علاقتنا بالميكروبات علاقة عدائية، فهي مسؤولة تاريخيًا عن أمراض قاتلة، تسبب في حصاد أرواح الملايين بسبب الطاعون والملاريا، لكن هل الميكروبات على إطلاقها ضارة؟ ألا توجد بكتيريا صديقة نستطيع الاستفادة منها بشكل أو بآخر؟

لسنا وحيدين أبدًا، أجسادنا في الحالة الطبيعية مليئة بالبكتيريا؛ هناك 100 تريليون بكتيريا حولك الآن وداخل جسدك، جلدك بالنسبة لها هو العالم بأكمله، أجسادنا تعيش فيها وعليها كائنات أخرى، لكن لا تنزعج، هذه الكائنات ليست كلها ضارة، بل هي مفيدة أحيانًا.

في الحقيقة، هذه الكائنات متناهية الصغر، تلعب دورًا موثرًا في صحتنا، وفي حياتنا اليومية، وتستطيع التأثير على أمخاخنا، وأجهزتنا المناعية، وأوزاننا أيضًا. البكتيريا تقيم مع أجسادنا علاقة أخذ وعطاء، فهي ليست كائنات طفيلية؛ هي تأخذ المواد الغذائية التي تحتاجها، وتزود الجسم بالعناية، وندين لها بالكثير في تأثيرها على صحتنا الجسدية والنفسية، وتمثل أيضًا مؤشرًا لأمراض كثيرة.

ما هذه الكائنات التي تحيا بداخلنا؟

عرف العلماء الميكروبات التي تسكننا منذ عام 1683 بواسطة الباحث والعالِم الهولندي أنطوني فان ليفينهوك، أول شخص على الإطلاق يرى البكتيريا، عندما أزال جزءًا من الجير في أسنانه ليراه تحت الميكروسكوب البدائي، هذه الكائنات التي تعيش بداخلنا معظمها من البكتيريا، وأيضًا الفطريات، والبكتيريا وحيدة الخلية أو«Archaea»، والفيروسات، وميكروبات أخرى، وتشمل الفيروسات التي تهاجم البكتيريا، ويُطلق عليها الميكروبات البشرية أو «Microbiota»، وهي توجد في جسد الإنسان السليم، بدايةً من أسناننا، وجهازنا الهضمي بالكامل، وعلى سطح جلودنا، ويختلف نوعها باختلاف مكانها.

وهي تختلف كذلك من شخص لشخص، فلكل شخص بكتيريا فريدة مثل البصمة الوراثية، وهي ليست ضارة  في كل الأحوال، وضررها يبدأ عندما تصل إلى المكان الخاطئ، أو عندما يرتفع عددها، لكن بعضها مفيد جدًا للجسم، فهي تساعد في تكسير السكر الموجود في لبن الأم، والذي لا يقدر الطفل على تكسيره، الدور الآخر الذي تقوم به هذه الميكروبات هو مساعدة الجهاز المناعي على أن ينضج، وتزود خلايانا بمواد غذائية، تمنع استعمارها من قِبل البكتيريا والفيروسات.

لكن من أين جاءت هذه الكائنات؟

هناك حوالي 500 نوع من البكتيريا تعتبر معدتك بيتها، هل نلتقطها من حولنا؟ يُفترض أن الجنين داخل الرحم يكون مُعقّمًا، وفي أثناء الولادة، نبتلع الميكروبات من قناة الولادة، فمن اللحظة التي تولد فيها تبدأ البكتيريا في استعمار جسدك كله، وتختلف البكتيريا بحسب نوع الولادة، قيصرية، أو طبيعية، ويرجح الأطباء أن هذا الاختلاف هو ما يجعل الأطفال المولودين قيصريًا عرضة أكثر للأزمات الصدرية، ومرض السكر من النوع الأول، ويخضع الطفل لتغيرات في البكتيريا المَعدية في عامه الأول والثاني، فتتشكل بفعل لبن الأم، وتستقر في عمر الثلاث سنوات، وبفعل عوامل بيئية من الطعام والأدوية، مثل المضادات الحيوية، تستمر في لعب دور في التأثير في البكتيريا المَعدية، والموجودة في الأمعاء الدقيقة والغليظة والمعدة.

أدوية تعمل «سرًا» لصالح البكتيريا الخارقة للمضادات الحيوية!

 

كيف تؤثر فينا؟

ميكروبات جسدك تؤثر في كل شيء؛ قد تؤثر على نشاطاتك وسلوكك، وحالتك المزاجية، وربما في شخصيتك أيضًا، فُتغير جراثيم المعدة نشاط الجينات في المخ، والمناطق الخاصة بالذاكرة والتعلم، وتوضّح هذه الميكروبات أيضًا لماذا تختلف استجابات الأفراد المختلفة للعلاجات النفسية، وقد تلعب هذه الميكروبات دورًا في الإصابة بالخِرف، وبعض الاضطرابات الأخرى، مثل الألزهايمر، والباركينسونيزم، والشيزوفرينيا، والتوحد، كما توجد علاقة بين هذه البكتيريا وكيفية استجابة الأفراد لأدوية معينة، مثل العلاج الكيماوي.

