في العقد الفائت لمع نجم واحدة من أصغر المخترعين في المجتمع الأمريكي، وهي إليزابيث هولمز، التي سحرت الألباب بصغر سنها ولباقتها، وبراءة اختراعها لجهاز يمكنه أن يخلص البشرية من الإجراءات المعقدة لاختبارات الدم. جهاز صغير يمكنه أن يخبرك إن كنت مريضًا أم لا، فقط بقطرة دم واحدة من أصبعك. إلا أن المجتمع الأمريكي قد استيقظ بعد 11 عامًا ليكتشف أن الفتاة الصغيرة قد خدعت الجميع باختراعٍ زائف.

لم تحتَل هولمز على البسطاء من أفراد المجتمع الأمريكي فقط، بل سعت للاحتيال على رجال الدولة بأكملهم. أحاطت نفسها بفريق من المستشارين يجمع بين رجال الجيش والسياسة، وظهرت على واجهة المجلات وفي الإعلام تحت لقب «النسخة الأنثوية ستيف جوبز»، فكيف خدعت أصغر مليارديرة في «وادي السيليكون» الجميع؟

إليزابيث هولمز.. أسطورة النسخة الأنثوية من ستيف جوبز

فتاة في التاسعة عشر من عمرها، وبالفعل كانت قد أسست شركتها الناشئة «ثيرانوس». إليزابيث هولمز سعت لأن تقوم بفحص عينة دم من «قطرة واحدة» لتشخيص سلسلة من الأمراض. قطرة دم واحد وتعرف تاريخك الطبي كله. تخيل كم من الأمراض ستتجنبها، وكيف سيؤثر ذلك على اكتشافك المبكر لها؟

كان خطاب هولمز قائمًا على التعاطف والذكاء، تقول إنها خشت دومًا من «الإبر»؛ إذ كان خوفها الأكبر هو اللحظة التي تقترب منها فيها الممرضة لتسحب أنابيب من الدم الواحدة بعد الأخرى فقط من أجل تشخيص عدد قليل من الأمراض. أطلقت على تلك اللحظة: «نوع خاص من التعذيب، تشاهد فيه دمك وهو يخرج من الجسد». تشير هولمز إلى أن تلك اللحظة بالتحديد هي ما ألهم اختراعها. وعلى الرغم من أن العلماء البيولوجيين قد أشاروا إلى أن ما تسعى إليه هولمز هو أمر مستحيل من الناحية الواقعية، إلا أنها استطاعت أن تقنع تشانينغ روبرتسون رئيس قسم العلوم في جامعة ستانفورد ليصبح مستشارًا لشركتها.

تخلى روبرتسون عن عمله الثابت في الجامعة من أن أجل إدارة مختبرها الخاص. يقول إن ما لمحه في عيني الفتاة ذات الـ19 ربيعًا كان مختلفًا عما عهده من طلابه. لقد رأى فيها مثالًا حيًا يشبه عباقرة عالمنا المعاصر، مثل ستيف جوبز وبيل جيتس. في ذلك الوقت أعلنت هولمز أنها ستترك جامعة ستانفورد، قالت: «أعتقد بما أنني لم أعد أحضر أيًا من صفوفي الدراسية؛ فإن ستانفورد ستصبح مضيعة للوقت والمال».

استخدمت هولمز قصتها فقط في التسويق لذاتها، واستطاعت أن تقنع عشرات المستثمرين بدفع مئات الملايين من الدولارات، وفي وقتٍ قصير عُرفت بأنها أصغر مليارديرة في العالم. في البدء كانت هولمز تعمل على جمع التبرعات من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك عندما دشنت حملة تبرعات تحت اسم «الخوف من الإبر»؛ إذ استطاعت أن تجمع من خلالها أكثر من 3 مليون دولار، أصبحوا حجر الأساس في شركتها الناشئة.

(الفيلم الوثائقي عن إليزابيث هولمز إنتاج HBO)

كيف يمكن أن تكون شخصًا صاحب رؤية من ناحية، وكيف تستطيع أن تسوق لرؤيتك من ناحية أخرى؟ إنه معيار النجاح، كما يراه خبراء الاقتصاد، وهو بالضبط ما فعلته هولمز، إلا أن الفتاة ذات الـ19 كانت تعمل على تسويق ذاتها، دون رؤية حقيقية. عُرفت هولمز في الأوساط العلمية كمخترعة، وفي «وادي السيليكون»، حيث تكمن شركتها كأحد رواد الأعمال، وبطاقم مكون من 700 فرد يعملون على إخراج اختراعها للنور استطاعت أن تتصدر واجهة مجلة «فوربس» الأمريكية.

«سأغير عالم الرعاية الطبية الذي نعرفه». *إليزابيث هولمز

إذا سألت أيًا من أفراد طاقم الشركة عن ماهية الاختراع أو ما الذي يقومون به بالضبط، لن تصل إلى أية إجابة واضحة. كلٌ منهم لديه رؤية ضبابية عن المشروع، مثلهم مثل العامة، وكلٌ يعتقد أن الماهية الحقيقية للاختراع سر من أسرار هولمز، لن تفصح عنه. وفي الوقت ذاته عرفت هولمز بين موظفيها بالفتاة التي تعمل حتى منتصف الليل في شقتها حيث الثلاجة فارغة إلا من زجاجات المياه المعدنية. طاولتها تكتظ بعلب الطعام الجاهز، إذ لا وقت للاهتمام بالنفس. تنام أربع ساعات فقط في اليوم. وتبذل كل نفيس من أجل تحقيق حلمها.

كانت براءات الاختراع التي سجلتها هولمز باسمها تعمل على دمج آليات السوائل المستخدمة في فحص العينات الطبية جنبًا إلى جنب تقنية «النانو تكنولوجي»، في شريحة صغيرة. وبقطرة دماء واحدة يمكن لهذه الشريحة أن تفحص عدة أمراض، وأن تستخرج التاريخ الطبي الكامل للشخص. كل هذا باستخدام جهاز خاص بحجم طابعة الحاسب الآلي؛ إذ يمكنه أن يعمل عوضًا عن المختبر بأكمله. تقول هولمز: «كوننا شركة خاصة يمنحنا امتياز عدم الإفصاح عما نفعله، حتى نستطيع إنجاز الأمر».

لتحتال على المجتمع.. يجب أن تنال رضا الحكومة أولًا

من أجل أن تتمكن من خداع الجميع، يجب أن تتمكن أولًا من الاستحواذ على انتباه المشاهير والشخصيات العامة. أن يتحدث عنك الجميع، أن يؤمنوا بك. ومن ثم يضخ المستثمرون ملايين الدولارات في اختراعٍ لا يعرفونه. هذا بالضبط ما فعلته إليزابيث هولمز. المخترعة صغيرة السنِ التي استطاعت أن تقنع عددًا من الشخصيات العامة، بينهم هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، وجيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وجورج شولتز الخبير الاقتصادي الشهير، بأن يصبحوا من بين أعضاء مجلس إدارة شركتها «ثيرانوس».

أرادت هولمز أن تتلفح برجال الدولة الأمريكية الأقوياء. مجلس من المستشارين يمكنه أن يقضي على أية بادرة شك نحو أعمال الشركة، بل يمنح الثقة للعديد من المستثمرين من أجل ضخ المزيد من الأموال، وهو ما نجحت فيه؛ إذ استطاعت بسحرٍ أن تستحوذ على عقول قائمة طويلة من كبار رجال الدولة في مجالات السياسة والدفاع والرعاية الصحية والاقتصاد، بعضهم كانوا أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي.

(جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي الأسبق)

أشارت هولمز أكثر من مرة إلى أنها ترعى بعض الأعمال لوزارة الدفاع الأمريكية. أقنعت إليزابيث رجال الجيش الأمريكي بتبني أجهزتها؛ وذلك بهدف إجراء فحوصات الدم للجنود بطريقة أكثر سرعة، وهو الأمر الذي استدعى موافقة إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012؛ إذ كانت اختبارات الشركة خاضعة للمراقبة. في ذلك الوقت استطاعت هولمز – بحسب البريد الإلكتروني الخاص بالشركة – أن تحتوي الأزمة، وذلك عن طريق قائد المارينز الرابع جيمس ماتيس.

