عاش الإعلام المصري المؤيد للنظام الحالي، حالة من الارتباك والتناقض خلال تعامله مع المظاهرات التي خرجت مساء يوم الجمعة 20 سبتمبر (أيلول) الجاري، في العديد من المحافظات المصرية، استجابة لدعوة الفنان المقاول محمد علي. إذ بدأ الأمر بالتجاهل والإنكار، قبل أن يصل إلى إقرار لم يخلُ من التشويه واستدعاء لشماعات قديمة تربط التظاهرات بالإخوان وتخوفهم من مصير سوريا والعراق.

التجاهل والإنكار.. نفي ما «ليس له وجود»

موعد التظاهر الذي أعلنه محمد علي كان يوم الجمعة الماضية عقب مباراة كأس السوبر المصري بين الأهلي والزمالك، التي أُقيمت في السابعة مساءً، وتستمر لساعة واحدة بحسب دعوة محمد علي، ومع ذلك عكفت وسائل المصرية المؤيدة للسيسي خلال ساعات نهار الجمعة، على إظهار أن الشوارع فارغة من المتظاهرين، وهو أمر طبيعي لأنه لم يكن موعدًا للتظاهر.

وعقب المباراة خرجت عدة تظاهرات في القاهرة قرب ميدان التحرير ومحافظات مصرية أُخرى، من أبرزها: الإسكندرية، والسويس، ودمياط، والغربية، والدقهلية؛ طالب فيها المتظاهرون برحيل السيسي وإسقاط النظام في مشهد نادر لم يُر في مصر منذ فترة طويلة. وقد وثّق المتظاهرون الاحتجاجات عبر كاميرات الهواتف المحمولة والبث المباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لقيت انتشارًا واسعًا مصريًا وعربيًا، عبر وسوم عدة من أبرزها  #ارحل_ياسيسي و#ميدان_التحرير، التي تصدّرت قوائم الأكثر انتشارًا على «تويتر» في مصر ودول عربية.

ليس هذا وحسب، بل إن هذا الحدث الاستثنائي كان جديرًا بأن يلقى اهتمامًا كبيرًا من وسائل إعلام عالمية، والتي كان من بينها: «رويترز» و«بي بي سي» و«وكالة الأنباء الفرنسية» و«فرنسا 24» و«الجارديان» و«الحرة»، و«دويتش فيله» وغيرها من الصحف والوكالات ووسائل الإعلام العالمية.

تقرير لـ«دويتش فيله» عن تظاهرات 20 سبتمبر:

فيما خيّمت حالة من التجاهل والإنكار شبه التام للتظاهرات على وسائل الإعلام المصرية، وتحدّثت الصحف المصرية في تغطيتها القريبة عن فشل دعوات التظاهر، وانتشار حالة من الهدوء وانسياب الحركة المرورية في التحرير، مع نشر صور تظهر ذلك في غير وقت التظاهر.

وقد أسفرت التظاهرات عن اعتقال قوات الأمن المصرية لعشرات المتظاهرين، تعدوا حاجز 200 متظاهر بحسب منظمات حقوقية مصرية، اتهمتهم السلطات المصرية بالتظاهر بدون تصريح وتعطيل المرور، وهو اتهام بدى غريبًا ومناقضًا لرواية الإعلام المصري الذي تنفي وجود تظاهرات من الأساس أو تأثر للحركة المرورية.

وقد دافع به محمد عيسى، المحامي بـ«المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، عن أحد المتهمين بالتظاهر، بقوله لنيابة أمن الدولة العُليا: «دى اشاعات مغرضة وحضرتك، عاوز اثبت أن الإعلام الرسمى والخاص أكد من خلال الفديوهات إلى بثها إن مفيش تظاهرات وحركة المرور لم تتأثر وإن ما يتم نشره من خلال القنوات الإخوانية إشاعات ونحن نطالب بالتحقيق مع السيد مجرى التحقيقات لأنه يبث أخبار كاذبة من خلال كتابته هذة التحريات وهو ما يتفق مع ما تنشره القنوات الإرهابية المغرضة».

كيف تساهم مشاريع السيسي الاقتصادية في زيادة نسبة البطالة؟

«النيران الصديقة» تحرج النظام المصري وإعلامه

محاولة إنكار الإعلام المصري لوجود التظاهرات من الأساس، وما أعقبها من اعتقالات للمتظاهرين، بدت ساذجة بعض الشيء وبالأخص عندما كشف مؤيدون للسيسي اندلاع مظاهرات «مخيفة»، بل ووجود حالات توقيف واعتقالات طالت مؤيدين للسيسي.

فقد ظهرت مواطنة مؤيدة للسيسي تستغيث به وفي في حالة هيستريا وتطالبه بانقاذها من المتظاهرين الذين يريدون اقتحام ميدان التحرير، وقالت: «كل الشرطة والجيش ينزلوا دلوقتي يا جماعة عشان ينقذو الموقف.. فينك يا سيسي يا بطل انقذ مصر.. الحق مصر يا جيش الحق مصر يا شرطة عايزين يقتحموا ميدان التحرير دلوقتي.. الحقوا مصر أرجوكم».

وهو خطاب جاء مخالفًا لاتجاه وسائل الإعلام المصرية بتجاهل التظاهرات وتشويهها والتقليل من شأنها،  ووضع النظام في موقف حرج، نال سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة دفعت بعض المؤيدين لمحاولة التنصل منها من خلال بلاغ للنائب العام قدمه المحامي سمير صبري المؤيد للنظام، اتهم فيه السيدة الظاهرة في الفيديو بترويع المواطنين.

أما عن التوقيف والاحتجاز فقد طال أيضًا مواطن مؤيد للسيسي حاول في غير وقت الاحتجاجات، عبر بث مباشر، إظهار الميدان فارغًا من المتظاهرين بسعادة وحماسة، لم توقفها سوى فرد أمن يستوقفه ويضربه قائلًا له: «عامل إنك بتتكلم في التليفون وبتصور في القوات هوة ده مش اللايف (البث المباشر) بتاعك؟».

من الإنكار إلى الفبركة والتزييف

بعد التجاهل والإنكار الذي يبدو أن جدواه قد تقّلصت بمرور الوقت وبفعل النيران الصديقة وانتشار أخبار التظاهرات محليًا وعربيًا وعالميًا، انتقل الإعلام المصري إلى مرحلة أُخرى من الدعايا المضادة لمواجهة التظاهرات، حاول خلالها ضرب مصداقية فيدوهات التظاهرات، بتشويها ومحاولة إظهار أنها «مفبركة».

« والله الموضوع يضحك؛ همّة حاليًا عاملين ثورة لا يراها إلا اللي على الإنترنت».

بضحكات ساخرة متبادلة بين الإعلامي رامي رضوان وضيفه حسن حامد على قناة «دي إم سي» التابعة للنظام المصري، قال حامد الذي عرفته القناة «خبير تكنولوجيا المعلومات»، الكلمات أعلاه في إطار تعليقه على الفيديوهات المنتشرة للتظاهرات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبفيديو مدته ست ثواني من إعداد القناة، حاول رضوان نفي وجود تظاهرات معارضة للسيسي والنظام في المحلة، وإثبات أن الفيدوهات بشأن تظاهرات المحلة كانت «مفبركة»، وأن التجمعات كانت لجمهور الأهلي الذي يحتفل بكأس السوبر، على عكس ما أظهرته فيديوهات ليس فقط من مواطنين محليين في المحلة الكبرى، وإنما وكالة إعلامية عالمية كُبرى مثل «وكالة الأنباء الفرنسية» تحدّثت عن اندلاع احتجاجات مناهضة للسيسي في مصر، ناشرةً فيديو من المحلة، يهتف فيه المتظاهرون: «ارحل يا سيسي».