وهذه البكتيريا تستطيع التأثير أيضًا على أوزاننا؛ فهل تفكّر في خسارة بعض الوزن؟ ربما تحتاج إلى نقل بعض البكتيريا المَعديّة، فقد أثبتت دراسة أن البكتيريا المَعدية قد تلعب دورًا في الإصابة بالسِمنة، في هذه التجربة قام الباحثون بتعديل مجموعة من الفئران جينيًا بإزالة البكتيريا من أمعائهم، نصفهم زُود ببكتيريا من أمعاء شخص بدين، والنصف الآخر، ببكتيريا من أمعاء شخص نحيف، النتيجة كانت أن الفئران التي زُودت ببكتيريا من أمعاء الشخص البدين قد اكتسبت وزنًا.

كما تؤثر أيضًا على نومِنا؛ فيعتقد العلماء أيضًا وجود علاقة بين ميكروبات المعدة وعدم قدرتنا على النوم ليلًا، نحن نعلم أن الحرمان من النوم يزيد من فرصة التعرض للسِمنة، ويؤثر في نظام الأكل؛ ذلك لأن قلة النوم يؤدي إلى نقص الـ«لبتين»، وهو هرمون بروتيني ينظم استهلاك الطاقة، واندفاع «الجريلين» المحفز على الجوع، ونتيجة لذلك نشعر بالرغبة في المزيد من الطعام، لما يقترب بـ300 كالوري يوميًا، وهذه هي العلاقة بين النوم والمعدة، وهو ما يخضعه العلماء للبحث، فقد تكون صحة معدتك تبدأ من النوم الصحي.

تلعب دورًا في القلق والاكتئاب

نحن نعرف تعبير «فراشات البطن» للتعبير عن القلق الذي يصيبك عند الوقوع في الحب؛ هذا التعبير ليس مجازًا فحسب، ففي المعدة يكمن مُخك الثاني، وهو عبارة عن شبكة من الخلايا العصبية تبطن معدتك، وتتواصل هذه الخلايا مع المخ بواسطة العصب الحائر، الذي يمتد من المخ إلى الصدر، وحتى المعدة، بين المعدة والمخ علاقة وثيقة، فأنت عندما تخاف تشعر باضطراب في معدتك، هذه المشاعر يُطلق عليها «مشاعر المعدة».

فالبكتيريا والفيروسات اللاجئة في معدتك تفرز مركّبات تؤثر على جهازك العصبي، ونحن نعرف أن من يعانون من الاكتئاب، ومن اضطرابات النوم، كليهما، يعاني من اضطرابات البكتيريا المعدية؛ وقد بحث العلماء لسنوات في العلاقة بين بكتيريا المعدة، وكيمياء المخ، وفي تجربة أُجريت على بعض الفئران تم إطعامها بكتيريا «اللاكتوباسيلوس رامنوسوس»، وكانت النتيجة هي تقليل حدة التوتر والاكتئاب؛ ذلك لأنها تؤثر على «GABA» وهو الناقل العصبي الرئيس في الجهاز العصبي المركزي، ويساعد في تنظيم الانفعالات. لذا يوصي الأطباء بتناول «البروبيوتيك»، وهي عبارة عن مكملات غذائية تحتوي على ميكروبات، كما تضاف أيضًا للزبادي، وتستخدم في تحسن الحالة المزاجية، ومشاكل في الجهاز الهضمي.

تحمينا من سرطان الجلد وحمى القَش

قد تحمينا البكتيريا ساكنات جلودنا من الإصابة بسرطان الجلد، أو «الميلانوما»، وهو ما أثبتته دراسة  على البكتيريا «العنقودية البشروية» من البشرة التي توجد على سطح الجلد، وتمثل حماية طبيعية، فقد وجد الباحثون أنها تفرز مادة تساعد في الحماية من سرطان الجلد، ربما سيساعد في إيجاد طريقة للحماية من سرطان الجلد، عن طريق استخدام تلك البكتيريا لتثبيط نمو أنواع مختلفة من السرطانات.

ولأن البكتيريا الموجودة خارج جسمك قد تتسبب في أمراض خطيرة، فالبكتيريا الموجودة بشكل طبيعي داخل جسمك تكافح معك مثيلاتها الموجودة في الخارج، فهي تمنع النمو السريع للبكتيريا الضارة داخل المعدة، والتي من الممكن أن تسبب كارثة لجهازك الهضمي، فقد أثبتت التجارب أن الحيوانات التي أُزيلت البكتيريا من أمعائها تعاني من أمراض خطيرة. فاختلال عدد البكتيريا الطبيعية الموجودة في معدتك أيضًا قد يؤدي إلى إصابتك بـ«حمى القَش».

هذه البكتيريا المَعدية ليست مفيدة على إطلاقها، فهي مسئولة أيضًا عن إحداث أضرار لجسمك، مبدئيًا يجب أن نعلم أن 70% من الدم الذي يصل لكَبدك يصله من الأمعاء، وبناءًا على ذلك وجد العلماء أن 20-75% ممن يعانون من مرض الكبد الدهني غير الناجم عن شرب الكحول، يعانون أيضًا من زيادة عدد البكتيريا المعوية، ويُعتقد أن انتقال البكتيريا من المعدة إلى الكبد هو المسئول عن هذا المرض.

الآن.. ربما اكتشفنا أخيرًا سبب الزهايمر وكيفية إيقافه

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد