بنهاية يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وعندما أعلنت «علي بابا» رائدة التجارة الإلكترونية الصينية، أن مبيعاتها في مهرجانها السنوي للتخفيضات «يوم العزاب» بلغت 25.4 مليار دولار خلال 24 ساعة، محطمة بذلك كل الأرقام القياسية، ومتخطية كذلك مبيعات يومي الجمعة السوداء واثنين الإنترنت في الولايات المتحدة معًا، أصبح الجميع على إدارك تام أن الحقبة المقبلة من ثورة التجارة الإلكترونية لن تكون كالسابق، إذ إن القطاع يسجل نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، كما يقود أشخاص للتربع على قائمة أثرياء العالم كما حدث مع مالك «أمازون»، وهو الأمر الذي يشير إلى أن مستقبل التجارة الإلكترونية ما زال في جعبته الكثير.

وفي المقابل يبقى نصيب المنطقة من القطاع متواضعًا جدًا، لكنه أيضًا وكما يرى المحللون فهو واعد جدًا، فهل يمكن لدول المنطقة استغلال هذا النمو بما يخدم الاقتصاد الذي يعاني في معظم دول المنطقة، وهل تخدم التجارة الإلكترونية مسار الإصلاح الاقتصادي التي تسعى له دول المنطقة؟

قبل الحديث عن كيفية مساهمة التجارة الإلكترونية في الإصلاحات الاقتصادية بالمنطقة، يجب أن نتحدث في البداية عن واقع ومستقبل القطاع في المنطقة، إذ كان حجم التجارة الإلكترونية العالمية في 2016، يبلغ 1.6 تريليون دولار، بينما لا تتجاوز حصة منطقة الشرق الأوسط من هذا الرقم أكثر من 2% فقط من إجمالي، ولكن على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي سجل القطاع نموًا نحو 1500%، فيما ارتفع حجم التجارة الإلكترونية في المنطقة العربية من نحو 3.2 مليار دولار عام 2012 لتسجل نحو 39 مليار دولار في 2016 بنسب نمو تتجاوز نحو 1118%.

مستقبل التجارة الإلكترونية في المنطقة

من المتوقع أن يبلغ حجم التجارة الإلكترونية في المنطقة ومصر 20 مليار دولار بنهاية 2017، وذلك بحسب خبراء في التجارة الإلكترونية، إذ إن منطقة الخليج العربي وفي مقدمها السعودية مرشحة لتحقيق قفزات كبيرة في التجارة الإلكترونية، وخصوصًا أن حصة التجارة الإلكترونية في المنطقة تتراوح ما بين 2 إلى 2.5% من إجمالي تجارة التجزئة.

وتتربع السعودية على عرش أكبر أسواق التجارة الإلكترونية في منطقة الأوسط وشمال إفريقيا، فبحسب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية قدرت حجم معاملات التجارة الإلكترونية بين المستهلكين والشركات بنحو 30 مليار ريال (8 مليارات دولار)، في مؤشر يعكس مدى ارتفاع حجم التجارة الإلكترونية في المملكة، فنحو 42% من المتسوقين السعوديين قاموا بالشراء عبر مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي.

هيئة الاتصالات قالت إن المملكة، تمر بطفرة نمو كبيرة في قطاع التجارة الإلكترونية، وهو ما يسهم في تنوع الاقتصاد، ودعم إجمالي الناتج المحلي للمملكة وإيجاد فرص عمل، وجذب الاستثمارات، لكن الأمر مرتبط بدعم وعي المستهلكين، وثقتهم بالتجارة الإلكترونية، ومنظومة الخدمات اللوجيستية والمدفوعات، والبنية التحتية للاتصالات.

وعلى المستوى المصري، يتوقع هشام صفوت الرئيس التنفيذي لجوميا مصر للتجارة الإلكترونية وصول حجم المعاملات الإلكترونية، في مصر إلى 20 مليار دولار في عام 2021، وذلك من ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار متوقعة نهاية هذا العام، وذلك بنحو 300% خلال أربع سنوات، لكن يتحدث صفوت عن إجمالي المعاملات الإلكترونية وليس التجارة الإلكترونية فقط، بينما يتوقع أن تكون حصة موقعه السوقية حينها من 40 إلى 50%، وبشكل عام لا يتجاوز حجم التجارة الإلكترونية في مصر نسبة الـ2% من حجم التجارة كلها.

يشار إلى أن عدد العارضين في منصة جوميا، نحو 3 آلاف عارض لنحو 550 ألف منتج وتقوم بشحن المنتجات من خلال 15 شركة شحن، فيما يصل عدد العاملين بالشركة نحو 580 موظفًا، وهذا يعني أنه عندما ينمو سوق التجارة الإلكترونية بنحو 30% سنويًّا فإن عدد العارضين ربما يرتفع بنفس النسبة وكذلك عدد العاملين، وهو ما يعني تشغيل إضافي للاقتصاد الذي سيتحرك أكثر مع هذا النمو.

ذكرنا أن السعودية ومصر والإمارات، هم قاطرة نمو التجارة الإلكترونية في المنطقة، وبالرغم من تربع السعودية واتساع سوق مصر، إلا أنه بعد أن أطلقت إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، مشروع أول منطقة حرة متخصصة بقطاع التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بتكلفة 2.7 مليار درهم (735 مليون دولار)، باسم «دبي كوميرسيتي»، يمكن القول إن المشروع سيكون له تأثير كبير في نمو القطاع في المنطقة، إذ تمتد المدينة على مساحة 2.1 مليون قدم مربع، منها مساحة البناء للمكاتب والوحدات اللوجستية 207 آلاف متر، بمساحة تأجيرية 176 ألف متر، كما أنها ستمثل انطلاقة نحو تحديث البنية التشريعية للتجارة الإلكترونية إقليميًّا.

وكانت شركة «إتقان»، المتخصصة بتوفير حلول تعزيز أداء التجارة الإلكترونية، كشفت خلال دراسة حديثة أنّ قيمة قطاع التجارة الإلكترونية ستصل إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2018 في دولة الإمارات، التي تتمتع بمعدلات تعتبر من بين الأعلى عالميًّا في استخدام الهواتف الذكية والإنترنت، وذلك بالتزامن مع الإقبال المتنامي على التسوق الإلكتروني الذي يوفر أعلى مستويات السهولة والأسعار التنافسية.

وتشهد التجارة الإلكترونية انتعاشًا ملحوظًا في الكويت، وهو ما جعلها تتصدر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نسبة استخدام المنصات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، وبحسب الخبراء فإن هذه الطفرة تسهل حياة الأفراد من ناحية، ومن جهة أخرى تؤمن أوعية استثمارية جديدة للشباب الذين يشكلون ما يقارب ثلث سكان المنطقة العربية.

وفي نفس السياق تشير تقارير، إلى أن الكويت بصدد توقيع اتفاقيات ضخمة مع الصين، تتجاوز إحداها مليار دولار، في قطاعات التجارة والسلع الإلكترونية، بهدف جعل الكويت مركزًا رئيسيًّا لبيع المنتجات الصينية، خلال الثلاث سنوات المقبلة، إذ كشفت وزارة التجارة والصناعة الكويتية، أن الحكومة تعمل على توقيع عقود مع عدد من الشركات الصينية، منها شركة «علي بابا» العملاقة للتجارة الإلكترونية، لتكون الكويت مركزها الرئيسي للعمل في المنطقة، ما يعني توظيف آلاف العمال في سوق العمل الكويتية عن طريق الأنشطة الجديدة للشركة الصينية.

وبعيدًا عن السعودية ومصر والإمارات والكويت، يتزايد النمو في سوق التجارة الإلكترونية بالمغرب، إذ بلغ حجم التجارة الإلكترونية في المغرب نحو 1.2 مليار درهم (120 مليون دولار) في العام الماضي، مقابل نحو 893.2 مليون درهم (90 مليون دولار) في عام 2015، بزيادة قدرها 33.3%، بحسب وزارة التجارة والصناعة المغربية، كذلك كانت التجارة الإلكترونية حلًّا لكثير من المواطنين في ليبيا للتغلب على أزمة السيولة بسبب الأزمة الاقتصادية، كما أنها بدأت تسجل نشاطًا ملحوظًا في باقي الدول العربية كتونس والجزائر والأردن، وهو ما يشير إلى مستقبل واعد لهذا القطاع.

عوائق نمو التجارة الإلكترونيةوتحدياته في المنطقة

عربيًّا، يبدو أن الأمر يتعلق بعنصر القبول العام بعيدًا عن المعطيات الأخرى، وفقًا للمحللين فإن قبول المجتمع العربي بالتجارة الإلكترونية يتحسن كثيرًا، إذ ارتفعت نسبة القبول في العام الماضي 2015 بشكل كبير في كل من مصر والأردن والكويت، حيث شهدت مصر تحسنًا في قطاع التجارة الإلكترونية بنسبة 16% في 2015 مقارنة بالعام السابق عليه 2014، وذلك بحسب تقرير مؤسسة «بيفورت» عن 2015.

رونالدو مشحور الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لموقع «سوق دوت كوم»، يرى أن تحديات التجارة الإلكترونية في المنطقة، تتركز في المحتوى، وطرق الدفع، والتوصيل، وتحسين الخدمة للعملاء، لكنه يرى أن المواقع الإلكترونية قد وفرت خيارات لا حصر لها للعملاء لعلاج مثل هذه العوائق.

كيف تساعد التجارة الإلكترونية في تسريع الإصلاحات الاقتصادية؟

هناك عدة فوائد اقتصادية للتجارة الإلكترونية، ستسهم في الغالب في تسريع الإصلاحات الاقتصادية التي تتبنها معظم الدول العربية، سواء التي تسعى لتنويع مصادر الدخل كالخليج، أو الدول التي تعاني من خلل هيكلي في الميزان التجاري، وتتلخص أهم هذه الفوائد في:

بوابة إنعاش للتجارة الخارجية

لعل أهم ما يميز التجارة الإلكترونية عن غيرها، هو اتساع السوق، فمن خلالها يمكن توسيع دائرة السوق المحلية والنفاذ إلى الأسواق العالمية وخلق أسواق جديدة، فهي بمثابة فرصة لزيادة معدلات الصادرات بتكلفة محدودة، ويسهل من خلالها دراسة الأسواق المستهدفة بشكل أكثر دقة وتقديم المنتجات المناسبة للسوق، وهو ما يشير إلى أن التجارة الإلكترونية، أزالت كثيرًا من العقبات الجغرافية، مما يعني أن التجارة الإلكترونية ربما تكون بوابة لمساعدة الحكومات العربية في معالجة الخلل بالميزان التجاري وتعزيز الصادرات، وبالتالي تعد خطوة مهمة في طريق الإصلاح الاقتصادي.

دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة

لا يقتصر عرض المنتجات بالمنصات التجارة الإلكترونية على الشركات العملاقة أو المشهورة فقط، ولكن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمتلك نفس الفرصة المتاحة لغيرها من الشركات العملاقة، وهذا الأمر يستفيد منه الاقتصاد على جانبين: الأول هو بمثابة دعم للصناعات الصغيرة في المنطقة التي يؤكد الخبراء أن هذه المشروعات هي أهم الطرق للتنوع الاقتصادي المأمول، والثاني هو منح المستهلك خيارات أكثر من المنتجات المعروضة، وغالبًا ما تكون بأسعار أقل وأكثر تنافسية.

وتتيح التجارة الإلكترونية لأي فرد أن يصبح تاجرًا على الإنترنت بتكاليف منخفضة جدًا، ويمكنه تسويق منتجه كذلك خارج حدود بلاده، إذ تشير الإحصاءات إلى أن سر المنتجات الرخيصة لدى منصة «علي بابا» الصينية يرجع إلى هذه النقطة، وهو ما ينعكس عمومًا بشكل إيجابي على تفعيل نشاطات المشروعات الصغيرة، ويدفع عجلة التنمية الاقتصادية، ويساعد في تسريع الإصلاحات.

القضاء على الممارسات الاحتكارية

تعاني معظم الأسواق العربية من انتشار ملحوظ للممارسات الاحتكارية، وغالبا لا تستطيع الحكومات النجاح في القضاء على هذه الممارسات، ولكن في ظل التجارة الإلكترونية، سيتحول السوق للمنافسة الكاملة، وذلك من خلال تقليص المسافات بين المنتجين والمستهلكين، وانخفاض عوائق الدخول في الأسواق، مما سيساعد في تحريك الأنشطة الاقتصادية والوصول إلى سوق يعتمد على المنافسة الكاملة.

ومؤخرًا، ومع دخول موقع «نون دوت كوم» الإماراتي للتسوق الإلكتروني، إلى السوق أول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ليكون في مواجهة «سوق دوت كوم»، ظهرت ملامح ما تسمى بالحرب التجارية، وهو ما يشير إلى سوق تنافسية سيكون في النهاية المستفيد منها المستهلك.

المساهمة في علاج البطالة

يمكن توفير وظائف من خلال نمو التجارة الإلكترونية، وذلك من خلال جانبين، الأول هو العمل في نطاق المنصات الإلكترونية، والثاني هو أن القطاع يساعد في إقامة مشاريع تجارية صغيرة ومتوسطة للأفراد وربطها بالأسواق العالمية بأقل التكاليف الاستثمارية، مما يفتح المجال لأفراد المجتمع للانطلاق في الأعمال الحرة، مما يساهم في خفض نسب البطالة المرتفعة في المنطقة.

كما توفر التجارة الإلكترونية أيضًا وظائف في قطاع التكنولوجيا وذلك من تطبيقات التجارة الإلكترونية،بالإضافة إلى مهندسي الشبكات والبرامج اللازمة لتطبيقات التجارة الإلكترونية وغيرها، حيث أن انتشار التجارة الإلكترونية على المستوى القومي، يخلق بيئة ومناخ ملائم لظهور قطاعات متخصصة في تقنية المعلومات والاتصالات، وذلك لدعم البنية التحتية الإلكترونية لتطبيقات التجارة عبر شبكة الإنترنت.

الضرائب والاستثمارات

لا شك أن دخول شركة أمازون التي تعد أكبر شركة للبيع على الإنترنت في العالم بأسره، إذ توصل منتجاتها إلى كل أنحاء العالم تقريبًا، وتأسست في العام 1994، وتم إدراج أسهمها في البورصة لأول مرة في مايو (أيار) 1997، كانت إضافة لسوق التجارة الإلكترونية في المنطقة وهي كذلك تفتح المجال لاستثمارات أجنبية أخرى، إذ إن السوق وكما يرى الجميع واعدة والمستثمر يبحث دائمًا عن مثل هذه الأسواق.

Embed from Getty Images

كذلك لا تقف الفوائد من التجارة الإلكترونية على الأرباح التشغيلية فقط، إذ أعلنت الهيئة العامة للزكاة والدخل بالسعودية، في أغسطس (آب) الماضي، أنه سيتم تحصيل ضريبة القيمة المضافة على السلع التي يتم ابتياعها من المتاجر الإلكترونية عبر الإنترنت ومن خلال التطبيقات، فيما تعتزم المملكة تطبيق ضريبة القيمة المضافة اعتبارًا من 1 يناير (كانون الثاني) 2018، ما يعني أن تعاملات التجارة الإلكترونية ستكون ضمن مصادر الدخل المعتبرة لدى المملكة في ظل النمو المستمر لها، وكذلك بالنسبة لباقي دول المنطقة التي تتجه لفرض مزيد من الضرائب خاصة على القطاعات النشطة.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!