إذا أراد اليوم أحد العلماء أن يخترع مصطلحًا علميًا جديدًا، فسيجعله باللغة الإنجليزية. وإن أراد آخر أن ينشر اكتشافًا جديدًا، فبالتأكيد سيفعل ذلك باللغة الإنجليزية.

حتى إن البحث الذي قدمه الثنائي النرويجي “ماي بريت” و”إدوارد موزر” والذي فازا بسببه بجائزة نوبل، تم نشره باللغة الإنجليزية.

لم يكن ذلك هو الحال دائمًا.

يقول مايكل جوردين “إذا كنت تعيش في العام ١٩٠٠ وسألك أحدهم وقتها عما ستكون لغة العلم في العام ٢٠٠٠ فغالبًا سيكون ردة فعلك هو أنك ستضحك من السؤال. ذلك لأنه كان من الواضح وقتها أن لغة العلم ليست لغة واحدة محددة، ولكنها خليط من الفرنسية والألمانية والإنجليزية”.

مايكل جوردين هو بروفيسور في تاريخ العلم بجامعة برينستون، وهو بصدد إصدار كتاب بعنوان “Scientific Babel” يقوم فيه بالبحث في تاريخ اللغة والعلم.

يقول جوردين أن الإنجليزية كانت بعيدة تمامًا عن كونها اللغة المسيطرة على البحث العلمي بالعام ١٩٠٠ وأن اللغة المسيطرة وقتها كانت الألمانية.

“إذًا فالمسألة الخاصة بالقرن العشرين ليست علوّ اللغة الإنجليزية وانتشارها، بل الصدمات المتتابعة التي أصابت اللغة الألمانية بعد ما كان من المتوقع أن تكون هي اللغة المسيطرة على التواصل العلمي” طبقًا لتصريحات جوردين.

كانت اللاتينية هي لغة العلم السائدة لسنوات عديدة كما كانت وسيلة عالمية للتواصل في أوروبا الغربية، من فترة العصور الوسطى المتأخرة إلى منتصف القرن السابع عشر، قبل أن تبدأ في الانكسار. بعد ذلك العصر، أصبحت اللاتينية واحدة من العديد من اللغات التي كان يتم استخدامها في توصيف العلوم.

كان جاليليو هو أول من نشر العلم على نطاق واسع بلغته الأم. كتب جاليليو بالإيطالية ثم تم ترجمة كتاباته إلي اللاتينية حتى يتسنى للعديد من العلماء قراءة أعماله.

و بالانتقال السريع إلى القرن العشرين، كيف استطاعت الإنجليزية أن تهيمن على الألمانية بمضمار العلم؟

يقول جوردين أن “الصدمة الأولى التي أصابت ذلك النظام الذي كانت ثلث إصداراته العلمية بالإنجليزية وثلثه بالفرنسية وثلثه بالألمانية تمثلت في الحرب العالمية الأولى، والتي كانت السبب في تأثيرين عظيمين”.

بعد الحرب العالمية الأولى، قام العلماء البلجيكيون والفرنسيون والإنجليز بمقاطعة علماء ألمانيا والنمسا. تم إقصاؤهم من المؤتمرات العلمية التي كانت تجمعهم في المناسبات العلمية العامة ولم يُصرَّح لهم بنشر أبحاثهم العلمية بالجرائد بأوروبا الغربية.

“على نحو متزايد، فقد كان لدينا اثنان من الأوساط العلمية، أحدهما الألمانية، والتي تعمل ضمن القوى المركزية المهزومة بالحرب والمتألفة في ألمانيا والنمسا، والأخرى بأوروبا الغربية، والتي في معظمها بالإنجليزية والفرنسية” كما أوضح جوردين.

تلك هي اللحظة التاريخية التي تم فيها تأسيس مؤسسات عالمية لتحكم المنظومة العلمية، مثل “الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية”. هذه المؤسسات الجديدة بدأت في العمل باللغتين الإنجليزية والفرنسية وتوقفت عن استخدام اللغة الألمانية في كتابة الأبحاث العلمية الكيميائية برغم كونها اللغة المسيطرة وقتها على ذلك الفرع من العلم.

التأثير الآخر للحرب العالمية الأولى كان عبر المحيط الأطلسي بالولايات المتحدة الأمريكية. فبدايةً من العام ١٩١٧، عندما شاركت أمريكا بالحرب، ظهرت موجة من الهيستريا ضد الألمان بطول البلاد وعرضها. يقول جوردين أن “أحيانًا ما يكون من الصعب أن نأخذ في الاعتبار أن في تلك الحقبة كانت أجزاء كبيرة من الولايات المتحدة ما زالت تتحدث الألمانية”.

في ولاية أوهايو وويسكونسين ومينسوتا كان يوجد العديد من الذين يتحدثون الألمانية. إلَّا أن الحرب العالمية الأولى قد قامت بتغيير ذلك الوضع.

“تم تجريم استخدام اللغة الألمانية بعدد ٢٣ ولاية. لم يكن مسموحًا بالتحدث بها في العلن. لم يكن من الممكن استخدامها بالراديو أو تعليمها لطفل أقل من ١٠ سنوات” كما أوضح جوردين.

في العام ١٩٢٣ ألغت المحكمة العليا تلك القوانين المناهضة للألمانية، ولكن لسنوات كانت تلك القوانين فاعلة بالبلاد. الذي فعلته تلك القوانين بشكل فعال، وفقا لجوردين، هو أنها قضت على مسألة الاهتمام بتعلم أي لغة أجنبية في الولايات المتحدة.

“بالعام ١٩١٥ كان المواطنون الأمريكان يعلمون ويتعلمون اللغات الأجنبية كما كان يفعل الأوروبيون بالضبط. ولكن بعد أن تم العمل بهذه القوانين، انخفض بشكل حاد منحنى تعلُّم اللغات الأجنبية. ظلت تلك ركلات الانعزالية مستمرة خلال العشرينات، حتى بعدما تغيرت القوانين، مما يعني أن الناس أصبحوا يعتقدون أنهم ليسوا بحاجة إلى الالتفات إلى ما يُكتب بالفرنسية أو بالألمانية.

أدى هذا إلى خروج جيل من علماء المستقبل خلال العشرينات الذي كان تعرضهم للغات الأجنبية محدودًا.

كانت تلك أيضا هي اللحظة، وفقا لجوردين، التي بدأ فيها الإنشاء العلمي الأميركي لتولي الهيمنة على العالم.

يقول جوردين: “و بهذا أصبح لديك مجموعة من الناس الذين لا يتكلمون لغات أجنبية. مجموعة تشعر بالراحة باستخدامها اللغة الإنجليزية؛ فيقرؤون بالإنجليزية ويتواصلون بالإنجليزية لأن معظم الأشياء المثيرة في رأيهم تحدث باللغة الإنجليزية. وفي نهاية المطاف تحصل بعد الحرب العالمية الثانية على مجتمع أمريكي مركزي يستند على العلم ويتحدث باللغة الإنجليزية.

“في التاريخ، يمكنك الاستدلال بأدلة مضمونة داخل المصطلحات العلمية نفسها”. فعلى سبيل المثال كلمة “أوكسجين” عبارة عن مصطلح تم ولادته بسبعينات القرن السابع عشر عن طريق وضع الكيميائيين الفرنسيين نظرية جديدة للحرق . ففي تجاربهم العلمية كانوا بحاجة إلى مصطلح جديد لعنصر يعملون على تصنيعه.

قام العلماء باختيار كلمة “الأوكسجين” والتي تعني في اللغة اليونانية “صانع” و”الحامض”. ذلك لأنه كان لديهم نظرية تقول أن الأكسجين هو المادة التي تصنع الأحماض. وبرغم كونهم مخطئين في ذلك، إلا أن كلمة “صانع الحمض” كانت هي الكلمة التي ابتكروها من اليونانية. مما يؤكد أن العلماء الفرنسيين والأوروبيين بهذه الفترة كان مستوى تعليمهم الكلاسيكي جيدًا.

واعتمدت الإنجليزية كلمة “الأكسجين” بالجملة كما هي من الفرنسية. ولكن الألمان لم يفعلوا ذلك، وبدلًا من ذلك جعلوا النسخة الخاصة بهم من الكلمة بترجمة كل جزء من الكلمة “sauerstoff” أو مادة حمض.

“لذا يمكنك أن ترى كيف أنه في بعض اللحظات التاريخية المعينة التي كان يتم فيها تشكيل بعض الكلمات كان يميل فيها الألمان، على وجه الخصوص، لاستخدام المصطلحات الفرنسية والإنجليزية وترجمتها للألمانية. أمَّا الآن، فهذا لم يعد يحدث. مصطلحات مثل الإنترنت، والترانزستور، والميكروشيب، قد تم تشكيلها بالكامل واستخدامها ككل كما هي من اللغة الإنجليزية”.

و كانت تلك هي قصة سيطرة اللغة الإنجليزية على لغة العلم لتغزو بذلك ثقافات جميع دول العالم المتقدم وغير المتقدم.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!