يعتقد البعض أن عالم المال هو عالم خالٍ من المشاعر، إذ يظنون أن حركة الأموال تتوقف فقط على فرص الربح والخسارة، والشراء والبيع، وغيرها من المفارقات الاقتصادية المعروفة، لكن الاقتصاد بوصفه علمًا، هو من العلوم الاجتماعية، ويدرس السلوك البشري، لذلك فإن المشاعر -خاصة في الاقتصاد الحديث- تعد محركًا أساسيًّا للاقتصاد العالمي عمومًا، لكن كيف ذلك؟

وفق دراسة لجامعة «كارنيجي ميلون» الأمريكية، فإن المشاعر تشكل عاملًا حاسمًا في الاقتصاد؛ إذ إن التفاؤل في دولة أنجولا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2002، دفع البلاد لتحقيق أضعاف معدلات الاستهلاك والادخار والإنتاج، بحسب الدراسة، بينما تضرب الدراسة مثالًا بإيطاليا واليونان، إذ إن تراجع الاقتصاد يرجع جزئيًّا لعدم استقرار الحكومات الائتلافية في البلدين، وهو ما يؤدي إلى قلق المستثمرين، فمواطنو البلدين هم الأكثر تشاؤمًا في أوروبا من الناحية الاقتصادية، وفق تقديرات 2014.

وخلال السطور القادمة سنناقش كيف أصبحت المشاعر عنصرًا رئيسيًّا في الاقتصاد، سواء على المستوى القومي أو الشركات والأفراد.

لهذه الأسباب لا تستطيع السعودية تنفيذ تهديدها بالتخلي عن الدولار

التفاؤل والثقة.. كيف أصبحت المشاعر مؤشرات اقتصادية؟

أصبحت كلمات من قبيل «ثقة المستهلكين» و«ثقة المستثمرين» من بين أهم البيانات الاقتصادية لأي دولة في العالم حاليًا، كما أن مؤشر المعنويات الاقتصادية يكشف عادة عن مدى التفاؤل بين المستهلكين والمستثمرين، وهذه المؤشرات التي تجدها غالبًا تتصدر الأخبار الاقتصادية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية شهريًّا، ينتظرها رجال المال والأعمال سواء على مستوى الدولة، أو الشركات لوضع الخطط على أساس هذه المؤشرات.

على المستوى العالمي يعتبر «مؤشر ثقة المستهلك» و«مؤشر ميول المستهلك» بجامعة ميشيجان، هما الأشهر في العالم حاليًا، فرغم أن هناك العديد من استطلاعات المستهلكين، ولكن هذين الاستبيانين يتابعهما الاقتصاديون على نطاق واسع، فهو مسح شهري لا يقل أهمية عن تقارير إنفاق المستهلكين، فهذه المؤشرات تعكس ما يشعر به المستهلكون من التفاؤل أو عدمه، فالتفاؤل يجعلنا نفترض أنهم سيكونون أكثر ميلًا إلى الإنفاق، وبالتالي سيحقق الاقتصاد نموًا ملحوظًا.

وتنشر جامعة ميشيجان استطلاعها مرتين في الشهر، وهي استطلاعات يكون لها تأثير كبير في أسواق العملات والأسهم، فهي تكشف عن معنويات المستهلكين، في حال كانت قوية، يكون احتمال تقدم الاقتصاد كبيرًا؛ بالتالي اتجاهات العملات والأسهم تكون صاعدة، بينما في حال كانت المعنويات ضعيفة، فهي إشارة سلبية لأسواق المال، ولكي يكون الحديث أكثر واقعية نضرب مثلًا بما حدث للاقتصاد الأمريكي خلال العامين الماضيين.

ففي سبتمبر (أيلول) 2017، أظهر مؤشر جامعة ميشيجان أن معنويات المستهلكين الأمريكيين ارتفعت في أغسطس (آب) مقارنة مع الشهر السابق عليه، وسط تفاؤل المستهلكين بأوضاعهم المالية الشخصية، وقال ريتشارد كيرتن، كبير خبراء الاقتصاد المعني بمسوح المستهلكين بجامعة ميشيجان، حينها إن «مؤشر المعنويات خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2017 كان أعلى من مستواه في أي عام منذ 2000، الذي كان عام الذروة في أطول موجة ارتفاع في تاريخ الولايات المتحدة».

كيرتن قال إن «تقييمات المشاركين في المسح لظروفهم المالية الشخصية تقترب من مستويات قياسية، بدعم من تدني معدل البطالة والتضخم وأسعار الفائدة ومكاسب أسعار المنازل ومحافظ الأسهم»، وفي الواقع وبعد أشهر قليلة من هذا المسح، سجل الاقتصاد الأمريكي أسرع وتيرة نمو في نحو أربع سنوات، وذلك في الربع الثاني من 2018، وكان العامل الرئيسي في هذا النمو هو إنفاق المستهلكين، وهو ما يكشف أن تفاؤل المستهلكين كان له تأثير واضح في النمو بالطبع، إضافة إلى عوامل أخرى.

على الجانب الآخر، ووفق دراسة لجامعة «كارنيجي ميلون» الأمريكية، فالأمر غير قاصر على التأثير في الاقتصاد الكلي وحسب، لكن تشير الدراسة إلى أن مديري الأعمال «الأكثر تفاؤلًا» يحققون أفضل النتائج، إذ إن 60% من المديرين الذين أبدوا تفاؤلًا بمستقبل شركاتهم هم بالفعل من يحققون أعلى الأرباح، وهو ما تفسره الدراسة بأن المديرين الأكثر تفاؤلًا يعكسون تلك الحالة على مرؤوسيهم، وبالتالي تسود حالة إيجابية تستفيد منها الشركة بشكل عام.

زاوية أخرى تكشف مدى تأثير التفاؤل في الاقتصادات، من ألمانيا هذه المرة، إذ أظهر استطلاع للرأي نشر في نهاية مارس (آذار) الماضي أن المستهلكين الألمان يبدون أقل تفاؤلًا مع اقتراب شهر أبريل (نيسان)، فقد توقعوا تباطؤًا ملحوظًا في الاقتصاد، والمفارقة هنا أنه قبل نشر الاستطلاع بأيام قليلة كان «إيفو» الألماني، قد خفض توقعاته لنمو أكبر اقتصاد في أوروبا في 2019 إلى 0.6% من 1.1%، وهو ما يوضح أن تشاؤم المستهلكين يؤثر سلبًا في الاقتصاد، بما أنهم القوة الفاعلة في الاقتصاد.

الخوف والأمان يحركان أسواق المال

لا يختلف كثيرًا تأثير الخوف والأمان عن تأثير التفاؤل، أو الثقة والتشاؤم، لكن الخوف يعتبر مؤثرًا أقوى وتأثيره أسرع كذلك، فيمكن أن يؤدي الخوف إلى آثار كارثية في الاقتصاد، إذ تنهار قطاعات كاملة بسبب بعض المخاوف، ففي الوقت الذي يتسبب فيه الخوف في هبوط حاد بأسواق الأسهم، نجد المستهلكين والمستثمرين يبحثون عن الأمان من خلال شراء الذهب.

لذلك نقول إن الذهب هو الملاذ الآمن القديم الحديث؛ إذ يحتل المعدن الأصفر مكانة كبيرة في الاقتصاد العالمي، ودائمًا ما يرتبط اللجوء للذهب بالخوف، في ظل حصول الأزمات السياسية والاجتماعية مثل الحروب وغيرها، إذ يكون اللجوء فوريًّا إلى الذهب، لذلك دائمًا ما يصعد عند وجود أي توترات سياسة عالمية، ومع تراجع ثقة الشعوب والمستثمرين في استقرار الأوضاع المشتعلة عالميًّا، يزداد الخوف ومعه يلجأ الجميع إلى الذهب.

إذن الشعور بالخوف أو الأمان يتحكمان بشكل أو بآخر في حالة أسواق المال، واتجاه الأموال حول العالم، سواء من حيث الاستثمار في الذهب، أو العملات، أو غيرها، ففي النهاية مقدار خوفك هو ما يحدد إلى أين ستذهب أموالك، وكما يقول الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، محمد بن سعيد الفطيسي، فإن «الخوف يولد الشك، والشك يولد عدم الثقة وفقدان الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي، وبالتالي لا يمكن أن توجد تنمية اقتصادية بالدول في ظل شكوك أفراد المجتمع من قدرة النظام السياسي، لذلك فانتشار العنف والاضطرابات السياسية هي مرافق شبه طبيعية لمجتمع تنتشر بين أفراده تلك المخاوف الاقتصادية».

«الاقتصاد السلوكي».. أن تتحكم في المشاعر لأغراض اقتصادية

يعمل الاقتصاد السلوكي بشكل مباشر على تصحيح سلوك المستهلكين أو المستثمرين، أو بالأدق السيطرة على مشاعر المستهلكين لاتخاذ القرار الاقتصادي الذي يخدم الدولة والفرد، فهذا الفرع الحديث نسبيًّا من علم الاقتصاد يعمل على الاستفادة من التقدم في علم النفس، كما أنه دعوة لدراسة السلوك البشري، وإعادة صياغة النظرية الاقتصادية على أساس واقعي سليم، وذلك بغرض منع الكثير من الأزمات الاقتصادية والفقاعات المالية في المستقبل.

ويعد التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تاريخًا فارقًا في مستقبل الاقتصاد السلوكي، بعد أن أعلنت «الأكاديمية الملكية السويدية» فوز الأمريكي ريتشارد ثالر، بجائزة نوبل للاقتصاد، وهو أحد آباء الاقتصاد السلوكي، بالرغم من أنه ليس أول شخص له أبحاث في هذا الفرع من الاقتصاد، ولكن ومع ابتكاره لنظرية «التحفيز» الهادفة لتصحيح النواحي غير العقلانية في سلوك المستهلكين والمستثمرين على السواء، من خلال تقليص الهوة بين الاقتصاد وعلم النفس، بات أكبر المساهمين في الاقتصاد السلوكي.

ريتشارد ثالر

كل ما حاول ثالر فعله هو توظيف أدوات علم النفس ونتائجه لجعل التصرفات الاقتصادية والمالية أكثر مواءمة مع كل ما هو اقتصادي، وهذا الأمر لا ينطبق على قرارات الشراء فقط، ولكن ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تحقيق سياسات الحكومات الاقتصادية دون إجبار الأفراد على اتباع سياساتها، وبالنظر إلى كتاب «Nudge» لصاحبيه ريتشارد ثالر وكاس سونستين، فإن أنسب الطرق للاستفادة من الاقتصاد السلوكي لصياغة الأنظمة والسياسات العامة، هي توجيه سلوك الناس نحو الخيار الصحيح، وذلك من خلال جعله «الخيار الافتراضي»، اعتمادًا على سلوك الناس للتحيز لـتفضيل «الوضع الحالي».

ويفترض الباحثان أنه بمجرد جعل إحدى السياسات خيارًا محددًا مسبقًا لمن لا يختار، يمكن للحكومات أن تصل إلى مبتغاها من سن قرار معين بصورة تبدو اختيارية، فعلى سبيل المثال، لجأت ولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتجربة الخيار الافتراضي أو «الوضع الحالي» من خلال حث الموظفين الجدد على التسجيل بنظام التقاعد، وذلك على أن تدفع الولاية دولارًا من خزينتها مقابل كل دولار يدفعه الموظف للتقاعد، لكن لم ينضم من الموظفين الجدد للنظام سوى 20% فقط، بينما كانت النتيجة هي انضمام 91% إلى النظام عندما جعلته الولاية هو الخيار المحدد مسبقًا للموظفين ما لم يطلبوا الانسحاب منه.

5 نماذج تشرح لك ما يحدث لاقتصاد الدول بعد التخلص من حكم العسكر

المصادر

تحميل المزيد