شركة تكنولوجيا طبية، أغلبية أعضاء مجلس إدارتها من القادة العسكريين أو رجال السياسة السابقين، ممن لديهم خبرة قليلة في مجالات الطب والصحة، شركة وصفها البعض حينها: «شبكة نفوذ سياسي». كان هذا أحد الأمور التي أربكت المراقبين.

جهاز «إديسون».. أكذوبة طبية

تقول هولمز إنها أطلقت على جهازها الصغير الذي يمكنه أن يجري اختبارات معملية لعينات دم من قطرة واحدة تؤخذ من الأصبع اسم «إديسون» نسبةً إلى المخترع توماس إديسون، الذي اخترع المصباح الكهربائي. عُرف عن إديسون أن له أكثر من ألف براءة اختراع، لم تكلل أغلبها بالنجاح، بل فشل أكثر من ألفي مرة قبل أن ينجح أخيرًا في صنع مصباحًا كهربائيًا، يقول عن ذلك: «على الأقل عرفنا أن هناك ألفي طريقة لا ينتج عنها مصباح جيد».

علوم

منذ سنتين
«إديسون» لص اختراعات و«فورد» ملهم هتلر.. الوجه المظلم لشخصيات أضاءت العالم

كان إديسون من مشاهير عصره على طريقة هولمز، وإن كان وادي السيليكون قد تواجد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين لكان توماس ألفا إديسون أحد رواده؛ إذ كانت أخبار اختراعاته تشغل الرأي العام حينذاك؛ إلا أنه بعكس هولمز تمكن من إنجاز أكثر من اختراع، أبرزها كان آلة التصوير السينمائي والفونوغراف.

(جهاز إديسون)

على الرغم من أن جهاز هولمز كان يحمل اسم «إديسون»؛ إلا أنه وعلى مدار عقد كامل من الزمن لم يعرف سوى الفشل؛ إذ كان الجهاز كارثة بكل المقاييس. عن ذلك يقول أحد العاملين في مختبر هولمز: «يدخل الخبراء والمراقبون لوضع عينات صغيرة من دمهم في رقاقات، لتصبح جاهزة للاختبار، ومن ثم نضع العينات أمامهم في الجهاز، في الوقت ذاته يرحب المسؤولون بالضيوف عن طريق جولة داخل الشركة، ونهرع أنا وفريقي لأخذ العينات من الجهاز لاختبارها بطرقٍ تكاد تكون تقليدية، بعدها نجري مرةً أخرى واضعين النتائج بجانب الجهاز الكارثي؛ ليبدو الأمر كما لو أنه يعمل».

كان الجميع يتكتم على الأمر، ولا يستطيع أحد الإفصاح عن أن الجهاز «إديسون» لا يعمل بالطريقة التي تتيح له القيام بعمله. وفي الوقت الذي كانت فيه هولمز تعمل على تسويق الجهاز لعدة شركات، كآلة فحص دم بحجمٍ صغير يمكنها أن تجري أكثر من 200 تحليل في عدة دقائق، ويمكن أن توزع على الصيدليات، لتحل محل المختبر. كان الجهاز من الداخل تقنيًا لا يعمل بالشكل المطلوب، وبالتالي هناك استحالة لأن تكون النتائج دقيقة.