المعركة الإعلامية في مواجهة التظاهرات، انجر إليها أيضًا الفنان المصري ذائع الصيت محمد رمضان، الذي نشر فيديو على أنه مفبرك من «قناة الجزيرة» بإظهار جمهوره على أنهم في التظاهرات، وعلّق: «عتابي على قناة «الجزيرة» عرض فيديوهات قديمة لجمهوري في الشارع على انها مظاهرات في مصر لماذا الفبركة ولماذا كل هذا الكره لمصر؟! الحُكم بعد المشاهدة»

وأدت شهرة رمضان إلى انتشار الفيديو وبالأخص على وسائل الإعلام المصرية، التي اتخذت منه مادة ثرية لإضعاف مصداقية الفيديوهات المنتشرة بشأن المظاهرات عموًمًا، ولكن قناة «الجزيرة» ردّت بأنها لم تضع هذا الفيديو بالأساس في نشرتها، وأعادت نشر نشرتها الإخبارية، وأظهرت أنها عرضت فيديو آخر للتظاهرات غير الذي استخدمه محمد رمضان في منشوره.

الرد على ادعاء الفنان المصري محمد رمضان بفبركة الجزيرة لفيديو من المظاهرات في مصر

الرد على ادعاء الممثل محمد رمضان بفبركة #الجزيرة فيديو من المظاهرات في مصر

Geplaatst door ‎الجزيرة – مصر‎ op Zondag 22 september 2019

واستمرارًا لمحاولة ضرب مصداقية المقاطع المصورة للتظاهرات، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينة منسوبة لـ«الجزيرة»، مليئة بالأخطاء اللغوية كان نصّها: «تتقدم أدارة قنوات «الجزيرة» و«الجزيرة مباشر» إلى جموع السادة المشاهدين والسادة المتابعين أعتذارها عما حدث أمس في بثها المباشر للنشرة الأخباريه والذي تتضمن أذاعه فيديوهات للثورة المصرية والذي ثبت لنا عدم مصداقيتها وترجع الي عام 2011 أثناء ثورة يناير».

لتنتنشر تلك التدوينة سريعًا على وسائل الإعلام المصرية المؤيدة للسيسي بمن فيهم عمرو أديب وأحمد موسى، ومحمد الباز، الذي قال: إن «اعتذار الجزيرة غير مقبول… لا تثقوا في قناة الجزيرة أبدًا»، ولكن ما لم ينتشر على المنصات نفسها، هو نفي «الجزيرة» لنشر هذا المنشور من الأساس على أي من منصاتها وتأكيد فبركته، في هذه التدوينة.

 «انظر العصفورة».. الإلهاء والتخويف من فزاعات قديمة

من الطرق التي استخدمتها أيضًا وسائل الإعلام المصرية في مواجهة تظاهرات 20 سبتمبر أيضًا تخويف الجمهور أو إلهائه بقضايا أُخرى بعيدًا عن الأحداث الحية، فخلال متابعتنا لوسائل الإعلام المصرية، استمرت القنوات المؤيدة للنظام في بث حي لشوارع فارغة في القاهرة والمحافظات المصرية في غير وقت الإعلان عن التظاهرات الذي يحشد لها المقاول الفنان محمد علي يوم الجمعة القادمة، ووسط تجاهل لتظاهرات السويس الذي خرجت عن نص علي في اليومين الماضيين.

ومع صور الشوارع الفارغة، انطلقت حملة تخويف إعلامية لفزاعات قديمة معتادة بمقاطع فيديو ومحللين وضيوف يتحدثون عن موضوعات وتعبيرات مثل «حتى لا ننسى عنف الإخوان وسناريوهات التخريب» و«إرهاب الإخوان بعد رفض المصريين لهم في ثورة 30 يونيو»، و«إخوان الدم والمدلسين» من بين التعبيرات التي ظهرت خلال متابعتنا في الأيام الماضية للعديد من القنوات المصرية من أبرزها: «إم بي سي مصر» و«صدى البلد » و«المحور» و«أون إي» و«الحياة»، و«سي بي سي إكسترا».

