تحتضن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أو عاصمة أفريقيا كما تسمى أيضًا، مقر الاتحاد الأفريقي، هذا المبنى الضخم ذو التصميم الهندسي المميز، بني في عام 2012 بتكلفة 200 مليون دولار، دفعتها الصين التي تستثمر بشكل كبير في البنى التحتية في إثيوبيا.

ذلك الاستثمار الذي ساهم في أن يصبح الاقتصاد الإثيوبي من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، لكن ثمنًا باهظًا لهذا النمو يتمثل في إغراق البلاد بالدين كان في المقابل، فهل تستطيع الحكومة التخلص من قيد الديون الصينية والخلاص من النفوذ الصيني؟

إثيوبيا.. منطقة نفوذ صينية

تغيرت الأوضاع بشكل كبير في إثيوبيا، منذ تولت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية السلطة عام 1991 بعد أن أطاحت بنظام الديرغي العسكري الذي حكم البلاد منذ عام 1974. وحدد النظام الحاكم، الذي واجه مؤخرًا أسوأ الاحتجاجات منذ عقود، أهدافه، بقيادة البلاد نحو التطور الاقتصادي الشامل الذي يخرجها من طوق الاقتصاد الأقل نموًا، الذي نجم عن الحرب الأهلية والمجاعة، فقد كانت هذه الحكومة كما غيرها من الحكومات الأفريقية تريد محاكاة الصيغة التي تعتمد على التنمية السريعة منذ الثمانينات.

وقد وجد هذا البلد الأفريقي ضالته في تطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين، إذ مضت إثيويبا في علاقتها مع الصين طامحة بأن تكون مثل دول شرق آسيا؛ تايوان أو ماليزيا أو الصين نفسها، ولذلك فتحت باب الاستثمار الأجنبي المباشر على مصراعيه، من أجل تسريع تطوير قدراتها التصنيعية، وفيما كان هدف الصين من ضخ ما يقارب 15 مليار دولار سنويًا للاستثمار في الدول الأفريقية منذ عام 2015، هو تأمين مشترياتها في مجال الموارد الطبيعية، كانت هدفها في إثيوبيا التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية هو إنشاء طرق تجارية بهدف غزو الأسواق الأوروبية والأفريقية المجاورة بمنتجاتها، فإثيوبيا لها موقعها الاستراتيجي المتاخم لدولة جيبوتي، حيث تمتلك الصين قاعدة بحرية مما يتيح الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر قناة السويس.

رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ مع أبي أحمد

ولذلك قامت بكين ببناء الطرق والجسور والمطارات ومحطات الطاقة في إثيوبيا، معتمدة بشكل أساسي على الاستثمار في البنية التحتية، بهدف إحياء طرق التجارة القديمة ومن ثم ربط الأسواق وزيادة الإنتاجية وتحفيز التصنيع، فوفقًا لتقرير «معهد بروكينغز» الأمريكي، بلغ إجمالي استثمارات البنية التحتية الصينية في إثيوبيا 4.7 مليار دولار بين عامي 2009-2012.

وقد قامت الشركات الصينية ببناء أكثر من ثلثي الطرق في إثيوبيا، ويعد واحد من أهم مشاريع الصين في ثاني أكبر دولة مأهولة بالسكان في أفريقيا، هو مشروع السكة ​​الحديدية الذي يربط العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بميناء دورالي في جيبوتي، والذي تم الانتهاء منه في يناير (كانون الثاني) 2017 بكلفة 4 مليار دولار، وقامت الصين بمنح إثيوبيا 2.49 مليار دولار لبناء هذا الخط الذي يقطع وقت السفر بين أديس وميناء دوراليه من ثلاثة أيام إلى 12 ساعة فقط. كما أنه بفضل قرض صيني بقيمة 400 مليون دولار، افتتحت أديس أبابا عام 2015 سكك حديد المترو الذي استفاد منه ملايين الركاب، ناهيك عن أن إثيوبيا التي أصبحت مركزًا للاستثمار الصيني الآن هي شريك رئيسي في مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI).

وبرغم تركيز الصين على البنية التحتية إلا أنها لن تهمل الاستثمار التجاري، فمقابل استيراد إثيوبيا السلع الاستهلاكية الرخيصة من الصين، اعتبرت البلد الأفريقي مصدرًا رئيسيًا لتصدير منتجاتها بما في ذلك النفط والغذاء، كما مثل الاستثمار الصيني في البنية التحتية الإثيوبية فرصة كبيرة لصناعات الصلب والبناء الصينية، إذ ضخت بكين فائضها من الصلب إلى السوق الإثيوبية، وبالمجمل هناك أكثر من 500 شركة صينية تفوق استثماراتها الواحد ونصف مليار دولار تعمل في إثيوبيا.

هل تنجح الصين أخيرًا في إنهاء احتكار فرنسا للسوق الأفريقية؟

هل تصبح إثيوبيا «صين أفريقيا»؟

لفتت إثيوبيا ثاني أكثر تعداد سكاني في أفريقيا (حوالي 100 مليون نسمة) الأنظار بعد أن أصبح اقتصادها في مصاف الاقتصادات الأسرع نموًا بالعالم، والأسرع نموًا على مستوى القارة الأفريقية.

فقد حققت أديس أبابا أحد أعلى معدلات النمو في العالم، فاقتربت معدلات النمو من 10% سنويًا لأكثر من عقد، بعد أن كان معدل النمو فيها 3% فقط في أوائل التسعينيات، وتظهر الأرقام أن إجمالي الناتج المحلي بلغ 54.8 مليار دولار في عام 2014، بارتفاع  حوالي 30 مليار دولار في عام 2010، فنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أصبح عند مستوى 550 دولارًا، مقارنة بمتوسط ​​1700 دولار في أفريقيا، كما تحسن مؤشر التنمية البشرية في إثيوبيا بنسبة 45% على مدى السنوات الـ15 الماضية، وهي الفترة التي تضاعف فيها الدخل القومي الإجمالي للفرد.

ويقف وراء المقاييس الاقتصادية القوية لإثيوبيا، تبني الحكومة لمشاريع التنمية على الطريقة الصينية، إذ تحتفظ الشركات العامة فيها باحتكار العديد من مجالات الاقتصاد، بينما لا يمكن للمواطنين امتلاك أي ملكية خاصة، وهي الآن تسعى لأن تصبح مركزًا للاقتصاد بالمنطقة بفضل الطرق الدولية والسكك الحديدية التي تصلها مع دول الجوار.

الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الإثيوبي مع زوجاتهم

وحظيت أديس أبابا بمساندة كبيرة من الصين، بإنشائها البنية التحتية للنقل التي يمكن أن تزيد من اتصال أفريقيا مع باقي العالم، والتي ساهمت في مستوى أعلى من الاندماج في الاقتصاد العالمي، لكن برغم أن الصين لعبت دورًا هامًا بإنشاء مناطق صناعية، وتمويل مشاريع البنية التحتية إلا أن القوة التحويلية لإثيوبيا تظل محدودة. ومن هذا المنطلق تقول مديرة «مركز الدراسات الآسيوية»، الباحثة فرانسواز نيكولاس: «لا يمكن الوصول بسهولة إلى الروابط الخلفية (من خلال شراء المواد والخدمات من الاقتصاد المحلي) وكذلك الروابط الأمامية (التي تشير إلى موقف تقوم فيه الشركات الأجنبية ببيع سلع أو خدمات لشركات محلية)، إذ لا تصل المدخلات المحلية دائمًا إلى المعايير التي يتوقعها المنتجون الصينيون. كذلك لا تزال عمليات نقل المهارات التي قد تحدث ببساطة من خلال تنقل العمال محدودة حتى الآن، إذ يتركز العمال في وظائف منخفضة المهارات».

وتضيف نيكولاس: «فعلى سبيل المثال، لا يزال الأمل في تحويل إثيوبيا إلى مركز دولي لتصنيع الأحذية الخفيفة بعيد المنال حتى الآن. ولا يزال نمط الصادرات في إثيوبيا يهيمن عليه المنتجات الزراعية (القهوة والشاي والخضروات والأشجار الحية والزهور)، بينما تمثل الملابس والأحذية أقل من 1% من إجمالي صادرات البلاد».

إثيوبيا والتخلص من حبل الديون الصينية

لا يكف الأمريكيون عن التحذير من أن  النشاط التجاري الصيني في أفريقيا يهدد استقلال دول القارة السمراء، كأن يقول  وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن: «الأنشطة التجارية الصينية تهدد استقلال دول أفريقيا وتحض على تبعيتها لبكين، فخلال هذه الفترة قدموا ديونًا ملغمة وقاموا بالفساد ودخلوا في اتصالات خطيرة».

فهل التحذير الأمريكي من أهداف «العدو اللدود» في محلها؟ يعرف أن إثيوبيا هي الوجهة الأولى للقروض الصينية في أفريقيا، فبكين هي دائن رئيسي لأديس أبابا، وأحد دبلوماسيات القلق حول القروض الصينية هي وقوع دبلوماسية فخ الديون، التي تعني أن تقوم بكين بالضغط على الدول التي لا يمكنها سداد التزاماتها من أجل إبرام صفقات استغلالية.

وبرغم استبعاد ذلك كهدف للاستثمار الصيني في إثيوبيا؛ إلا أن بطء التمويل الصيني وتأخير بعض المشاريع الصينية عن إصدار حزمة التمويل الكاملة، من «بنك التصدير والاستيراد» الصيني في ميعادها المتزامن مع تزايد الشكوك حول ربحية بعض مشاريع البنية التحتية، يثير العديد من الشكوك حول الأهداف الصينية.

فحسب تقرير مجلة «الدبلوماسي (The Diplomat)» الدولية فإنه: «من المرجح أن تطلب الدول الأفريقية أكثر من مجرد أجزاء من ميزانياتها المحدودة لإكمال السداد، لكننا يمكن أن نشير أيضًا إلى ضعف أفريقيا التي تزيد بالتأكيد من اعتماد أفريقيا على الصين»، وتضيف المجلة: «لن تكون وسائل النقل العام مربحة أبدًا بالطريقة التي تمت مناقشتها، ولكن بطريقة ما يتعين على إثيوبيا أن تبدأ في سداد قروضها ببطء، فالكفاح من أجل الحصول على دخل لائق من هذه المشاريع ليس حالة منعزلة، خاصة أن الوقت يمر لسداد ديون السكك الحديدية الخفيفة في إثيوبيا، والتي لن تكون سهلة دون تحقيق ربح كافٍ».

وسعيًا للخلاص من حبل الديون الملتف حول الرقبة الإثيوبية، عمل رئيس الوزراء أبي أحمد علي من أجل النجاة من مخاطر السداد المتزايدة على حكومته والتي تصل إلى 59% من إجمالي الناتج المحلي، ففي سبتمبر (أيلول) 2018 تمكن أبي أحمد من تمديد فترة سداد قروض السكة الحديد بين أديس أبابا بميناء دورالي في جيبوتي من 10 إلى 30 عامًا، وذلك بعدما تفاقمت الأوضاع، بعد أزمة الصرف الأجنبي التي أثرت على قدرة الحكومة على الحفاظ على السكك الحديدية وسداد ديونها إلى دائني الدولة الصيني.

«الجارديان»: ما تفعله الصين في أفريقيا.. تنمية حقيقية أم استعمار جديد؟

المصادر

تحميل المزيد