده، ولفتت الحكومة إلى أنّ السيطرة على مطارات ومنافذ إقليم كُردستان إنما هي خطوة لمنع الفساد والتهريب وليس لتجويع الشعب الكُرديّ، حسبما ورد.

وأعلنت مديرة مطار أربيل الدولي «تالار فايق صالح» أن منع الرحلات من مطاري إقليم كردستان واليهما لا يشمل الرحلات الإنسانية والعسكرية والدبلوماسية وأضافت أن القيود على الرحلات الدولية ستحدّ بكل تأكيد من قدوم رجال الأعمال والمغتربين الأكراد، و ستؤثر على قطاعات متعددة منها الفندقة والخدمات المالية والنقل والعقارات.

المحلل الاقتصادي الكردي محمود طاهر قال لـ«ساسة بوست» إن أكثر من 450 شركة سفر وسياحة كردية قد تأثرت أو ستتأثر مباشرة بحظر السفر الذي يهدد أيضًا 7 آلاف وظيفة في القطاعات المتداخلة مع قطاع الطيران، من بينها مكاتب الخطوط الجوية الأجنبية وقطاع الفندقة والخدمات المصرفية والترفيه.

وأضاف طاهر أن الإقليم يمكن له أن يستمر دون خطوط طيران، ولن تؤثر كثيرًا على الوضع الإنساني في الإقليم، لكن هذا الحظر أضر بكل تأكيد بالفرصة التي كان يحظى بها مطارا الإقليم على اعتبار أنهما وجهتان دوليتان، وأن الانقطاع عن الخطوط الدولية سيؤثر بكل تأكيد على مستقبل المطارين وفاعليتهما على المدى القصير، وفي حالة رفع الحظر الجوي، وأضاف محمود أن الخطوط الجوية الدولية لن تعاود الطيران إلى الإقليم مباشرة؛ نظرًا للإجراءات والترتيبات التي تستغرقها، وقد تحتاج لفترة زمنية آمل أنها لن تطول في حال انتهى الحظر قريبًا.

وكان تقرير – بثته قناة روداوو – قد سلط الضوء على العمالة الأجنبية في إقليم كردستان، وعن عدم تمكن هذه الفئة من السفر إلى بلدانهم الأصلية للتمتع بالإجازة السنوية نظرًا للحظر الجوي، حيث إن غالبية العمال الأجانب الذين يعملون في إقليم كوردستان يزورون عوائلهم مرة واحدة في السنة، لكنهم الآن باتوا غير قادرين على السفر إلى بلدانهم نتيجة الحظر.

وعن قدرة هذه العمالة الوافدة على السفر عبر مطار بغداد الدولي، يقول الخبير القانوني أحمد العلي لـ«ساسة بوست» إن إجراءات الإقليم في استقبال العمالة الوافدة تختلف عما هو معمول به في بغداد، حيث إن هؤلاء العمال في إقليم كردستان غير قادرين على السفر إلى بلدانهم من مطار بغداد الدولي، حيث إنهم لم يحصلوا على تأشيرة رسمية من بغداد؛ وبالتالي هم غير مسجلين لدى دائرة الإقامة العراقية.

وتشير تقارير صحافية إلى أن عدد العمالة الأجنبية في العراق بلغت 200 ألف عامل وعاملة منذ عام 2003، ولإقليم كردستان نصيب كبير من هذه العمالة؛ نظرًا لما يتمتع به من استقرار أمني وحركة اقتصادية كانت نشطة مقارنة بباقي المدن العراقية.

Embed from Getty Images

صالة داخلية في مطار أربيل الدولي

وفيما يتعلق بقدرة حكومة الإقليم على مجابهة الحظر واحتمالية إغلاق المعابر البرية، يقول الصحافي العراقي في بغداد مروان الجبوري لـ«ساسة بوست» أعتقد أن إقليم كردستان ما زال يفتقد إلى موارد اقتصادية يمكن أن تشكل أساسًا أو قاعدة لدولة قادمة، فبالرغم من وجود جو وتربة مناسبتين للزراعة؛ إلا أن القطاع الزراعي لا يشكل موردًا ماليًا قويًا في ميزانية الإقليم؛ حيث ما زال يستورد الكثير من المحاصيل والخضروات والفواكه من الجارتين: تركيا وإيران، فضلًا عن حكومة المركز، ووفق البيانات الرسمية الكردية، فإن نسبة الاكتفاء من الإنتاج المحلي للإقليم بلغت 66% للخضراوات، و27% للفواكه، و54% للحوم الدجاج، و71% للبيض، و100% للقمح، و27% للحوم الحمراء، و32% للحليب، ويضيف الجبوري أن هجرة الكثير من الفلاحين القرويين نحو مراكز المدن في السنوات الأخيرة يدحض هذه الإحصاءات الكردية في رأيي، كما أن حكومة الإقليم لا زالت تستورد خضروات وفواكه يمكن زراعتها في الإقليم بسهولة، مثل البطيخ والطماطم والخيار وغيرها.

أما القطاع الصناعي فلم يشهد تقدمًا كبيرًا، بالرغم من حالة الاستقرار الأمني والسياسي التي يعيشها الإقليم، ولا زالت أربيل وغيرها من المدن الكردية تعد سوقًا كبيرة للبضائع التركية، ومن بعدها الإيرانية.

وعن السياحة وما تدره من أموال على الإقليم يقول الجبوري: تعد السياحة مصدرًا هامًا للدخل الكردي، حيث تجتذب مصايف الإقليم ومدنه مئات آلاف السياح من داخل العراق، وبضعة آلاف من خارجه، على مدار العام، ومنع حركة الطيران، وربما منع دخول المواطنين العرب إلى الإقليم؛ سيصيب هذا القطاع في مقتل، لاسيما وأن الكثير من العرب المقيمين هناك لأسباب مختلفة عادوا إلى مدنهم أو يفكرون في العودة، وربما المغادرة إلى دول أخرى.

أما النفط الذي يعد عصب الاقتصاد الكردي حاليًا، فإنه المورد الرئيس والهام المتوقع لـ«دولة كردستان» المرتقبة، وهو الذي تقع معظم حقوله في مناطق متنازع عليها مع الحكومة المركزية، ومن الوارد جدًا نشوب صدام مسلح بين الطرفين على هذه المناطق، ومن الصعب التكهن بنتيجته، لكن هذا يزيد احتمالية خسارة كردستان لهذا المورد الطبيعي الرئيس؛ مما يعني خسارتها للكثير، فضلًا عن الحصار السياسي، وربما الاقتصادي المتوقع من العراق وتركيا وإيران، إذا تم إعلان الدولة، خاصًة أن إيران أعلنت مؤخرًا إيقاف حركة الصهاريج النفطية التي كانت تمر عبر اراضيها إلى خارج العراق، والتي كان الإقليم يبيع بموجبها النفط خارج سلطة بغداد.

وعن احتمالية حدوث انفراجة في الأزمة خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ختم الجبوري حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول من الوارد حدوث انفراجة في الأزمة، لكنها مرتبطة بعاملين مهمين: أولهما ما يمكن أن تقدمه بغداد من إغراءات للأكراد للعودة إلى وضعهم السابق، بالإضافة إلى حجم الضغوط الإقليمية والدولية على القيادة الكردية لدفعها للعدول عن السير في هذا الاتجاه.
كما أن احتمالات الصدام واردة مع وجود أطراف وقوى متنفذة داخل الحكومة العراقية تدفع لاستخدام القوة العسكرية مع الإقليم؛ لاستعادة المناطق المتنازع عليها على الأقل.
ويضيف المحلل، في اعتقادي أن نهاية «تنظيم الدولة الإسلامية – داعش» المرتقبة ستوضح الخطوات التي ستتخذها الحكومة العراقية تجاه الأزمة بشكل أكثر وضوحًا؛ لأن بغداد ما زالت تناور حتى الآن كسبًا للوقت؛ لانشغالها بتحرير ما تبقى من مدن ومناطق في قبضة داعش، وهي على وشك الانتهاء من ذلك.

وكان الخبير العسكري العقيد الركن «حاتم الفلاحي»، وهو ضابط عراقي في الجيش العراقي السابق، قد قال في مداخلة تلفزيونية: إن تداعيات الحظر الجوي على كردستان ستكون سياسية واقتصادية، فضلًا عن أن إقليم كردستان كان قد ارتبط بعلاقات دولية مع كثير من شركات الطيران والبلدان، وأضاف الفلاحي أن إقليم كردستان كان يتصرف خلال السنوات الماضية وكأنه دولة داخل الدولة، واكتسب كثيرًا من العلاقات والخبرات خلال الفترة الماضية، بحسب قوله.

وأضاف الفلاحي أن فرض الحظر يأتي ضمن الضغوط السياسية لإجبار الأكراد على التراجع، وأن خطوات جديدة قد تتخذها الحكومة، مثل غلق المعابر البرية، إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة مع كل من إيران وتركيا.

وعن الآمال التي كان يعقدها رئيس الإقليم مسعود البارزاني، وأضاف الفلاحي أن البارزاني ربما يكون قد تورط في هذا الاستفتاء، حيث إنه لم يحسب ردود الأفعال الممكنة من دول الجوار الإقليمي، خاصة أن إقليم كردستان ليس لديه ممر بحري يعوضه عن المعابر والمطارات.