القناة الأخيرة حاولت جذب الانتباه باستضافة شخصيات إعلامية مشهورة بعدائها للإخوان لم تظهر منذ فترة طويلة، مثل يوسف الحسيني، وعبد الحليم قنديل، الذين انبرّوا في مهاجمة الإخوان وانتقلوا من الحديث عن التظاهرات التي تشغل المصريين إلى مواضيع تاريخية قديمة ومكررة عن الإخوان.

الأمر جذب الإعلامي عمرو أديب الذي اعتبر ظهورهم بعد غياب ميزة جديدة ودلالة على زيادة مساحة حرية التعبير، وسط حديث منه أيضًا عن التفريق بين مطالب شعبية إصلاحية من النظام والصراع على الحكم، الذي يعتبره «قصة تانية» مع استدعاء للحرب السورية التي يجب أن تتجنبها مصر، مثله مثل أحمد موسى، الذي استدعى مجددًا فكرة أن مصر «أحسن من سوريا والعراق»، بل ونشر تقريرًا عن «رأي السوريين المقيمين في مصر في دعوات الجماعة الإرهابية للتخريب والفوضى».

ولكن دعوات التظاهر ضد السيسي، لم تكن من الإخوان، بالرغم من أن الجهود الإعلامية لـ«أخوّنتها» كانت مكثفة، لدرجة أظهرت بعض من التناقض لأخونة محمد علي، والذي نشر الإعلام لتشويهه أيضًا، مقاظع فيديو وصور له وهو في ملاهٍ ليلية في إسبانيا.

واستمرارًا للإلهاء عن تريند التظاهرات دفع عمرو أديب لانتشار وسم #محمود_السيسي، بإعلانه أمس استضافته لمحمود عبد الفتاح السيسي، ونقلت صحيفة «الوطن»، خبرًا نص على: «في أول ظهور.. نجل الرئيس عبد الفتاح السيسي ضيف عمرو أديب بعد قليل».

ولقي الخبر انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتداولته قنوات معارضة، بعدما استخدمت قناة «إم بي سي مصر» في توصيفها لضيف عمرو أديب اسم «محمود عبد الفتاح السيسي»، ولكن بعد ذلك غيرت الاسم واستبدلته بـ«محمود حمدي عبد الفتاح السيسي» الذي يعمل إداريًا في مجموعة صيدليات «19011»، وأن موضوع الفقرة عن تلك الصيدليات التي أُثير حولها حديث عن صلتها بالجيش، ولكن منذ عدة أسابيع.

وبث أديب مقطعا لقناة معارضة تتحدث عن استضافته لنجل السيسي باعتبار أنها تنشر أخبار كاذبة، وأنها وقعت في فخه، في محاولة لإظهار أن القنوات المعارضة التي كانت تبث فيديوهات للتظاهرات تبث إشاعات وأخبارًا كاذبة، ولكن ما لم يتحدث عنه أديب أن مصدر هذا الخبر الكاذب، هو صحيفة «الوطن» أحد أكبر الصحف المصرية المؤيدة للنظام انتشارًا، وتقع ثامنًا ضمن أكثر المواقع انتشارًا في مصر وفقًا لتصنيف «أليكسا»، والتي حاولت تدارك الأمر وغيّرت من عنوان الخبر ومضمونه في محاولة لنفي نشره الأول للخبر الكاذب.

صورة التقطناها من البحث في «جوجل» يظهر الخبر قبل التعديل وبعده:

#ارحل_ياسيسي تَصدّر 3 بلاد عربية.. هكذا تفاعل العرب مع الاحتجاجات المصرية

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد