لم يكن خروج السودانيين في البدابة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، هدفه المعلن هو اقتلاع نظام البشير، ولكن السبب الرئيسي الذي اندلعت لأجله الاحتجاجات كان المطالبة بتوفير الخبز، ثم توسعت المطالب بعد ذلك إلى رحيل النظام، وهو ما يوضح أن الاقتصاد في الأساس هو المحرك الرئيسي للثورة في البلاد، لكن السؤال الآن كيف ترك البشير اقتصاد السودان؟ وهل هذه الأزمات ستنتهي بنهاية حكم البشير؟

يبدو الوضع الاقتصادي الحالي في السودان في غاية الصعوبة والخروج من هذه الأزمات لا يتوقف على التخلص من النظام وفقط، ولكن الأمر يحتاج إلى إصلاح حقيقي واستقرار سياسي يساعد على إعادة الاقتصاد للمسار الصحيح، إلا أن الإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري سيكون لها مردود سيئ على أداء الاقتصاد بما قد يعزز من الركود وهروب رؤوس الأموال ومزيد من التدهور، وهذه الإجراءات تتمثل في تعطيل العمل بالدستور وفرض حالة الطوارئ.

ويواجه السودان الآن مجموعة من التحديات الكبيرة والتي من الممكن أن تعكر صفو فرحة السودانيين بثورتهم، وأبرز هذه التحديات تهيئة البيئة الاقتصادية وضمان توفير السلع الاستهلاكية للمواطنين، كإجراءات أولية في طريق إعادة الاستقرار للاقتصاد، كما أن هناك عدة مشكلات على النظام الجديد أن يتعامل معها على وجهة السرعة حتى لا يتعرض الاقتصاد السوداني لانهيار وركود كبير.

مترجم: هل دخل السودان حقبة الحكم العسكري أم هناك فرصة للتحول الديمقراطي؟

«لعنة الديون» تطارد السودان

يعد ملف الديون المتعثرة أكثر الملفات جدلاً من بين الملفات الاقتصادية في السودان، إذ إن البلاد تخلفت عن سداد ديونها منذ وقت طويل، فهي ديون مجمدة خلال أربعة عقود تقريبًا، في ميراث ثقيل يجب أن يتعامل معه النظام الجديد، فكثير من حائزي الديون التي تخلف السودان عن سدادها، ينتظرون ما سيحدث خلال الأشهر القليلة القادمة.

وفي 1981 تخلف السودان عن سداد قرض مضمون قيمته الأصلية 1.64 مليار فرنك سويسري (1.64 مليار دولار)، ووفق محللون فإن هذا الدين وصل الآن بإضافة الفوائد غير المدفوعة، إلى نحو 8 مليارات فرنك سويسري (7.99 مليار دولار)، إذ تضاعف الدين عدة مرات، وبالإضافة إلى هذا القرض، فإن السودان عليه متأخرات لـ«صندوق النقد الدولي»، تشكل أكثر من 80% من إجمالي المتأخرات المستحقة لتلك المؤسسة المالية الدولية.

وتشير بيانات لـ«صندوق النقد الدولي» ترجع لعام 2016، إلى أن الدين العام الخارجي يبلغ حوالي 51 مليار دولار، وهو ما يقدر بنحو 88% من الناتج المحلي الإجمالي، وحاليًا ينتظر الجميع كيف سيتعامل النظام الجديد مع هذا المأزق، فالسودان الذي كان مؤهلًا لإعفاء للديون في ظل خطة الدول الفقيرة الأكثر مديونية، -ضمن مبادرة لـ«صندوق النقد» و«البنك الدولي» أطلقت في 1996 لمساعدة البلدان الفقيرة، لكن لم تكلل مساعي النظام السابق بالنجاح-، بات أمام خيارين، إما السداد، أو التفاوض للحصول على الإعفاء.

