«نحن على أعتاب تحقيق انتصار كبير، لا يجب أن ننتظر الإعلان الرسمي بفوز ترامب؛ بل يجب علينا انتزاع النصر».

* ستيف بانون محدثًا متظاهري الكونجرس

منذ ساعات قليلة، أعلن مايك بنس نائب رئيس الولايات المتحدة قرار الكونجرس الأمريكي باعتماد نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2020، منهيًا الجدل حول فوز جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي، وخسارة الرئيس الحالي دونالد ترامب بشكل رسمي وقاطع، بعد معركة طويلة اتهم فيها ترامب الحكومة الأمريكية والحزب الديمقراطي بتزوير الانتخابات للتخلص منه.

أشعلت اتهامات ترامب حماس التيار الشعبوي اليميني المؤيد له، وتجمهر أنصاره أمام الكونجرس الأمريكي أمس وسرعان ما تصاعدت المظاهرات لاقتحام قاعات الكونجرس، في حادثة لم تقع منذ 1814، ولكن على يد جنود بريطانيين دخلوا الكونجرس وأشعلوا النيران فيه.

لم يكن ترامب الوحيد الذي هيّج وشجّع هجوم أمس، ولكن وراءه جيش من المؤثرين والشعبويين في اليمين الأمريكي ممن شجّعوا أنصار ترامب على فعل ما حصل بالأمس.

وفي هذا التقرير نستعرض لك كيف يرى اليمين الأمريكي والشعبوي ما حصلَ بالأمس، وكيف علّق بعض رموزه على الحدث وما رؤيتهم للمستقبل القريب.

ستيف بانون.. أبو الشعبوية الأمريكية يحث المتظاهرين على مواصلة الهجوم

بين الساعة الواحدة والثانية مساء أمس بتوقيت واشنطن، هرع أعضاء الكونجرس الأمريكي المؤيدين لترامب قبل معارضيه للاختباء في أنفاق الكونجرس هربًا من بطش المتظاهرين المؤيدين لترامب الذين اقتحموا المجلس لإيقاف جلسة اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية التي هُزم فيها رئيسهم الجمهوري.

وفي تلك الأثناء، ومع اقتحامهم للكونجرس، تحدّث ستيف بانون عبر إذاعته وبرنامجه الصوتي، ليحثّ المتظاهرين على الاستمرار وعدم إيقاف الهجوم الذي يقول أنهم لطالما انتظروه، ويبشّر بانون أبناء تياره قائلًا لهم: «نحن على أعتاب النصر» الذي سينهي على الساسة الديمقراطيين والجمهوريين الذين هجروهم وخانوا عهودهم وولاءهم للشعب الأمريكي.

ستيف بانون، كبير مستشاري ترامب سابقًا، وأحد أبرز وجوه التيار الشعبوي عالميًّا وفي الولايات المتحدة، وهو من عرّابي حملة ترامب الانتخابية عام 2016 ومع قيادته لها تحسّن أداؤها بشكل سريع انتهى بفوزه بالرئاسة، يتبنّى بانون أفكاره الشعبوية منذ سنوات طويلة، وسعى للترويج لها منذ مطلع القرن الحالي وكان ترامب الشخص المناسب لحملها.

بانون يحرض متظاهري الكونجرس على الهجوم

يتحدّث بانون مع فئة أمريكية محددة وواضحة: الأمريكيون البيض من الطبقة المتوسطة، ممن يخافون على أعمالهم ووظائفهم من دخول المهاجرين واليد العاملة الأجنبية للولايات المتحدة، والنواة الصلبة لأبناء التيار الشعبوي من تيارات تؤمن بالتفوق العرقي للبيض، وخطابه الاقتصادي مبني على إغلاق أمريكا أمام المهاجرين وأمام أي اقتصادات أخرى تستغلّ السوق الأمريكي، مثل الاقتصاد الصيني.

يتحدث بانون لهذه الفئة التي تشعر أنها لا تُمثّل في واشنطن ولا في سياسات الدولة الأمريكية، ويحفّز لديها شعور «الخيانة» من الدولة، ومؤسساتها، وساستها.

وسُرعان ما أقال ترامب بانون من منصبه بعد خلافات داخلية بين بانون وجاريد كوشنر، صهر ترامب، وبسبب هجوم ستيف بانون العلني والحاد على الحكومة الأمريكية ومؤسساتها، ودعوته لتفكيكها.

دولي

منذ سنة واحدة
«نبي الشعبوية العالمية».. وجوه ستيف بانون المتعددة التي لا نعرفها

لم يكن بانون لوحده في البرنامج الإذاعي أمس، بل شاركه الجلسة مجموعة من المؤثرين في الحركة الشعبوية، وعلى رأسهم البريطاني رحيم قاسم، الذي يعرف نفسه بأنه «مسلم سابق Ex-Muslim»، وهو أحد مساعدي ترامب، وتحدّث الجالسون عن شعورهم العميق «بالخيانة» من مايك بنس، نائب ترامب، لأنه رفض الاستجابة لطلب ترامب بتعطيل المصادقة على نتائج الانتخابات.

لا يكتفي بانون ومن معه بانتقاد الديمقراطيين، بل يهاجمون وبشراسة السياسيين الجمهوريين «الفاسدين»، مثل ميتش ماكونيل، الذي كان زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ، ويصفونه بالـ«خائن» الذي «طعن الأمريكيين في ظهرهم».

وأسس بانون مع صديق له موقع «بريتبارت Breitbart» الذي سرعان ما أصبح منصةً لليمين الأمريكي الشعبوي، يُهاجم من خلالها خصومه وخصوم التيار من كلا الحزبين.

وبعد طرده من البيت الأبيض تابع بانون دعم ترامب بأنشطة مختلفة، منها برنامجه الإذاعي الذي حرّض فيه مؤيدي ترامب بالأمس على مواصلة الهجوم.

مذيعة فوكس نيوز: السياسيون الجمهوريون خانوا ترامب

قليلٌ من الشخصيات الشهيرة المؤيدة لترامب حرّضت على أعمال عنف مثلما فعل بانون، وحتى موقعه الذي أسسه وأداره سابقًا، موقع بريتبارت، بتصفّحه لا يجد القارئ أي عناوين استفزازية أو حمراء تؤيد أو تبرر ما حدث، على غير عادة المنصّة، واكتفت بنقل التطورات كيفما حصلت.

ولكن بالطبع لن يفوّت الموقع فرص اقتناص وسائل إعلام أخرى، فكتب خبرًا عن مجلة «موذر جونز» التي يصفها بريتبارت بـ«اليسارية»، وعنون الخبر كالآتي:«ديفيد كورن (كاتبٌ) من موذر جونز يعلن ترامب قائدًا إرهابيًا». ديفيد كورن، الكاتب المقصود، قال إنّ ترامب مسؤول عن «الإرهاب» الذي حصل، وأنه صارَ واحدًا من محرّكيه.

واجهة موقع بريتبارت الإخباري، أحد واجهات اليمين الأمريكي الشعبوي

ومع قرار موقع فيسبوك حظرَ حسابات ترامب على فيسبوك وإنستجرام إلى أجل غير مسمّى، نشر موقع بريتبارت الخبر وعلى رأس العنوان: «سادة الكون»، في إشارة للسلطة التي يتمتّع بها مارك زوكربرج وغيره من ملّاك مواقع وسائل التواصل الاجتماعي.

ويمكن للقارئ أن يلقي نظرةً على قسم التعليقات داخل الموقع ليتعرّف عن كثب إلى رؤية القراء اليمينيين للموقع وكيف يفهمون الأحداث السياسية الأخيرة في أمريكا، وخاصةً فوز بايدن، الذي يعتبره بعضهم وفاةً لأمريكا ونهايةً للديمقراطية فيها.

ولكن وكالة ستيفن بانون لا تمكن أن تقارن بقناة «فوكس نيوز Fox News» المعروفة تاريخيًا بتأييدها للحزب الجمهوري والتيار المحافظ، ومنذ يومه الأول في البيت الأبيض كانت فوكس نيوز هي المنبر الأساسي لمؤيدي دونالد ترامب للدفاع عنه ولمهاجمة معارضيه.

ولكن علاقة الحب بين ترامب وفوكس نيوز انتهت في اليوم الذي أعلنت فيه أن جو بايدن هو الرئيس المحتمل القادم للولايات المتحدة الأمريكية عقب إعلان نتيجة ولاية بنسلفانيا في يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، ما دفع ترامب لمهاجمة شبكة الأخبار المحافظة، وفي تغريدة على موقع تويتر قال إن تقييمات فوكس نيوز انحدرت، وأنهم قد نسيوا «البجعة الذهبية» التي ساعدتهم على النجاح، ويقصد ترامب نفسه.

وبالعودة لأحداث اقتحام الكونجرس، شجبت قنوات فوكس نيوز ما حدث ووصفته بأنه «إرهاب محلي»، غير أن بعض العاملين فيها ومذيعيها تراجعوا عن الترويج لادعاءات تزوير الإنتخابات التي أطلقها دونالد ترامب منذ إعلان فوز جو بايدن.

ولكن قبل حدوث الاقتحام بثلاث ساعات، نشرت مذيعة فوكس نيوز تومي لاهرين على صفحتها على الفيسبوك مقطعًا من برنامجها تهاجم فيه السياسيين الجمهوريين، وبخاصة أعضاء الكونجرس، لأنهم -كما صرحت- استخدموا اسم دونالد ترامب لجمع التبرعات من الناخبين ليمولوا حملاتهم الإنتخابية، ثم أداروا ظهورهم له ولناخبيه، وأنهت حديثها بأن هؤلاء السياسيين سيُهزمون في أقرب انتخابات تمهيدية قادمة، وأن الناخب الجمهوري لن ينسى خيانتهم لدونالد ترامب.

اقتحام الكونجرس.. وحلفاء ترامب مشغولون بقضايا أخرى

مع انتهاء اقتحام الكونجرس التاريخي، عاد كلٌ من أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب لمجالسهم لمواصلة جلسات اعتماد الانتخابات.

وفي بداية جلسة مجلس النواب تحدث مات جايتز، عضو المجلس الجمهوري، المعروف بخطابه اليمني الشعبوي، وقال ساخرًا: «أنا بالتأكيد سعيد اليوم لأني لأول مرة لم أسمع زملائي الديمقراطيين يطالبون بوقف تمويل الشرطة».

جايتز من داعمي ادعاءات ترامب عن تزيور الانتخابات منذ اليوم الأول، واعتبر ما فعله ترامب في المكالمة المزورة التي سربت قبل أيام بأنه «صادق ومباشر»، وكشفت المكالمة عن ضغط ترامب بشكل مباشر على سكرتير ولاية جورجيا ليساعده في استحداث أدلة تثبت ادعاءاته بتزوير الانتخابات.

أما السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي قاد جهود الاعتراض على نتيجة الانتخابات وقال إنها مزورة، وقبل الهجوم على الكونجرس بدقائق كان يتحدث عن أنه و70 مليون أمريكي يعتقدون أن النتائج مزوّرة، ولكنه سحبَ طلبه بعد الاقتحام وانعقاد جلسات الكونجرس مجددًا.

وتعرض كروز الذي نافس ترامب في انتخابات 2016 لنقد شديد، حتى أن صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية هاجمت كروز وقالت إنه سيعيش في «العار» للأبد بسبب خطابه، لأنه ساهم بشكل أساسي في إشعال حماسة مؤيدي ترامب الذين هاجموا مبنى الكونجرس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد