من بين عواصم ومدن دول مجلس التعاون الخليجي العائمة فوق أنهار من النفط، بالإضافة إلى مدن نفطية عديدة مثل: الجزائر، وبغداد، وطرابلس، وكاراكاس، وطهران، وغيرها من البلدان التي تمتلك ثروة نفطية ضخمة، تبرز مدينتان فقط بين كل هذه المدن بثراء كبير، بالرغم من أن المدينتين ليستا الأكثر امتلاكًا للاحتياطات النفطية حول العالم، نتحدث هنا عن دبي والدوحة، إذ بات الثراء مرتبطًا بهما إلى حدٍ كبير، لكن هل تساءلت يومًا عن الأسباب الحقيقية وراء ثراء كل من دبي والدوحة؟

لا شك أن الطاقة -النفط والغاز- ليست السبب الوحيد، فلو كانت السبب الوحيد لرأينا المدن الأخرى الغنية بالنفط على درجة الثراء نفسها، لكنّ هناك أسبابًا أخرى جعلت دبي والدوحة بهذا الثراء، وخلال السطور القادمة سنحاول حصر هذه الأسباب.

ولكن قبل الخوض في الأسباب يجب أن نشير إلى أن أهم ما ميز دبي والدوحة خلال السنوات الماضية هو التنوع الاقتصادي الكبير لدى البلدين. فالنفط، بالرغم من أهميته، إلا أنه ليس مصدر الدخل الوحيد، بالإضافة إلى أن كلًا من قطر والإمارات يتنافسان بقوة على مقدمة ترتيب الدول العربية في العديد من المؤشرات العالمية.

«كلاسيكو العرب».. منافسة قوية بين قطر والإمارات في المؤشرات العالمية

هذه المنافسة صنعت حالة اقتصادية ربما فريدة بين دبي والدوحة، ساهمت بصورة أو بأخرى في صراع على التفوق الاقتصادي في كثير من المجالات، سواء على المستوى المحلي أو حتى بتوجيه الاستثمارات في الخارج، هذا الوضع الذي نتحدث عنه هو وضع حديث نسبيًا فقد سبق هذا الثراء أوضاع اقتصادية صعبة في كل من دبي والدوحة، لذلك قبل الحديث عن أسباب الثراء في الوقت الحالي علينا أن نمر سريعًا على الماضي الذي لا يشبه كثيرًا هذا الحاضر.

ما قبل الثراء.. «سنة الجوع» وخفوت بريق اللؤلؤ

قبل نحو 100 عام من الآن، عاشت منطقة الخليج مجاعة كبيرة، خاصة خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وذلك استمرارًا لـ«سنة الجوع» التي تعتبر أشهر الأزمات والكوارث التي مرت بالمنطقة وذلك في عام 1909. إذ انعدمت الموارد تقريبًا في هذا العام، ووصل الأمر إلى أن تلك المجاعة كانت بمثابة تهديد صريح للأهالي بالإبادة، مع اندلاع الحرب العالمية، التي تسببت في قطع طرق التجارة وحجب البضائع التي كانت تأتي إلى الخليج من الهند، وقضت على تجارة اللؤلؤ. فيما استخدمت السفن في الحرب، وحدثت حالة من الركود في التجارة، إلى جانب نفاد موارد البلاد في الحرب بسبب بريطانيا التي كانت تفرض الحماية على الخليج وقتها.

هذه الظروف كانت شبه عامة على المنطقة بكل مدنها، وفي تلك الفترة تضررت تجارة اللؤلؤ التي كانت تمثل موردًا أساسيًا للاقتصاد الخليجي، بالإضافة إلى أن صناعة السفن، والتي كان يعمل بها عامة الشعب، تلقت ضربة شديدة عندما أقدمت بريطانيا على تدمير أساطيل السفن بالخليج، وهو الأمر الذي ساهم في تفاقم أزمة الجوع فيما بعد.

ويتحدث عزيز ضياء في الجزء الأول من كتابه «حياتي مع الجوع والحب والحرب»، عن سنة الجوع التي مرت بأهل الخليج، قائلًا: «الجوع الذي يجعل المرء حين يمشي في الشارع أو الزقاق لا ينظر إلى ما حوله أو أمامه، وإنما ينظر إلى الأرض وحدها، حيث يتحرى العثور على كسرة خبز أو حبة فاكهة أو عظمة»، كانت هي تلك الحالة التي وصل إليها الخليج، قبل اكتشاف النفط والغاز في المنطقة، ولكن هذه الظروف تغيرت تمامًا بعد النفط وانتعشت الظروف الاقتصادية بقوة، فيما اعتمدت كل مدن الخليج على النفط كمورد رئيس، بخلاف الدوحة ودبي، فهما المدينتان اللتان نجحتا في التنوع الاقتصادي الحقيقي.

3 أسباب جعلت دبي والدوحة بهذا الثراء

العناصر التالية تستعرض أوجه التنوع الذي ساهم بشكل مباشر في ثراء دبي والدوحة، فالنفط بالنسبة لدبي والغاز بالنسبة لقطر بالرغم من أهميتهما البالغة، إلا أن المدينتين لم تتوقفا عند الإيرادات التي تحصل عليها من هذه الموارد، لذلك نجحتا في تحقيق هذا الثراء الهائل بخلاف الرياض والكويت والجزائر وكثير من العواصم النفطية التي اكتفت بإيرادات النفط.

1- مواني عززت ثراء دبي والدوحة

تعتبر المواني التي تمتلكها دبي والدوحة من أهم أسباب ثراء المدينتين، إذ إن ميناء جبل علي في دبي وميناء حمد في الدوحة هما قطبا الملاحة في المنطقة، وتدور بينهما حاليًا منافسةٌ شرسة من أجل السيطرة على النسبة الأكبر من حجم التجارة، سواء على مستوى المواني المحلية، أو حتى السيطرة، وإدارة المواني خارج حدود البلدين، ولنتحدث عن ميناء جبل علي أولًا.

جبل علي.. أكبر ميناء بحري بالشرق الأوسط

يعدّ ميناء جبل علي أكبر ميناء بحري في منطقة الشرق الأوسط، ويتميَّز بموقعه الاستراتيجي في دبي، وهو أهم ميناء بشركة موانئ دبي العالمية التي تضمّ أكثر من 78 ميناء ومحطة بحرية تتوزع على قارّات العالم الست، كما أن له دورًا محوريًا في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبحسب سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية، فإنّ ميناء جبل علي والمنطقة الحرَّة التابعة له، يساهمان بأكثر من 21% من الناتج المحلي الإجمالي لدبي، ويلعبان دورًا محوريًّا في تنويع اقتصاد الإمارة، وذلك لدوره في استقطاب الشركات العالمية وتسهيل أعمالها، إذ إن الميناء يعتبر ميناءً محوريًا لأكثر من 90 خدمة ملاحية أسبوعية تربط أكثر من 140 ميناء في أنحاء العالم.

«حرب الموانئ».. ما حدود  سيطرة قطر والإمارات على الموانئ في المنطقة؟

وظلّ ميناء جبل علي أفضل ميناء بحري في الشرق الأوسط على مدى 20 عامًا متتالية، منذ أن تم افتتاحه في 1979، ويصنف بوصفه عاشر أكبر ميناء للحاويات في العالم، فضلًا عن أنه يضم أكبر حوض من صنع الإنسان في العالم، وتمكن الميناء في عام 2015 من شحن ما يقرب من 15.6 مليون حاوية ليحتل المركز التاسع عالميًا، وكان له فضل كبير في أن أصبحت دبي مركزًا عالميًا للتجارة والمال والسياحة، من خلال استقبالها لملايين السائحين ورجال الأعمال من جميع أنحاء العالم سنويًا.

وعلى مدار السنوات الماضية تمكنت الإمارات من خلال ميناء جبل علي من التربُّع على عرش خدمات الموانئ والتجارة البحرية في المنطقة العربية، إذ كان الميناء يخدم أسواقًا بها أكثر من ملياري شخص، ولكن مؤخرًا لم تعد الإمارات اللاعب الوحيد في هذا القطاع بالمنطقة، إذ وجدت الدوحة نفسها تمتلك مقوِّمات تستطيع من خلالها أن تكون منافسًا قويًّا لدبي.

ميناء حمد.. آمال الاستحواذ على ثلث تجارة الشرق الأوسط

في سبتمبر (أيلول) 2017 افتتح أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ميناء حمد، وهو أحد أكبر وأحدث مواني المنطقة، وتأمل قطر أن يستحوذ على أكثر من ثلث تجارة الشرق الأوسط، إذ تعمل الدوحة على إنشاء منطقة اقتصادية بجوار الميناء في إطار سعي البلاد لزيادة صادراتها غير النفطية وإنشاء صناعات تحويلية، ومن المقرر أن تتم المرحلة الثانية من إنشاء الميناء بين عامي 2020 و2021.

والميناء الذي يمتد على مساحة 28.5 كيلومترًا مربعًا، وبتكلفة إجمالية تقدر بنحو 7.4 مليار دولار، ويبلغ طوله أربعة كيلومترات، بعرض 700 متر، وبعمق يصل إلى 17 مترًا، بحيث يكون قادرًا على استقبال أكبر السفن في العالم، يضم مشروعًا لتخزين السلع الغذائية ليوفر مخزونًا استراتيجيًّا يكفي 3 مليون نسمة لمدة عامين.

حرب الموانئ.. كيف رجح ميناء حمد كفة قطر للفوز بالجولة الأولى في المعركة؟

وبالرغم من ضخامة المشروع القطري لكن مهمة منافسة ميناء جبل علي في دبي، ليست سهلة، فبالنظر إلى الطاقة الاستيعابية لميناء حمد الدولي نجد أنها ستصل إلى 7.5 مليون حاوية سنويًا، بعد الانتهاء من المرحلة الثانية، بينما ميناء جبل علي في دبي قدرته الاستيعابية قد تصل إلى 22 مليون حاوية سنويًا.

ومن ناحية أخرى نجح ميناء حمد، بمطلع مايو (أيار) 2017، في تدشين خط بحري مباشر لتحالف (Ocean Alliance) المصنف باعتباره أكبر تحالف بحري في العالم، والذي يضم تحت مظلته خمس شركات من أكبر الشركات العاملة في مجال الشحن والنقل البحري بأسطول يزيد على 350 سفينة وقدرة استعابية تتجاوز 3.5 مليون حاوية نمطية؛ إذ سيقلص الميناء الفترة الزمنية التي تستغرقها الشحنات من المواني التي يخدمها تحالف (Ocean Alliance) من 30 يومًا إلى 14 يومًا فقط، والذي يؤمن 40 مسارًا بحريًا مشتركًا من معظم المواني العالمية.

2- القطري والإماراتية.. صراع السحاب عنوان آخر للثراء

لم يتوقف تنوع دبي والدوحة على الملاحة البحرية فقط، لكن كان للملاحة الجوية نصيب كبير كذلك، إذ تمتلك المدينتان أهم شركتين للطيران في المنطقة والعالم، إذ إن هناك نوع من الصراع بين كلٍ من الدوحة ودبي على مستوى قطاع الطيران المدني منذ مدة طويلة، وذلك حتى من خلال العروض المقدمة للركاب، وصولًا إلى محاولات الاستحواذ على الشركات الأوروبية والأمريكية.

طيران الإمارات.. من طائرتين إلى أسطول يجوب 80 دولة حول العالم

ففي دبي بدأت قصة طيران الإمارات في عام 1985 عندما أطلقت الشركة العمليات مع طائرتين فقط، لتصل الآن إلى الاستحواذ على أكبر الأساطيل الجوية في العالم من طائرات «إيرباص A380» وطائرات «بوينج 777»، إذ حققت نجاحات كبيرة في قطاع الطيران، وتطورت وتوسعت بالسوق الشرق آسيوي، لتصل في أوائل التسعينيات إلى بانكوك ومانيلا وسنغافورة، وفي خلال أول 10 سنوات لها سجلت الشركة معدلات نمو قوية بلغت 30%.

وخلال فترة وجيزة تطورت شركة طيران الإمارات لتصبح إحدى الشركات الرائدة في صناعة السفر والسياحة ولها تأثير على المستوى العالمي، وبنهاية 2017، وصل أسطول الشركة لأكثر من 265 طائرة، وتسير رحلات إلى أكثر من 155 وجهة في أكثر من 80 دولة حول العالم، كما حصلت على جائزة أفضل شركة خطوط جوية في العالم في النسخة الأولى من جوائز فئة اختيار المسافرين الخاصة بشركات الخطوط الجوية التي نظمها موقع «تريب أدفايزر».

القطرية.. أسرع شركة طيران نموًا في العالم

رغم أن تأسيس الخطوط الجوية القطرية جاء بعد 12 عامًا -عام 1997- من تأسيس طيران الإمارات، إلا أنها تعتبر إحدى شركات الطيران العالمية التي استطاعت خلال فترة وجيزة أن تسيّر رحلاتها إلى شبكة واسعة من الوجهات في القارات الست، وتعد أسرع شركة طيران نموًا في العالم، وتشغّل أسطولًا من الطائرات يضم أكثر من 200 طائرة تتجه إلى ما يزيد عن 150 وجهة عالمية، إذ تضاعف حجم أسطول طائرات «القطریة» من أربع طائرات عام 1997 إلى 28 طائرة نهاية عام 2003، إلى 50 طائرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2006، وصولًا إلى 200 طائرة حاليًا.

وحصلت القطرية على الكثير من الجوائز والأوسمة، وأصبحت واحدة من أرقى شركات الطيران في العالم مع حصولها على تصنيف خمسة نجوم من «سكاي تراكس»، كما فازت في تصويت «سكاي تراكس» كأفضل خطوط طيران في العالم في أعوام 2011 و2012 و2015 ثم 2017، وهي أفضل شركة طيران بالشرق الأوسط خلال 2018، وتمتلك أفضل درجة رجال أعمال في العالم.

3- حمد الدولي ودبي الدولي.. مطارات جمع الثروة

التنوع الاقتصادي على مستوى قطاع الطيران في دبي والدوحة لم يتوقف على شركات الطيران فقط، ولكن تمتلك المدينتان مطارين ضمن أهم مطارات العالم في السنوات الأخيرة، وهو ما ساهم في انتعاشة القطاع بقوة.

حمد الدولي.. مطار «خمس نجوم»

يعتبر مطار حمد الدولي حديث نسبيًا مقارنة بغيرة، إذ انطلقت أعمال بناء مطار حمد الدولي عام 2006، وصمم مطار حمد الدولي على مساحة تعادل ثلث مساحة مدينة الدوحة، لاستقبال أكبر طائرات العالم، ورغم ذلك وصل المطار أعلى ترتيب المطارات العالمية، في بداية 2017، ليصبح سادس مطار على مستوى العالم ويحصل على تصنيف فئة «الخمس نجوم»، إذ منحت شركة «سكاي تراكس» التابعة لمعهد الطيران في لندن، المطار هذا التصنيف، كما حصل المطار أيضًا على جائزة المعيار الذهبي العالمي في نقل صوت المسافرين في تصنيف المطارات وشركات الطيران، ليكون مطار حمد الدولي أول مطار في الشرق الأوسط يحصل على هذا اللقب.

وشهد مطار حمد الدولي نموًا قويًا خلال النصف الأول من 2017، وحقق المطار نموًا في أعداد المسافرين وعمليات الشحن، لتصبح هذه الفترة أكثر ستة أشهر ازدحامًا بالمطار، إذ استقبل 19 مليون مسافر خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2017، وذلك بزيادة بنسبة 8% مقارنة بأعداد المسافرين خلال الفترة ذاتها من العام السابق عليه.

بينما يخطط المطار لاستقبال 30 مليون مسافر سنويًا، ليتضاعف العدد إلى 50 مليونا عند الانتهاء من تجهيز المطار بالكامل، إذ يتوقع مسؤولو لجنة تسيير المطار أن ترتفع القدرة الاستيعابية للمطار إلى 70 مليون مسافر، ويكون بذلك قادرًا على تلبية احتياجات احتضان مونديال 2022.

دبي الدولي.. على أعتاب المليار مسافر

في سبتمبر (أيلول) 1960 تم تأسيس مطار دبي الدولي بمدرج طوله 1800 قدم فقط، لتتضاعف المساحة الإجمالية للمطار وتصل إلى أكثر من مليون و972 ألف و474 مترًا مربعًا، ومنذ الرحلة الأولى وحتى اليوم مر عبر مطار دبي نحو 980 مليون مسافر، وصنف المطار في 2018 أكبر مطار في العالم من حيث حركة الركاب الدوليين، للعام الرابع على التوالي، إذ يخدم المطار أكثر من 145 ناقلة، تسيّر رحلاتها إلى أكثر من 260 وجهة في القارات الست، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد المسافرين، عبر مطار دبي، المليار مسافر خلال شهر.

المصادر

تحميل المزيد