خلف القضبان.. كيف تأثر المعتقلون في مصر ببطولة كأس الأمم الأفريقية؟

يُقدر عدد المعتقلين السياسيين في مصر، بحسب منظمات حقوقية غير حكومية، بعشرات الآلاف، وقد تأثر هؤلاء وذووهم بصورة أو أخرى ببطولة كأس الأمم الأفريقية 2019، التي تنظمها مصر هذا العام. فبين تجديد تلقائي للحبس بسبب البطولة، وحرمان من مشاهدة المباريات، وحرمان من الزيارة خلال الأيام الأولى من البطولة، والانشغال الإعلامي بها، تسلط السطور القادمة الضوء على ما خلفته البطولة من أثر على المعتقلين السياسيين في مصر.

تجديد «تلقائي» للحبس.. والسبب تنظيم البطولة!

على أحر من الجمر، كانت أسرة محمد تنتظر جلسة العرض على النيابة بعد تجديد حبسه في آخر جلسة لمدة 45 يومًا، وسط سلسلة من التجديدات المستمرة لحبسه الاحتياطي منذ أكثر من عامين إثر اعتقاله على خلفية اتهامات سياسية في أبريل (نيسان) 2017، وكل 45 يوم يُعرض ذلك الشاب العشريني على جلسة غرفة المشورة للبت في وقف حبسه أو استمراره؛ إذ لم تُحل النيابة بعد قضيته إلى محكمة الجنح أو الجنايات مع استمرار حبسه.

الانتظار كان على أشده بعد خيبة أمل كبيرة عاشتها الأسرة في آخر جلسة تجدد فيها حبس محمد، ذلك التجديد الذي لم يهدر فقط 45 يومًا جديدًا لمحمد بين جدران السجن، وإنما أهدر حدثًا استثنائيًا ثمينًا لأسرته، يتمثل في زفاف شقيقته الصُغرى مي التي تحكي لـ«ساسة بوست»: «ده كان أول فرح في أسرتنا، كان نفسي أخويا يبقي معايا في فرحي، اللحظة اللي استنتها من زمان، ولكن للأسف اتجدد حبسه لأسباب غير مفهومة». كان الوضع أصعب للأم التي تحكي عنها مي: «انهارت والدتي، وتنتابها بين الحين والآخر نوبات بكاء تستمر لساعات طويلة».

موعد الجلسة الجديدة المنتظرة 2 يوليو (تموز) 2019، الترقب يزداد والأسرة تدعو الله وتمني نفسها بخروج محمد، بعد آمال لاحت في الأفق بخروج زملاء له في القضية قبل جلستين، مي تتابع عن كثب مع المحامي أخبار الجلسة، ليأتيها أخيرًا الخبر من المحامي: « تجدد حبس محمد تلقائيًا، ولم تنعقد الجلسة بالأساس؛ لمنع  عقدها خلال أيام بطولة كأس الأمم الأفريقية مصر 2019».

Embed from Getty Images

مشهد من افتتاح بطولة الأمم الأفريقية في القاهرة

الخبر بدى صادمًا ومستفزًا لمي وأسرتها غير المهتمة بالرياضة لدرجة اعتقادها أنه بخروج منتخب مصر من جنوب أفريقيا في ثمن نهائي بطولة الأمم الأفريقية؛ لن تستأنف بقية منتخبات أفريقيا مبارياتها على الأراضي المصرية. أمّا أمها فهي تعيش حالة من الحزن والاكتئاب أثّر في صحتها، لدرجة أدت إلى ارتفاع ضغط دمها لأرقام غير مسبوقة في حياتها، وتداهمها نوبات البكاء بالأخص بعد آخر تجديدين، بحسب مي التي تساءلت: «لمَ لم يُخلَ سبيل أخي بالرغم من انقضاء الحد الأقصى للحبس الاحتياطي».

وتنظم المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، الحبس الاحتياطي، ووضعت حدًا أقصى له يتراوح من 18 شهرًا إلى سنتين في القضايا الجنائية؛ إذ تنص المادة 143 على أنّه «في جميع الأحوال، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي، وسائر مراحل الدعوى الجنائية، ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».

ويبدو أن التأجيل التلقائي لجلسة محمد لم يكن استثنائيًا وقاصرًا فقط على قضيته؛ ففي ظل الانشغال الأمني بالبطولة، وتكثيف حضور أفراد الأمن في المدرجات لمراقبة الهاتفين تأييدًا للاعب المصري محمد أبو تريكة، تأجلت العديد من القضايا السياسية، بعدد لا يقل عن أربع قضايا كُبرى معظمها في القاهرة والمدن التي تستضيف البطولة، لسبب وحيد وهو «تعذر حضور المتهمين».

الساحرة المستديرة والعشق الممنوع على المعتقلين

على عكس مي وأسرتها غير المهتمة بالرياضة، فإن إياد الشاب الثلاثيني المعتقل لأسباب سياسية منذ أكثر من خمس سنوات، شغوف بالساحرة المستديرة، فمن وقت الزيارة الثمين الوجيز، الذي لا يتعدى  عادةً ساعة كل 15 يومًا، يدردش مع شقيقه الذي تواصلنا معه في أخبار الرياضة وكرة القدم، وأداء اللاعبين.

حُرم إياد من الاستمتاع بأوقات رياضية استثنائية كثيرة خلال الخمس سنوات الأخيرة؛ فإياد العاشق لتشيلسي لم يرَ تتويج البلوز بلقبي للدوري الإنجليزي الممتاز خلال عامي 2015، 2017، أو فوزه العام الحالي بلقب الدوري الأوروبي، أو حتى فوز الزمالك فريقه المحلي المفضل ببطولة الكونفدرالية بعد غياب 16 عامًا من الألقاب الأفريقية.

وربما الأصعب كان عدم رؤيته لحظة صعود مصر لكأس العالم 2018 بعد غياب 28 عامًا، وتميز محمد صلاح محليًا وأوروبيًا وعالميًا، أما آخر مرة شاهد فيها مصر في كأس أمم أفريقيا فكان عام 2010، ولم يشاهد صعودها للنهائي في 2017، والأحدث أنه لم يشاهد تنظيمها للبطولة للعام الحالي.

أهداف مبارة مصر والكونغو التي حسمت بها مصر صعودها لمونديال روسيا 2018:

إياد لا يشاهد المباريات التي يعشقها، ولكنه يتخيلها عندما يستمع إلى بعضها عبر موجات الراديو أو أخبار الرياضة من الصحف الحكومية التي تسمح بها إدارة السجن بالدخول، ويروي شقيقه لـ«ساسة بوست» أنه مع انشغال الرأي العام ببطولة كأس الأمم الأفريقية واتهامات التحرش الجنسي للاعب المصري عمرو وردة، كان إياد وزملاؤه يعانون من انقطاع الزيارات وما تتضمنه من أطعمة وأدوية واحتياجات لهم، بالإضافة إلى منعهم من الخروج من الزنزانة؛ للفسحة أوالتريّض «المعتقلون كانوا يعانون في صمت وبالأخص خلال الدور الأول لمصر في بطولة الأمم الأفريقية»، بحسب شقيق إياد الذي يختم حديثه: «إياد شغوف بالكرة، ولكنه يعشق الحرية أكثر».

«قرارات يوم المباراة».. كيف استفاد النظام المصري سياسيًا من بطولة إفريقيا؟

كأس الأمم الأفريقية و3 محاولات فاشلة للزيارة

أحد الأسباب الرئيسية لانقطاع الزيارات ومنع التريض، كان وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي يوم الإثنين الموافق 16 يونيو (حزيران) الماضي، تلك الوفاة التي أعقبها تضييق على المعتقلين ومنعهم من الزيارات أو الخروج من الزنانة، قبيل أيام بطولة أمم أفريقيا وخلال الأسابيع الأولى منها، وهو تضييق لم يأخذ حقه الإعلامي حين لم يعلُ صوت فوق صوت بطولة أمم أفريقيا.

توفي الرئيس السابق محمد مرسي بعد تردي أوضاعه الصحية داخل السجن

وفي يوم السبت الموافق 21 يونيو 2019، بدأت مصر مشوارها في كأس الأمم الأفريقية بداية موفقة بفوزها على زيمبابوي بهدف نظيف حصدت به أول ثلاثة نقاط في البطولة، على عكس مشوار مريم الذي غاب عنه التوفيق. فبعدما انطلقت مسافرةً في الصباح الباكر من محافظة لأخرى بحقائب جهّزتها؛ كي تزور زوجها المحتجز لأسباب سياسية، لم تتمكن من الزيارة، وتشرح لـ«ساسة بوست» قائلة: «كنا خمس زيارات سياسية فقط، لطعونا يومها وأخدوا أسامينا كلنا وفضلنا برة السجن، وبعد الظهر الضابط قال للمخبر خلّيهم يروّحوا مفيش زيارة».

المنع بحسب مريم كان قاصرًا على السجناء السياسيين فقط وليس الجنائيين، ولم تكن تلك محاولة الزيارة الأولى الفاشلة لمريم، بل الثالثة التي تسمع فيها مريم عبارة «مفيش زيارة» من أمام بوابة السجن بعد سفر طويل سبقه تحضير أطول لحقائب يثقل حملها؛ فخلال أقل من أسبوع من وفاة مرسي حاولت مريم زيارة زوجها والاطمئنان عليه بدلًا من المرة ثلاث مرات، لكن النتيجة واحدة: «مفيش زيارة».

ففي يوم وفاة مرسي عكفت مريم على تحضير الطعام والإعداد للزيارة وذهبت اليوم التالي الموافق يوم الثلاثاء ولكنها تفاجأت بمنع الزيارة، وكررت المحاولة يوم الأربعاء لكن الأمل تلاشى على أعتاب بوابة السجن مرة ثانية، وأتلف معه الطعام المُعد للزيارة، بحسب مريم التي تحكي عن سبب تعدد محاولاتها: «كنا قلقانين عليهم جدًا، إحنا مكناش متحملين من قلقنا عليهم، لدرجة إننا في بيتنا مطبخناش ولا خرجنا ولا نمنا من قلقنا وضيقتنا مش عارفين هم عاملين إيه وبياكلوا ولا لأ؟».

مع منع الزيارات مُنع أيضًا إدخال الطعام، وظل «تعيين (وجبة) السجن» هو المنفذ الأساسي لإطعام المعتقلين، الممنوعين من الزيارة والخروج من الزنزانة أيضًا، وفي المحاولة الرابعة تمكنّت مريم أخيرًا من زيارة زوجها والاطمئنان عليه «بعد أيام صعبة أوي ربنا لا يعيدها» على حد تعبيرها.

«ريفي لم تبهره أضواء أمريكا».. محمد مرسي الذي لا نعرفه

أمم أفريقيا مصر 2019المعتقلين السياسيينكأس الأمم الأفريقيةكرة قدممصر

المصادر