حينذاك تحمست شركة والجرينز لشراء الجهاز، دون أن تعلم بمجموعة المشاكل التقنية الموجودة داخله. عن ذلك يقول أحد الخبراء: «لم نستطع تنظيم الحرارة داخل الجهاز بشكلٍ جيد، كما انتقلت السوائل داخله بشكل غير فعال». كان الجهاز يتعامل مع مجموعة كبيرة من السوائل، أغلبها دماء الأشخاص الخاضعين للفحص، ومن ثم ينسكب الدم على أكثر من جزئية داخل الجهاز أثناء تحرك آلة الفحص الأشبه بالإبر، والتي كانت تتجمد بشكلٍ مفاجئ في كثير من الأحيان. هذا إضافة إلى أن أغلب المتطوعين للفحص كانوا من المشردين والفقراء، ممن يعانون من أمراض مثل التهاب الكبد الوبائي؛ مما قد يعرض الخبراء لالتقاط بعض الأمراض.

من أصغر مليارديرة إلى محتالة.. كيف يمكن أن تخدع الجميع؟

«إليزابيث هولمز هي المخترعة الأهم في زمننا الحالي». *ساني بالواني – الرئيس السابق لشركة ثيرانوس

في يونيو (حزيران) 2018 واجه كلًا من إليزابيث هولمز وساني بالواني، تهمًا بالاحتيال والتآمر أمام وزارة العدل. تسعة تهم بالاحتيال الشبكي أغلقت بعدهم شركة ثيرانوس المتخصصة في مجال فحص الدم. والتي تقدر قيمتها بأكثر من 9 مليار دولار. وقد كان هناك علاقة رومانسية تجمع كلًا من هولمز والمدير التنفيذي السابق لشركتها بالواني، صاحب الباع الطويل في مجال التكنولوجيا، والذي اعتبرها الشخصية الأهم في زمننا الحالي، وواحدة من أهم المخترعين.

كان عام 2013 هو العام الذي بدأ فيه نجم ثيرانوس في الأفول؛ إذ انتحر العالم الكيميائي إيان جيبونز، أحد الخبراء العاملين على مشروع الشركة، وذلك بعدما سقط في اكتئاب شديد إثر قضية تتعلق ببراءة اختراع هولمز. كان إيان يخشى أن يقول الحقيقة فيفقد عمله، ولهذا قتل نفسه. كانت أغلب الأبحاث التي قام بها إيان لتطوير المشروع قد وضعت تحت اسم إليزابيث هولمز، بحسب الفيلم التسجيلي الذي أنتجته شركة «HBO» عن حياة الأخيرة.

كانت بداية المتاعب الحقيقية مقترنة بتقرير للصحافي جون كاريرو في جريدة «وول ستريت» عام 2015، يتهم فيه هولمز بالاحتيال وتبديد أموال المستثمرين؛ إذ جنت شركة ثيرانوس حوالي 400 مليون دولار جدد بعدما طرحت جهازها في السوق عن طريق شركة «والجرينز».

Embed from Getty Images

(إليزابيث هولمز أثناء الإدلاء بشهادتها في المحكمة)

كان كاريرو قد تواصل في تلك المرحلة مع أحد الخبراء داخل معمل ثيرانوس؛ إذ كان لدى الأخير مخاوف حول الطريقة التي تدير بها الشركة أعمالها. كان رجل المعمل الطبي خائفًا؛ إذ أفصح للصحافي عن أن الجهاز «إديسون» لا يستطيع سوى القيام بعدد قليل من الفحوصات نسبةً إلى عدد الفحوصات الذي أعلنت عنه ثيرانوس وهو 250 تحليل. كانت الفحوصات الباقية تجرى في مختبر سري يعمل به أخصائي التحاليل الطبية، على أجهزة جرى شراؤها من شركات خارجية. كما أن نتائج التحاليل لم تكن دومًا دقيقة.

ثلاث سنوات هي الفاصلة قبل حل شركة «ثيرانوس»، وخضوع كلٍّ من إليزابيث وساني للمساءلة القانونية عام 2018، وطوال هذه المدة كانت إليزابيث تحاول جاهدة استعادة ما فقدته عن طريق خداع الجميع مرةً أخرى، إلا أنها فشلت. تشير وكالة «رويترز» إلى أن المحاكمة ستبدأ رسميًا في صيف عام 2020.

مغامرة الاستخبارات الأمريكية في «وادي السيليكون»

المصادر

تحميل المزيد