إجراءات كردية قانونية مضادة

قدمت السلطات الكردية العراقية الأحد الماضي الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري شكوى إلى منظمة الطيران المدنى الدولية «الإيكاو ICAO» ضد الحظر الذي فرضته بغداد على الإقليم. وقال «هوشيار زيباري» وزير الخارجية العراقي السابق والعضو الحالي في مجلس استفتاء إقليم كردستان: إن إقليم كردستان رفع شكوى رسمية للإيكاو ضد الحظر الجوي الذي تفرضه بغداد على الإقليم، والذي يعوق بحسب زيباري نقل المساعدات الإنسانية إلى النازحين العراقيين في الإقليم، وتعتبر المنطقة الشمالية من العراق ملاذًا آمنًا للمدنيين الفارين من معركة الحكومة ضد المتطرفين في داعش، بحسبه.

وقال وزير النقل في حكومة إقليم كردستان «مولود باوا» مراد: إن الحظر سيؤثر سلبًا على جميع الشركات الدولية العاملة في إقليم كردستان، فضلًا عن تأثيره على المواطنين، وصعوبة سفرهم، وأضاف باوا أن سلطات الإقليم ستبذل قصارى جهدها لإيجاد بديل قابل للتطبيق، بما في ذلك محاولة استئناف الرحلات الدولية.

Embed from Getty Images

حركة المسافرين في مطار أربيل الدولي قبيل الحظر

يقول الخبير الاستراتيجي العراقي سمير عبيد: إن العراق ربما يكون قد ارتكب خطأ قانونيًا لصالح الأكراد، يتمثل  في قانون الطيران العراقي المرقم 184 لسنة 1974 النافذ، والذي ينص في مادته الثالثة أن معاهدة شيكاغو للطيران المدني لسنة 1944 جزء لا يتجزأ من هذا القانون، وأن العراق ملتزم بالمعاهدة، ويضيف عبيد أن المادة التاسعة من الاتفاقية تنص على أن «المناطق المحرمة» والتي يسمح فيها للدولة بحظر الطيران فوق جزء من إقليمها يكون لسببين اثنين: هما حالة الحرب، والدواعي الأمنية، وهذان السببان لا ينطبقان على حالة إقليم كردستان، بحسب عبيد.

نجحت قطر.. فهل سينجح الإقليم؟

أقرب حالات حظر الطيران في منطقة الشرق الأوسط، هو الحظر الجوي على قطر الذي فرضته كل من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين في يونيو (حزيران) الماضي، والذي كان عقب قطع هذه الدول مجتمعة، إضافة إلى مصر، العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر، وإغلاق المجالات الجوية والبحرية والبرية أمامها بحجة دعمها للإرهاب، إلا أن هذا الحظر كان على الخطوط القطرية فقط، أو الطائرات المسجلة في دولة قطر، وليس شاملًا.

يقول الخبير القانوني الدولي أحمد العلي لـ«ساسة بوست»: إن الحظر الجوي على دولة قطر لا يقارن بالحظر الذي فرضته الحكومة المركزية في بغداد على إقليم كردستان لعدة أسباب: لعل أهمها أن قطر دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، ولديها خطوط طيران مستقلة، وبالتالي تخضع لاتفاقية شيكاغو المنظمة لحركة الطيران الدولي، أما إقليم كردستان فهو إقليم داخل الدولة العراقية، وليس دولة لحد الآن، وبالتالي فمن حق الحكومة العراقية أن تطالب بسيادتها على المنافذ الحدودية، وضمنها المطارات.

ويضيف العلي أن السبب الآخر الذي يختلف فيه وضع كل من قطر وإقليم كردستان، هو أن قطر لديها حدود مائية، وبالتالي يفقد أي حصار أحادي لمعناه ما دام ليس صادرًا عن مجلس الأمن الدولي، أما حال إقليم كردستان فلا يملك أي منفذ مائي على العالم الخارجي، فضلًا عن كونه محاطًا بقوى إقليمية رافضة لفكرة انفصال الإقليم عن العراق؛ لما له من تبعات قد تنتقل إلى داخل الجوار الإقليمي في كل من تركيا وإيران.

وعن المادة التاسعة المنصوص عليها في اتفاقية شيكاغو للطيران التي تتعلق بالمناطق التي يحق للحكومات فيها حظر الطيران فوق أراضيها يقول العلي: «أعتقد أن المستشارين القانونيين للحكومة العراقية يدركون نص هذه المادة جيدًا، وأن العراق ملتزم بها، إلا أن الحكومة – في رأيي – اعتمدت على فقرة في الدستور تخول لها فرض الحظر الجوي بحجة عدم سيطرتها على المنافذ البرية والجوية للإقليم، والذي ينتقص من سيادتها».

المصادر

تحميل المزيد