ولا شك أن استمرار بقاء الوضع على حالة فإن البلاد لن يصبح بمقدورها الوصول مجددًا إلى الأسواق الدولية، وهو الأمر الذي تحتاجه السودان كثيرًا للخروج من الأزمة الحالية.

التضخم.. شبح يؤرق السودانيين

يمكن القول إن ارتفاع الأسعار هو أبرز الملامح الاقتصادية للبلاد حاليًا، فعند الحديث عن الاقتصاد السوداني سيكون التضخم الكبير الذي تشهده البلاد أول ما سيتبادر إلى ذهنك، لذلك من غير المتوقع أن يحدث أي نوع من الاستقرار في البلاد مع استمرار معدلات التضخم في اتجاهها الصعودي، فقد ارتفعت في عام 2018 بشكل قياسي، فوصلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى نحو 69%، بينما تستهدف موازنة عام 2019 نسبة تضخم 27%.

ووفق آخر البيانات المتوافرة، فقد عاودت معدلات التضخم السنوي في السودان صعودها خلال فبراير (شباط) الماضي، إذ ارتفع إلى 44.29%، بعد تراجعه إلى 43.45% في يناير (كانون الثاني) السابق، وبحسب «الجهاز المركزي للإحصاء السوداني» فإن الارتفاع جاء بسبب صعود مجموعة الأغذية والمشروبات، ويشمل ذلك كلاً من اللحوم والخبز واللبن.

جاءت الزيادة في التضخم بعد أن أصدر مجلس الوزراء السوداني اتفاقًا يقضي بزيادة أجور العاملين بالدولة وقعه مع «اتحاد عام نقابات عمال السودان» في يناير الماضي، وبلغت الزيادة 500 جنيها (10.5 دولارات) كحد أدنى، و2500 جنيها كحد أعلى (52.6 دولارًا) شهريًا.

ويواجه «الجهاز المركزي للإحصاء السوداني» اتهامات بحساب التضخم بصورة «خاطئة»، فبحسب الأمين العام لـ«الغرفة القومية للمستوردين (أهلية)»، الصادق جلال الدين، فإنه لا يوجد سبب يجعل التضخم ينخفض من 72.94 إلى 43.45% خلال شهر واحد –من ديسمبر (كانون اللأول) إلى فبراير-، بينما يرى آخرون أن أرقام التضخم المعلنة غير منطقية، لكن على كل حال لا خيار آخر أمام النظام الجديد سوى السيطرة على معدلات التضخم الحقيقية حتى يشعر المواطن السوداني بشيء من التحسن.

العملة تنهار والحكومة تلجأ لـ«مسكنات» طبع النقود

لكن التضخم في السودان لا يرتبط بحركة أسعار السلع والخدمات فقط، وهو ما ينقلنا للحديث حول قيمة العملة السودانية وسياسية طبع النقود، وهي قضايا جوهرية ساهمت في تدهور الأوضاع الاقتصادية، ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي خفّض السودان قيمة عملته المحلية بشدة بعد أن طلبت الحكومة من البنوك ومكاتب الصرافة تحديد سعر الصرف على أساس يومي.

لكن السوق الرسمي لا تعبر عن السعر الحقيقي للجنيه السوداني، فقد واصل سعر صرف الجنيه السوداني هبوطه أمام الدولار في السوق الموازية -السوداء- فوفق متعاملين فإن سعر شراء الدولار بلغ 73 جنيهًا من خلال الشراء نقدًا، و92 جنيهًا عبر الشيكات، وبات هناك سعران للنقد والشيكات بعد أن أصدر البشير في مارس (آذار) الماضي أمر طوارئ يحظر تخزين العملة الوطنية والمضاربة فيها، بحيث لا يسمح للأفراد بالاحتفاظ بأكثر من مليون جنيه (تعادل 21 ألف دولار) خارج البنوك.

وتعيش السودان أزمة سيولة خانقة، بدأت منذ فبراير (شباط) من العام الماضي عندما حددت البنوك سقفًا يوميًا للسحب، بدأ أولاً بألفي جنيه في اليوم (نحو أربعين دولارًا) بالسعر الرسمي، ثم انتهى بأقل من 500 جنيه أي نحو 10 دولارات فقط، وحاولت الحكومة السابقة السيطرة على الوضع من خلال إصدار عملات ورقية جديدة من فئة 50 جنيهًا، أعقبها طباعة فئة 100 ثم 200 و500 جنيه، وكل هذه المحاولات تسببت في مزيد من انهيار العملة وتفاقم التضخم.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أعلنت السودان أنها طبعت كميات من الأوراق النقدية في الخارج لمعالجة أزمة السيولة التي تعانيها المصارف السودانية، لكن الاستمرار في الطبع بدون إنتاج حقيقي لن يزيد العملة إلا تراجعًا ولن يحل الأزمة، فقد كشفت جهات رسمية عن وصول شحنة جديدة من النقود التي تمت طباعتها بالخارج وتبلغ قيمتها 1.2 مليار جنيه من فئة المائة جنيه، بالإضافة إلى وصول شحنة أخرى تبلغ 2.5 مليار جنيه لاحقًا، عبر مطار الخرطوم.

هل يمكن إصلاح ما أفسده البشير؟

بات هذا السؤال ملحًا الآن، فبعد نجاح الاحتجاجات في الإطاحة بحكم البشير أصبح حل الأزمات الاقتصادية في السودان حاليًا يحتاج إلى عصا سحرية، فالوضع الآن أكبر من إصلاحات البشير وغير البشير، لكن لو فرضنا حدوث استقرار سياسي في البلاد في المستقبل القريب فإن هذه الأزمات -وفق متابعين – ستحتاج كذلك لعدة سنوات، لكي نجد تطورًا ملموسًا على أرض الواقع.

وكان رئيس الوزراء السوداني السابق معتز موسى قد أعلن عن برنامج إصلاح اقتصادي عاجل تتضمن مزيدًا من إجراءات التقشف، وذلك بهدف التركيز على الاستقرار الاقتصادي لتخفيض متوسط التضخم وتحقيق استقرار في سعر صرف الجنيه وتحقيق معدل نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي ومعالجة أزمة السيولة، لكن هذا البرنامج لا يعرف أحد مصيره الآن، ولا يمكن أن ينجح بدون توافق شعبي وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

ويمكن القول أن برنامج موسى يعتبر نقطة بداية يمكن الانطلاق منها ما بعد الاستقرار، خاصة أن البرنامج يشمل إلغاء جميع الإعفاءات الضريبية باستثناء لمدخلات الإنتاج، بالإضافة إلى سحب بعض السيارات التي يستخدمها المسؤولون والتوقف عن دفع ثمن الوجبات الغذائية المقدمة أثناء الاجتماعات الحكومية، وتأسيس بورصة سلعية لتداول الذهب والعملات، لكن يبقى الاستقرار السياسي هو الشرط الأول لأي توجه نحو الإصلاح. ناهيك عن أن أهم ما تحتاج إليه البلاد حاليًا هي الاستثمارات الأجنبية، والمناخ الحالي غير مناسب على الإطلاق لعودة الاستثمارات التي تتنافس عليها تتنافس ولايات البلاد.

جدير بالذكر أيضًا أنه من المتوقع أن تتلقى السودان مساعدات من عدة دول عربية وخليجية، وهي المساعدات التي قد تحرك المياه الراكدة لكنها في النهاية تظل مسكنات فقط، وليست حلولًا جذرية للمشاكل الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها السودان، كما أن الاستفادة من هذه المساعدات يتوقف على حسن تعامل الحكومة واستغلال هذه الأموال بالشكل الأمثل.

الاقتصاد السوداني.. الموارد الطبيعية لم تُسمن أو تُغنِ من جوع بعد انفصال الجنوب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد