في مؤتمر الشباب الأخير، الذي انعقد بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان من بين الأسئلة التي تلقها في فقرة «أسال الرئيس» هي معرفة رأيه في أحداث السودان الأخيرة؛ ليرد بجواب حاسم قائلًا :«أي اضطراب في أي دولة له تأثير سلبي، وآخر إيجابي».

كان جواب السيسي بوصف ما حدث في الخرطوم «بالاضطراب» انعكاسًا لتعثر مصري كان شاهدًا عليه فشل الوساطات التي أطلقتها القاهرة، فضلًا عن التحول السوداني في قضايا مشتركة بعيدًا عن الرؤية المصرية، تزامنًا مع تشكيل الحكومة الجديدة التي بدت سياستها مخالفة لما كان عليه المجلس العسكري السوداني.

في التقرير التالي نستعرض بعض وقائع «التعثر» المصري في الملف السوداني، وانعكاسات ذلك على أضرار كبيرة لحقت بالقضايا الإستراتيجية التي ترتبط بمصلحة القاهرة، وهو ما يمكن تفسيره بالأسباب الرئيسة وراء تمسك القاهرة بالرئيس السوداني المعزول عُمر البشير.

تحالف لن يصمد.. لماذا لن تلتقي مصالح مصر والسودان رغم الاجتماعات الودية؟

وساطات مصرية متعثرة

كانت المحاولة الأولى للقاهرة عبر سلسلة حوارات مُباشرة مع الفاعلين المؤثرين سواء من جانب أعضاء لـ«تجمع المهنيين» من جانب السلطات المصرية التي استضافت وفود من جانبهم أو عبر لقاءات للسفير المصري في مقر السفارة بالخرطوم. لم تؤد المبادرة المصرية لشيء جديد؛ ودخلت على الخط إثيوبيا التي نجحت في سحب الأنظار عن القاهرة، وتعزز دورها بمرور الوقت لتنتهي بنجاح لافت في إنجاز تسوية بين قادة الجيش و«تجمع المهنيين» انتهت لتشكيل حكومة مدنية.

كان للنفور السوداني الشعبي من الدور المصري دور رئيس في إفشال وساطة مصر الأولى؛ والتي كان شاهدًا عليها المُظاهرات التي خرج فيها المحتجون السودانيون أمام مقر السفارة المصرية في الخرطوم، منددين بالتدخل المصري في السودان. ورفع المحتجون لافتات تحمل عبارات من قبيل: «السودان دولة ذات سيادة مستقلة»، و«ثوار السودان ينددون بتدخل السيسي في ثورة ديسمبر (كانون الأول)»، و«لا لمعسكر الثورات المضادة».

وردد المشاركون في المسيرة هتافات كان أبرزها «قول للسيسي ده السودان، انت حدودك بس أسوان»، في إشارة إلى الحدود بين البلدين. وتأكد هذا التعثر بعدما فشلت القاهرة، مرة ثانية، في تمرير مبادرة لحل الأزمة السودانية عبر جوبا، ساعية من ورائها لمنافسة الوسيط الإثيوبي.

وظهر ذلك فيما ذكره مبعوث رئيس جنوب السودان إلى الخرطوم، بتوت قلواك آنذاك، عن أحقية بلاده في رعاية التفاوض، قائلًا: «إن العلاقة الوطيدة مع السودان، تجعل جوبا «أحق بالوساطة» لتقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري والقوى السياسية في السودان».

كان حديث قلواك حول «أحقية» بلاده في الوساطة إشارة مباشرة إلى عدم رضائهم عن الوسيط الإثيوبي، كالحال نفسه بالنسبة للقاهرة داعم مبادرتهم. وكرر قلواك من جديد رفضه للمبادة الإثيوبية، من العاصمة المصرية، حين أشار من جديد إلى أن بلاده أحق بإدارة الأزمة السودانية، قائلًا: «نحن دولة سودانية، ومبادرتنا ليست أجنبية أو خارجية».

دعم وحضور القاهرة في المُبادرة الجنوبية؛ تأكد في زيارة قلواك للقاهرة، بعد انتهاء طرح بنود مبادرته في الخرطوم، وذلك رفقة عدد من وزراء حكومة جنوب السودان، ولقائهم بالسيسي وكبار مسؤوليه؛ لعرض نتائج مساعيه التي فشلت بعد ذلك، نتيجة عدم قبولها من كافة أطراف الأزمة السودانية، وتحديدًا من «قوى الحرية والتغيير».

عبر عن ذلك قلواك في تصريحات بعد لقائه بالسيسي، بعدما ذكر وقائع هذه الزيارة وأن الرئيس سيلفا كير طالبه بعرض نتائج المقابلات على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للتنسيق والتشاور معه بشأن تلك المبادرة، ودعمها من قبل السيسي بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي؛ الذي أعلن دعمه للمبادرة.

رغم محدودية تأثيره.. القاهرة تهرع نحو الصادق المهدي

انعكست محدودية دور القاهرة دبلوماسيًا وسياسيًا بعد سقوط البشير على  الخيارات التي سلكتها للتأثير في الداخل السوداني؛ والتي كان أهمها وأبرزها اللجوء للصادق المهدي، رئيس وزراء السودان الأسبق ورئيس «حزب الأمة» السودانى؛ الذي منعته السلطات المصرية من دخول البلاد قبل سقوط البشيرـ امتثالًا لطلب الأخير.

وعاد المهدي، قبل أسبوع، للعاصمة المصرية، في زيارة كان مسئولًا عن ترتيبها السلطات المصرية، لينظم له مؤتمرًا صحافيًا بأحد فنادقها المُطلة على النيل، متحدثًا عن مبادرته، وتصوره للدور المصري المرحلة المُقبلة.

عودة القاهرة من جديد للمهدي؛ وهو رجل محدود القدرات والتأثير في الداخل السوداني خلال المرحلة الحالية،  بحسب مصدر دبلوماسي سوداني، هو أحد مؤشرات الفشل المصري، يتحدث المصدر في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» عن «أن المهدي رجل صار يعيش في الماضي؛ وما يعزز من تجاوز الزمن لشخصه هو استبعاده من حضور اجتماعات الوساطة التي تديرها إثيوبيا».

حضور المهدي المحدود في الخرطوم يقف وراءه عوامل آخرى أبرزها بلوغه سن الثمانين، فضلًا عن مواقفه العلنية الداعمة للبشير في وقت سابق كمُباركته سياسات النظام بعد التعديلات الوزارية الأخيرة خلال حُكم البشير، وتجديد تمسكه بموقفه القديم المناهض لقرار «المحكمة الجنائية الدولية»، في مُذكرتها عام 2009 ضد الرئيس السوداني.

وجاءت استضافة القاهرة للمهدي عقب تعثر دورها في إنجاز أي وساطات أو اختراق للكيانات السياسية المؤثرة كتجمع المهنيين، نتيجة الموقف المصري الداعم للبشير حتى الساعات الأخيرة قبل سقوط حُكمه، ورفض الفاعلين السياسين قبول أي دور مصري. وقبل زيارة المهدي، استضافت القاهرة وفد من قوى «نداء السودان»، ساعية لتشكيل كيان سياسي مؤثر في الداخل السوداني، يكون مُعبرًا عن وجهة النظر المصرية في الخرطوم.

يقول خالد مدى، وهو صحافي سوداني من صحيفة «الانتباهة» السودانية المحلية، في تصريحات لـ«ساسة بوست»  أن «أهمية المهدي بالنسبة للقاهرة تنبع من كونه ملمًا بالقضايا العالقة بين الخرطوم والقاهرة، وهو عامل لتقريب وجهات النظر ولديه قبولًا عند قطاعات في الشعب».

ويضيف مدى أن القاهرة اتخذت موقفًا داعمًا للديكتاتور المخلوع، ودعمت المجلس العسكري؛ مما جعلها بعيدة عن نبض الشارع و«قوى الحرية والتغيير»، كاشفًا أن هذا الدور ستختبره مزيد من القضايا الحاسمة الفترة المُقبلة التي كانت مؤجلة أيام البشير.

القاهرة تخسر نفوذها في الخرطوم

أحد مظاهر تعثر الحضور المصري في الخرطوم هو عودة الاتصالات بين السودان وقطر، بعدما نجحت القاهرة مع الحلفاء الخليجيين في دفع قادة الجيش لقطع علاقاتها مع قطر.

ونجحت ضغوط القاهرة الدبلوماسية على قادة الجيش بالتزامن مع المنح المالية من جانب السعودية والإمارات في استخراج قرار بإعفاء السفير بدر الدين عبد الله محمد أحمد من منصب وكيل وزارة الخارجية السوداني، بعدما ذكر أن هناك «ترتيبات تجري لزيارة وفد قطري رفيع المستوى للخرطوم قريبًا».

تلا ذلك موقف آخر هو استدعاء سفير السودان لدى قطر، فتح الرحمن علي محمد، إلى الخرطوم، فضلًا عن قرار أجهزة الأمن السودانية بإغلاق مكتب «شبكة الجزيرة» في الخرطوم، والتحفظ على الأجهزة المملوكة لأعضاء المكتب.

ومع حدوث اتفاق الوساطة بين المجلس العسكري والمدنيين، وتراجع نفوذ الأخير، ظهرت مؤشرات على استعادة الدوحة علاقاتها الطبيعية مع الخرطوم؛ لتفقد القاهرة المكسب المؤقت هي وحلفاؤها الخليجيون.

تمثلت أبرز هذه المؤشرات في عودة سفير الدوحة للخرطوم ليمارس مهامه بشكل طبيعي، حسبما أعلنت وزارة الخارجية السودانية في بيان رسمي ذكرت من خلاله أن «سفير السودان لدى قطر سيعود إلى عمله في الدوحة، ليكون على رأس عمله خلال الساعات المقبلة».

وتزامنت هذه العودة مع استعادة كافة مظاهر العلاقة بين البلدين كعودة طلاب دولة قطر للكلية الحربية السودانية التي يمارسون فيها تدريباتهم العسكرية، وتأهيلهم العسكري.

مؤشرات أخرى على استعادة الدوحة لعلاقاتها مع الخرطوم ظهرت في جواب عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني على تساؤل حول موالاة السلطة السودانية الجديدة لأي معسكر سواء معسكر السعودية ومصر والإمارات، أم معسكر قطر وتركيا. وأجاب حمدوك أن «موالاة السودان فقط لمن يخدم مصالحه»،.

ولعل التحول في سياسة الخرطوم تجاه الدوحة يظهر في الفارق بين تصريح حمدوك الأخير وحديث سابق حميدتي الذي خلاله أن قناة «الجزيرة» موجهة ضد «قوات الدعم السريع»، وضد المجلس العسكري، ووراءها دولتها طبعًا: «لكي نكون واضحين، يجب أن نقول الحقائق، وراءها دولتها قطر، الآن هي دولة موجهة كامل قوتها لكي تدمر المجلس العسكري، والدعم السريع».

القضية الآخرى التي كان البشير مساندًا ومؤيدًا للسياسة المصرية تجاهها هي سد النهضة؛ والتي أخذت مسارًا مغايرًا عما كانت عليه في أوقات سابقة، وفقًا لبيانات مصر الرسمية، دون أن يكون هناك موقف سوداني علني يحتج على الممارسات الإثيوبية، أو يعلن دعمه لشروط مصر.

سقوط «حليف الجميع».. قوى عربية ودولية تضررت من الإطاحة بالبشير

لماذا أيدت القاهرة بقاء الأخير حتى اللحظات الأخيرة؟

سيطرت الخلافات الظاهرية على العلاقة بين القاهرة والخرطوم خلال حُكم البشير؛ وتطورت مظاهرها في وقائع معينة، كان أبرزها سيل الشتائم التي يرددها إعلامي السلطة من الجانبين عند استثارة القضايا الخلافية كحال أزمة حلايب وشلاتين.

غير أن بقاء القضايا الخلافية، وحملات الهجوم المستمرة من الجانبين، كان يتخللها هدوء نسبي عند الحاجة، والأهم هو التزام البشير بتجنب الشروع نحو خطوات تصعيدية فعلية حقيقية في القضايا الرئيسية بين البلدين، والاكتفاء ببعض المشاهد الظاهرية مع خصوم مصر.

ولعل تجاوب البشير الإيجابي، في الشهور الأخيرة السابقة لسقوط حُكمه، تجاه القاهرة في قضايا رئيسية هي السبب الرئيسي وراء تمسك مصر به حتى الساعات الأخيرة، والتواصل مع حلفاء إقليميين للحيلولة دون عزل حامي المصالح المصرية. كان المؤشر الهام على هذا التجاوب هو إعلان البشير علانية دعم ترشح السيسي لفترة ثانية، قائلًا في مؤتمر صحافي علانية: «نحن حقيقة وقتنا زيارتنا في هذا التوقيت كي نؤكد أننا مع استقرار مصر ومع دعم الرئيس السيسي».

كان على رأس هذه القضايا دعم الخرطوم للسيسي لرئاسة الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، فضلًا عن رفع الحظر الجزئي على دخول المنتجات المصرية وإزالة العوائق أمام حركة التجارة والأشخاص بين البلدين الجارين.

مقابل ذلك؛ عملت القاهرة في الأيام الأولى للاحتجاجات على تزويد البشير بمعلومات استخباراتية والضغط على زعيم غربي وآخر عربي لإبقائه في السلطة، غير أن تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها، أفشل مساعي السلطات المصرية؛ لتجد نفسها أمام شخص جديد على رأس السلطة هو الفريق أول عوض محمد بن عوف 62 عامًا، وزير الدفاع السوداني، وهو القائد العسكري الذي أعلن القبض على الرئيس السوداني عمر البشير، وسعي القوات المسلحة لاقتلاع «النظام».

كان هذا الدعم المصري حاضرًا في الترحيب بالبشير خلال زيارته للقاهرة أكثر من مرة خلال اندلاع الاحتجاجات؛ بل ودعم تصريحاته المناهضة للتظاهرات في بلاده حين ذكر علانية في مؤتمر صحافي مشترك مع السيسي: «هناك محاولة لاستنساخ الربيع العربي في السودان، ولكن الشعب السوداني واعٍ ويفوت الفرصة على كل من يحاول زعزعة الاستقرار ولن يسمح للفوضى التي عانت منها دول أخرى أثناء موجة الربيع العربي».

لماذا نجح الوسيط الإثيوبي فيما فشلت فيه القاهرة وجوبا؟

 

المصادر