لم تمض ساعات منذ إعلان قائد الجيش الليبي خليفة حفتر إطلاق عملية «الاجتياح المقدس» من أجل استعادة منطقة الهلال النفطي -شمال شرق ليبيا-، حتى بدأت المعارك الضارية التي استمرت نهارًا واحدًا، ليُعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي بعدها السيطرة الكاملة على المنطقة وانتزاعها من أيدي حرس المنشآت النفطية -القوات الحكومية المكلفة بحماية منشآت النفط- برئاسة إبراهيم الجضران، وحتى وقتٍ قريب لم يكن أحد ليعلم هوية الطرف المُنتصر في ساحات القتال نتيجة عمليات الكرّ والفرّ.

والقصة تبدأ قبل أسبوع، حين انتزع الجضران مينائي السدرة ورأس لانوف -أكبر الموانئ الذي يُشحن منهما النفط للخارج- من قبضة حفتر الذي يسيطر على الهلال النفطي منذ  منذ سبتمبر (أيلول) من العام 2016، وكانت خسارة كبيرة كادت أن تعصف بانتصارات حفتر الكبرى في مدينة درنة -آخر معاقل الإسلاميين في الشرق التي أوشكت على السقوط-، ليقرر الجنرال الليبي  على الفور استدعاء ثلثي جيشه –20 ألف مقاتل– مدعومًا بغطاءٍ جوي لاستعادة ما فقده مستخدمًا  –بحسب اتهامات– البراميل المتفجرة في عمليات القصف الجوي.

 تطور نوعي لم تشهده أطراف الصراع منذ اندلاع الثورة الليبية عام 2011، ليس هذا وحسب بل إن حفتر قرر أن يتجاهل تحذيرات الأمم المتحدة ليمضي معركته التي ليس أمامه خيار آخر إلا الفوز بها. هذه السطور توضح لك لماذا استدعى حفتر  كل قوته في تلك الحرب، وكيف تتغير خريطة ليبيا بانتصارات حفتر؟

ماذا تعني السيطرة على الهلال النفطي؟

سيطر حفتر على المنطقة لمدة عامين.. لكنه لم يستغلها سياسيًا

على أرض تمتد لمساحة تتجاوز 250 كم من بنغازي شرقًا إلى سرت غربًا تقع منطقة الهلال النفطي الذي تحتوي في داخلها 80% من احتياطي النفط الليبي ويقدر بنحو 45 مليار برميل من الذهب الأسود، الذي يتم تصديره للخارج عبر الموانئ الأربعة الأهم: الزويتينة، والبريقة، ورأس لانوف، والسدرة، وبالحديث عن النفط باعتباره موردًا شبه وحيد للاقتصاد الليبي، تكتسب المنطقة أهمية سياسية كبرى لمن يُسيطر عليها.

في أغسطس (آب) عام 2013، أراد الزعيم القبلي إبراهيم الجضران -37 عامًا- أن يُعلن حكومته الخاصة، فأعلن تشكيل «المكتب السياسي لإقليم برقة» شرق ليبيا، ويتبعه مكتب تنفيذي يضم عددًا من الوزراء ليُطالب بعدها بإقرار نظام فيدرالي في ليبيا، ولم تكن خُطته لتنجح أو تكتمل إلا بالسيطرة على الهلال النفطي لمساومة الحكومة، وهو ما نجح فيه لاحقًا، ليُنصّب نفسه فيما بعد حارسًا للمنشآت النفطية، ليخلق أزمة سياسية جديدة ليظهر أنّ حاكم إقليم برقة انشق عن حكومة طرابلس وشرع في تصدير النفط لحسابه الخاص، قبل أن يقرر مجلس الأمن منع خروج النفط من البلاد بطريقة غير مشروعة، لتتوقف نصف صادرات البلاد، وتدخل ليبيا في أزمة اقتصادية خانقة.

تحالف الجضران مع خليفة حفتر في مواجهة إسلاميي الغرب المتمثلة في قوات فجر ليبيا، لكنّ هذا التحالف لم يدم طويلًا بعد رفض حفتر مساعدة الجضران في التصدِّي للهجوم الذي شنه تنظيم الدولة في ليبيا على مصافي النفط في محاولة لتكرار خطته الناجحة في سوريا والعراق، لكنّ قوات الجضران تمكنت من هزيمة التنظيم، وفي يوليو (تموز) من عام 2016، توّصل الجضران إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا برئاسة فايز السراج برعاية الأمم المتحدة، يقضي باستعادة الحكومة السيطرة على موانئ النفط وبدء تصديره مرة أخرى في مقابل قيام الحكومة بدفع رواتب شهرية لأفراد قوات حرس المنشآت النفطية التي أصبح لها وجود رسمي مُعترف به.

تلك الخطوة واجهت انتقادات ومخاوف أبرزها رسالة رئيس المؤسسة الليبية للنفط إلى المبعوث الأممي لليبيا، والتي جاء فيها: «إن الشخص الذي تتفاوض معه قد أضرّ بالليبيين أكثر من أي أحد». حفتر أيضًا خشي من الصعود السياسي لعدوه، فهدد بقصف السفن التي قد تتجه إلى الموانئ الليبية لتصدير النفط؛ وبعد شهرين فقط؛ أعلن حفتر سيطرته على منطقة الهلال النفطي لتصبح الموانئ النفطية تابعة لحكومة طبرق في الشرق، وتخرج من سيطرة حكومة الوفاق في طرابلس، في تطور كان من شأنه أن يزيد المشهد تعقيدًا ويطيل الأزمة الاقتصادية للبلاد عن طريق حرمان حكومة الوفاق من أهم مواردها المالية.

على جانب آخر كان حفتر يعتمد على ميناء الحريقة بمدينة طبرق -أقصى الشرق الليبي- في دفع تكاليف عملياته العسكرية، إلا أنّ المثير للدهشة أنّ حفتر لم يقم باستغلال انتصاره العسكري للدفع بمزيد من المكاسب السياسية، فبالرغم  من أنّه سيطر على الموانئ النفطية إلا أنه سلّم إدارتها بالكامل لحكومة الوفاق واستمرت عمليات تصدير النفط من دون أن يحصل حفتر على أي مكاسب اقتصادية، ويبدو أنه استجاب لتحذيرات كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا.

كاد أن يخسر المعركة.. من يدعم حفتر في الخفاء؟

المسارات الأخيرة قبل حسم المعركة لا تبدو أنها سارت على وتيرة واحدة، فخلال أسبوع كانت قوات حفتر تقاتل بشراسةٍ لاستعادة مينائي السدرة ورأس لانوف دون جدوى، وبحسب التسريبات، فإنّ الجضران تحالف مع كتائب «سرايا الدفاع عن بنغازي» التي شكلها مقاتلون إسلاميون طردتهم قوات حفتر من مدينة بنغازي في شرق ليبيا، وهو ما أسهم في إطالة المعركة، القصف العشوائي استهدف أيضًا الخزانات النفطية، مما تسبب في خسارة البلاد 400 ألف برميل من النفط، لكنّ حفتر حتى تلك اللحظة لم يكن قادرًا على حسم المعركة على الأرض.

Embed from Getty Images

وبحسب مصادر إعلامية قريبة من  حفتر، فإنّ الجيش اقترب من المطار العسكري والمصنع في رأس لانوف بعدما بسط سيطرته على البوابة الشرقية للميناء، قبل أن تنفذ قوات الجضران التفافًا خلف خطوط الجيش وأدت إلى تدمير 20 آلية عسكرية، وقتلت 10 منهم قادة ميدانيون، وهو نفسه الذي كتبه الجضران على «فيس بوك»: «نحاصر قوات عملية الكرامة في وادي كحيلة، وهم يتفاوضون على تسليم أنفسهم وما في حوزتهم من سلاح»، لكنّ موقعًا ليبيا مؤيدًا لعمليات حفتر أكد أنّ انسحابًا لقوات حرس المنشآت النفطية جاء بعد مشاركة طائرات بدون طيار  يعتقد أنها مصرية وإماراتية في عمليات القتال.

الدعم الخفي لمصر والإمارات ليس جديدًا في معارك الهلال النفطي، فمعركة «البرق الخاطف» التي أطلقها حفتر لانتزاع مصاف النفط من قبضة الجضران عام 2016، حصلت على تأييد مصري علني عبر وزارة الخارجية، أما الإمارات فتحمّلت –حسب تسريبات– تكاليف تمويل القوات الأجنبية الفرنسية والبريطانية المتواجدة في شرق ليبيا وجنوبه.

وسبق للرئيس الفرنسي أن اعترف بأن فرنسا لديها قوات في البلاد تقوم بعمليات استخباراتية لصالح حفتر، وجاء ذلك عقب مقتل ثلاثة عسكرين قتلوا بعدما قصفت «سرايا الدفاع عن بنغازي» طائرتهم، هناك أيضًا اتهامات بتواجد قوات بريطانية وأمريكية تقدم دعمًا لوجيستيًا واستخبارتيًا للجنرال المتقاعد، حتى أنّ موقع «ميدل إيست آي» نقل عن مصدر في الجيش الإسرائيلي أنّ سلاح الجو شارك في قصف أهداف تابعة لتنظيم الدولة والمليشيات الإسلامية.

روسيا أيضًا دخلت على الخط بعد قرار الأمم المتحدة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، ليعلن السفير الروسي إمكانية بحث بلاده توريد أسلحة إلى جيش حفتر الذي تتكون معداته من أسلحة أغلبها روسية الصنع، وتختلف أطماع كل دولة حتى وإن اتفقوا على دعم حفتر بداية من التنافس الأمريكي الروسي مرورًا بالخوف الغربي من وصول التيار الإسلامي للمشهد، نهاية بأطماع النظام المصري بالحصول على حصة من النفط الليبي في ظل أزمة الطاقة وارتفاع أسعار النفط.

التطور النوعي لجيش حفتر الصغير الذي يتكون معظمه من أفراد التحقوا به لاحقًا وغير مُدربين لا يمكن وفق مراقبين أن يحرز انتصارات وحده، وتقرير الأمم المتحدة يكشف جزءًا آخر من القصة؛ فمصر والإمارات هربتا أسلحة إلى ليبيا شملت ذخائر وأسلحة خفيفة وثقيلة وحتى طائرات، هناك أيضًا معلومات كشفها موقع «إنتليجينس» الفرنسي المتخصص في شؤون الاستخبارات تؤكد وجود قاعدة عسكرية سرية للإمارات هي من تصنع انتصارات حفتر في الخفاء، وكان آخرها المعركة الأخيرة.

بعدما ينتهي الشرق الليبي.. إلى أين سيتجه حفتر؟

عندما تنتهي المعارك الدائرة في أزّقة درنة وشوارعها الضيقة، فإنّ الجنرال المتقاعد حينها سيطوي تحت لوائه الشرق الليبي بأكمله؛ سقطت بنغازي الحصينة في صيف 2017، واستعاد الهلال النفطي الذي كان بحوزته منذ عام 2016، حتى أن مدينة درنة، معقل الإسلاميين العصية التي أبت على الخضوع لمدة ثلاث سنوات من المحاولات الفاشلة لدخولها، ها هي تسقط بلا هوادة، ولم يتبق سوى الغرب والجنوب، وتلك قصةٌ أخرى لا يُحب حفتر سماعها.

رغم مرور سبع سنوات على اندلاع الثورة الليبية، لا يزال الانقسام السياسي والصراع العسكري لم يحسم الخلاف لصالح الطرف الأقوى حتى الآن، ورغم فشل كافة خطط الأمم المتحدة في الوصول إلى تسوية، والاتفاق على موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإقرار الدستور، واختيار حكومة واحدة بدلًا من ثلاث حكومات تقاتل فيما بينها لانتزاع شرعية الحُكم، إلا أنّ الجميع ما يزال يتفق على ضرورة حل النزاع بالطرق السلمية، عدا شخص واحد؛ ما زال يقتطع من الأرض قدر ما يستطيع من أجل الوصول للرئاسة؛ وفي حديثة لمجلة جون أفريك» الفرنسية أكد حفتر أنه عازم على توحيد ليبيا تحت سلطته، قائلًا: «حتى ولو اقتضى الأمر إلى القوة».

والخريطة الحالية يُمكن تلخيصها في حكومة طبرق التي تسيطر على الشرق الليبي بمساعدة حفتر عدا بعض قوات سرايا بنغازي التي تختبئ في بعض الجيوب الجبلية، كما يسيطر حفتر على عدة مدن في الجنوب أبرزها سبها والكفرة والجفرة، بالإضافة إلى المناطق الحدودية مع مصر والسودان وتشاد، ومؤخرًا أطلق الجنرال الليبي عملية «فرض القانون» لاستعادة ما تبقى في الجنوب الليبي بمساعدة مصرية إماراتية فرنسية، بحسب تسريبات.

ولم يعد يتبقى في الخريطة سوى المناطق التي تسيطر عليها حكومة طرابلس -المعترف بها دوليًا-  في الغرب الليبي بداية من سرت -شرق طرابلس- التي كانت معقلًا لتنظيم الدولة مرورًا بالعاصمة طرابلس ومصراتة وحتى حدود تونس، ولا ينازعها في تلك المناطق سوى «حكومة الإنقاذ الوطني» الإسلامية التي تسيطر على مساحات صغيرة، إضافة إلى وجود بعض المناطق خارج سيطرة الجميع وأبرزها سابقًا درنة التي كان يسيطر عليها «مجلس شورى مجاهدي درنة»، وهو مجموعة من التحالفات لكتائب إسلامية تكتسب شعبية وحضورًا كبيرًا على الأرض تناصب حفتر العداء من جهة، ولا تعترف بأي من الحكومات الثلاث من جهة أخرى، يوجد أيضًا قوات خارج نطاق السيطرة أبرزهم «مجلس شورى أجدابيا» -أكبر مدينة في الهلال النفطي-، و«سرايا الدفاع عن بنغازي».

تشير التسريبات إلى أنّ حفتر الذي سبق أن  أعطى المجلس الرئاسي لحكومة السراج في يوليو (تموز) العام الماضي مهلة ستة أشهر لعودة الاستقرار للبلاد، قبل أن يدخل طرابلس قد تعرض لضغوط مصرية من أجل بسط نفوذه على الشرق الليبي لانتزاع درنة أولًا، قبل أن يتوجه إلى طرابلس، وبعدما أتمّ الجنرال الخطة بنجاح، لم يتبق له سوى أن يُعلن ساعة الصفر، وأسباب المعركة سبق أن أعلنها مرارًا «إسقاط الحكومة والبرلمان ومحاربة الإرهاب وإنقاذ الشعب الليبي».

وهناك من يفسر التحركات العسكرية الأخيرة لحفتر، فيقول محللون إنه لم يكن قادرًا على التوجه للغرب، حيث مدينة سرت ثم مصراتة، معقل الإخوان، وصولًا إلى طرابلس، عاصمة حكومة الوفاق، بينما يترك خلفه ثغرات ليست تحت سيطرته وعلى رأسها الهلال النفطي.

حفتر والمبادرة الفرنسية.. كيف انتهى السلام؟

المبادرة الفرنسية الأخيرة التي حضرها حفتر على مضض واجتمع فيها مع أعدائه فائز السراج رئيس حكومة الوفاق، وخالد المشري رئيس مجلس الدولة وعضو جماعة الإخوان المسلمين، نصت على الاتفاق على الحل السلمي للأزمة، إضافة للاعتراف بالدستور الذي صاغته الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ووقف إطلاق النار، وتوحيد الجيش الليبي والوصول إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الجاري، لكنّ الوضع العسكري الجديد لحفتر لن يجعله مُلزمًا بقبول الاتفاق الذي وافق عليه «شفاهةً» من دون توقيع.

Embed from Getty Images

ومبررات الرجل لتعطيل المبادرة كثيرة، أهمها أنّ أطراف المبادرة الآخرين وأبرزهم خالد المشري يعترضون على وجوده، كما أن حفتر يرفض اتفاق الصخيرات الموّقع عام 2015 –التسوية السياسية الأهم في تاريخ الأزمة-، وهو أيضًا لا يعترف بحكومة الوفاق الوطني، والأهم من ذلك أنه يريد إجراء انتخابات رئاسية قبل إقرار الدستور عكس بقية الأطراف السياسية، وهو الآن بات قادرًا على تنفيذ رغباته بقوة السلاح، خاصة أنه مدعوم خارجيًا.

تجدر الإشارة أنّ الأزمة الليبية كادت أن تصل إلى انفراجة عندما أشيع نبأ وفاة حفتر؛ فرئيس البرلمان الليبي في طبرق عقيلة صالح أبرز حلفاء حفتر، قام بلقاء خالد المشري في المغرب، ورغم أنّ مجلس النواب الليبي في طبرق لا يعترف بالمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، إلا أن اللقاء جرى بنجاح؛ حيث جرت تفاهمات بشأن قضايا محورية أبرزها تعديل المجلس الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة، وإصدار قانون الاستفتاء على الدستور من البرلمان،لكن بعودة حفتر انتهت عملية السلام تمامًا، وبقي الحل في قوة السلاح والنفط، وهي رغبة حفتر الذي يغير خريطة ليبيا لصالحه.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!