في مقال له على مركز العلاقات الدولية، ترجمه موقع «إدراك» للاستشارات، يحدثنا «جون ألترمان» مدير مشروع الشرق الأوسط بالمعهد حول مصر بعد مروره على إعلان الرئيس المصري السابق «حسني مبارك» تنحيه عن منصبه منذ ما يصل إلى خمس سنوات، وهي الاستقالة التي ساهمت في تشكيل آمال كبيرة ببدء عصر جديد في المنطقة، ونهاية عصر الأنظمة الاستبدادية العربية.

ووفقا للكاتب فإنه، وبنظرة سريعة إلى المنطقة، يبدو أن العصر الجديد كان أسوأ بكثير من العصر الذي سبقه. فالمستبدون هم من يحكمون الآن دول المنطقة، إضافة إلى غرق الدول العربية الأخرى بحروب أهلية طاحنة أعقبت سقوط طواغيتها.

ويؤكد الكاتب أنه على الرغم من أنه لا أحد يشعر بالحنين للعودة إلى أيام التملق المسرحي الذي كان يحيط بالزعيم الليبي السابق «معمر القذافي»، ولا حتى إلى أيام وحشية «صدام» التي ما زالت تشكل كوابيس للكثير من سكان المنطقة، إلا أنه من الصعب كذلك تخيل نهاية للحرب السورية تسمح بإعادة سوريا إلى الخارطة بشكل طبيعي، كما يصعب أيضًا تخيل نهاية للنزاعات المسلحة الدموية في ليبيا، فضلا عن توقف هذه النزاعات عن التأثير على الدول المجاورة لها وإشعارها بالخطر الدائم.

مصر وفق المعايير الأمريكية

ويرى الكاتب أن مصر تظهر متميزة عن غيرها بعد كل ما حدث هناك، حيث هناك جنرال جديد يحكم سيطرته على كرسي الحكم هناك مجددًا. وعلى الرغم من عدم التأكد من امتلاك البرلمان المصري لسلطات حقيقية، إلا أن مصر حظيت بانتخابات برلمانية مجددًا. وصحيح أن الأجهزة الأمنية المصرية حظيت بدعم مطلق لتعقب وملاحقة آلاف الإسلاميين ومئات من الليبرالين. وصحيح أن الشباب المصري يختفي في زنانين الاعتقال الأمنية وبعضهم لا يرى النور مجددًا، وذلك كله قبيح بالإجماع، إلا أن النقاش يتم هنا وفق للمعايير الأمريكية التي حكمت التعامل مع نظام «حسني مبارك» السابق طوال عقود من الزمان.

ويرى الكاتب أن استراتيجية الحكومة الحالية لن تؤدي لتحقيق الاستقرار المنشود. وأرجع ذلك إلى تبعية مصر وارتهانها بدول أخرى في الشرق الأوسط وأمريكا في اتخاذ الكثير من القرارات، وهو ما يجبر الحكومة المصرية على إيلاء طريقة اتخاذ القرارات اهتماما أكبر من ذي قبل.

ويقارن المقال ما بين لحظات الفرح الكبيرة التي صرفت في ميدان التحرير قبل خمس سنوات، وهي اللحظة التي كانت فيها الأمة المصرية أكبر من حكومتها، حيث أجبرت جموع المتظاهرين الحكومة على الجثو على ركبتيها، وكان المواطنون على وشك الانخراط في فعل إبداعي لتشكيل الحكومة الجديدة مع ما تحدث به مسؤولون من النظام الحالي حين وصفوا المواطنين الذين انتخبوا الإخوان المسلمين في الانتخابات التي أعقبت الثورة، حيث دأب الكثير من المسئولين على التذكير بضرورة «حماية الجيش للشعب من نفسه»، أي على الجيش أن يتحكم بتوجهات الشعب بحيث لا يختار الشعب من يجلب المصائب له.

ويقرر المقال عودة القوى العسكرية التقليدية التي حكمت مصر لستة عقود من الزمان، حيث تتدفق السلطة في مصر تدفقت من القمة إلى القواعد، وليس من القواعد إلى القمة، واختفت روح التحرير من المصريين، وكذلك الطاقة التي تسبب الميدان بإيجادها بين صفوف الشعب المصري.

ويرصد الكاتب اختفاء الروح الشبابية التي هيمنت على مصر بعد الثورة، وتراجع دور الأكاديميين مجددًا، وحتى تجنب رجال الأعمال لدعم  اللأعمال التطوعية، والتنموية خوفا من المساءلة. حيث تظهر في مجتمع رجال الأعمال الكثير من الشائعات التي تتحدث عن عدم قدرة الوزراء الحاليين على اتخاذ أي قرار، وذلك لخوفهم من مواجهة أية محاكم مستقبلية كما حدث مع من سبقوهم في المنصب. كما يرصد الكاتب تراجع قيم الاستثمار الأجنبي إلى أقل من 20% عما كان عليه قبل اندلاع أحداث الثورة، بينما يتساءل المستثمرون المحليون عن إمكانية قيامهم بتخصيص استثمارات معينة في مصر بينما لا يملكون بين أيديهم أي توقعات حقيقية عن طبيعة الاستثمار أو السوق أو الاقتصاد في البلد خلال الفترات القادمة.

هيمنة الجيش

يحدثنا «جون ألترمان» أن الجيش ـ من جهته ـ أحدث خرقًا كبيرًا في السياسة المصرية، فخطط حين عجز الآخرون عن فعل ذلك، ونجح في التنسيق في أماكن منع الآخرون من التنسيق فيها. وهو ما أحدث تأثيرًا عكسيًا تسبب في إحباط جميع المستثمرين الآخرين، الذين عجزوا عن التنافس مع جهة حكومية، خاصة وأنها تحصل على دعم غير محدود من مؤسسات الدولة الآخرى.

ويرى الكاتب رغم ذلك أن هناك بعض أسباب التفاؤل المشوب بالحذر في الاقتصاد المصري، لكن التفاؤل القليل هذا يرتكز بالأساس على الركائز التقليدية للاقتصاد المصري مثل القطاع السياحي الذي تأُثر بشكل  سلبي للغاية إثر تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، وهي الحادثة التي ما زالت تصر الحكومة المصرية على جهل أسبابها، رغم أن كل حكومات العالم باتت تعرف من الفاعل. هذا بالإضافة إلى انخفاض عائدات العبور عبر قناة السويس تحت تأثير تباطؤ التجارة العالمية.

ويرى المقال أن انخفاض أسعار النفط ضربة مزدوجة للاقتصاد المصري، حيث ساهم هذا الأمر في تخفيض التحويلات المالية المتدفقة إلى مصر، وكبح حماس بعض الدول الخليجية التي ضخت عشرات مليارات الدولار إلى مصر، وبات ينظر الآن إلى الجنيه المصري على أنه صاحب قيمة مبالغ بها، وهو ما دفع رجال الأعمال للتعامل عبر السوق السوداء ورفع أسعار الصادرات المصرية في الأسواق الدولية المختلفة.

ويرى المقال أن مصر بحاجة إلى اتخاذ خطوات اقتصادية صحيحة: كتمرير قانون الاستثمار الجديد، والقيام بفك ارتباط الجنيه، والتحرك نحو سياسة أكثر شمولًا تعمل على تقليل مشاعر الخوف العام، وتقلل من السلبية الموجودة في المجتمع المصري. وعلى الحكومة أن تفعل ذلك، بينما تستمر في حفاظها على الأمن، وخاصة في مناطق الريف، التي باتت تشهد حالات انفلات أمني كبيرة.

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن على العالم أيضًا الاستعداد للتعاون مع مصر في مجالات التحديات التي تواجهها، والسعي لإيجاد حلول عملية لذلك. وأن على العالم أن يتذكر أن المنطقة تتأثر كثيرًا بمصر، فحينها كانت مصر ثورية، باتت المنطقة كلها ثورية. وحينما أصبحت مصر إسلامية تغيرت معالم المنطقة كلها لتصبح إسلامية، وعندما دخلت مصر مرحلة التعثر اهتزت المنطقة بأسرها.

هذا المحتوى منقول بتصرف عن إدراك.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد