على بُعد 5733 كيلو متر من ملعب كازان أرينا الذي أقيمت عليه مباراة البرازيل وبلجيكا في دور 8 لكأس العالم، وقبل 19 عامًا دخل طفلٌ صغير لم يتعد ستة أعوام  في مدينة أنتورب البلجيكية على أمه بعد عودته من المدرسة بشكل مفاجئ ليجدها أمام الثلاجة تُمسك بزجاجة حليب وتضيف إليها بعض الماء كي تزيد من حجمه، لم تكن ظروفهم المادية تسمح بشراء زجاجة جديدة، ابتسمت الأم وحاولت إخفاء الزجاجة.

ابتلع الصبي الموقف بداخله ولم يحدث به أحدًا أبدًا، بعد ذلك كبر هذا الصبي ليصبح واحدًا من أبرز مهاجمي العالم ويقود بلاده لنصف نهائي كأس العالم أعرق بطولات كرة القدم بعد تخطي راقصي السامبا في مباراة مثيرة فعل فيها كل شيء، ركض ومرر وراوغ وصنع، ليسطر اسمه وسط جيل تاريخيّ لمنتخب بلاده كان على بُعد مباراة من نهائي كأس العالم، هذا اللاعب هو روميلو لوكاكو بولينجولي.

لأن كرة القدم أكثر من مجرد لعبة

في عام 1991 كان الطفل الكرواتي لوكا ذو الستة أعوام يهجر قريته «زادار» الواقعة على البحر الأدرياتيكي متجهًا نحو معسكر للاجئين نظرًا للحرب المشتعلة في القرية بين الجيش الشعبي اليوغسلافي  المدعوم من الصرب من جهة وقوات استقلال كرواتيا من جهة أخرى فيما عُرف بعد ذلك بحرب الاستقلال الكرواتية.

قُتل جد لوكا، وكان أبوه جنديًا في الحرب، هجر مع إخوته منزله الذي احترق تمامًا من ويلات الحرب ومشى بخطى سريعة ومرتعدة إلى الفندق الذي استقرت فيه عائلته كلاجئين، لم يكن الفندق ملجأً آمنًا على الإطلاق، إذ كانت هناك عشرات القنابل التي تسقط حوله والتي يُسمع دويها كل يوم.

في هذا الوقت كان لوكا يلعب كرة القدم في بهو الفندق كنوع من الهروب من الواقع، كانت الساحرة المستديرة وسيلته الوحيدة للنجاة من الذكريات السيئة التي لم تزل تتشكل داخل عقله الصغير، كانت مهاراته بادية منذ الصغر، وبعد سبعة أعوام من العيش في الفندق وسط الحرب والقنابل، انتقل مع عائلته إلى فندق آخر وبدأت حياته تستقر بشكل كبير، لكن الظروف التي مر بها هي ما شكلت شخصيته الحالية، على حد قوله عن نفسه.

بمرور الأيام التحق لوكا بأكاديمية للتدريب على كرة القدم ومنها التحق بنادي دينامو زغرب أحد أشهر أندية كراوتيا، فيما بعد سينتقل  «فتى الحرب» كما يُطلق عليه إلى توتنهام الإنجليزي ومن ثم إلى النادي الملكي ليصبح هناك أحد أفضل لاعبي خط الوسط على مستوى العالم، وسيقود منتخب بلاده إلى نهائي كأس العالم للمرة الأولى في التاريخ.

لوكا مودريتش صغيرًا_ goal.com

يتساءل كثيرون عن سرّ الشهرة الكبيرة التي حققتها كرة القدم بالرغم من تواجد مئات الألعاب الأخرى الجماعية منها والفردية، لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بشكل دقيق، البعض يُرجع ذلك إلى الإثارة والندية والبعض يُرجعه إلى تواجد كل الاحتمالات الممكنة فيها، لا تعترف المستديرة بالاسم أو التاريخ أو القيمة المادية، إذ يمكن لـ11 لاعبًا هزيمة 11 لاعبًا آخر بغض النظر عن القيمة المادية والتاريخية للفائز والخاسر.

لكن جزءًا من شُعبية كرة القدم هو كونها تمثل طموحًا يُخلق داخل نفوس الأطفال منذ الصغر، تصحبهم أحلامهم إلى كبرى ملاعب العالم يتخيلون أنفسهم فيها، كما كان لوكاكو يتخيل نفسه يلعب كأس العالم وهو الذي لم تتح له فرصة مشاهدته عام 2002 نظرًا لأن ظروفهم المادية كانت تمنعهم من شراء التلفاز.

عُدت إلى المنزل ذات يوم فوجدت أنه لم يكن لدينا مال ولا كهرباء، لمدة أسبوعين أو ثلاثة، أردت أن أستحم، لم يكن لدينا ماء ساخن، كانت أمي تقوم بتسخين الماء على الموقد ومن ثمّ تسكبه على رأسي، كنت أعلم أننا نعاني، لكن حين رأيتها تمزج اللبن بالماء أدركت أن كل شيء قد انتهى، أتدري ما أعنيه؟ كانت هذه حياتنا* لوكاكو عن طفولته

كان زملاؤه يحدثونه عن أهداف رونالدو الظاهرة وتصديات أوليفر فكان يتخيلها، ويتخيل نفسه يلعب ذات يوم في نفس البطولة، لكن عودته إلى بيته سرعان ما تشهد غمامة يأس تُظلل أحلامه إذ أن بيتهم الفقير كان محرومًا من الكهرباء وكانت أمه تشتري رغيف الخبز يوم الإثنين وتدفع ثمنه يوم الجمعة.
أصرّ لوكاكو على المُضيّ قدُمًا في مشواره، كانت كرة القدم كل ما تبقى له من أمل وسط هذا الفقر المدقع الذي عاش فيه، أخذ يتمرن كل يوم، ويطرق أكثر من نادي كي يقبله، إلى أن وُفق في الالتحاق بنادي روبل بوم البلجيكيّ ومن ثمّ طرّق أبواب النجومية من فريق لآخر وسط تسجيله للكثير من الأهداف ليصبح الآن لاعبًا في نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي براتب يُقدر بـ200 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع الواحد.

الجانب الخفيّ للمليونيرات «الفقراء»

هؤلاء النجوم الذين تراهم خلف الشاشات وتنبهر بمهاراتهم وإبداعاتهم، وهذا اللاعب الذي تتمنى أن تأخذ صورة معه كتذكار، وذلك الأسطورة الذي يملك ثروة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، وذاك الحارس الذي تشهق مع كل تصدٍ بارع يقوم به، غالبية هؤلاء في حقيقة الأمر لم تكن هذه بدايتهم.

كانت والدة كريستيانو على وشك إجهاضه نظرًا لخوفها من تكلفة الحياة عليها، لكن الطبيب أقنعها بالإبقاء عليه، وُلد وسط فقر مدقع، كان يتشارك غرفة واحدة مع شقيقتيه وشقيقه وأمه، كان ينظر لسقف الغرفة قبل النوم ويتخيل نفسه نجمًا كبيرًا على أغلفة المجلات، التحق بعمر الثامنة بنادي أندروينها للهواة،  طُرد من المدرسة بعمر 14، بعدما تعدى على مدرس أهانه.

فكر في الذهاب إلى عمل كي يساعد والدته وأسرته في تحمل أعباء المعيشة، لكن كرة القدم كانت تداعب خياله دائمًا، أقنعته أمه بالتركيز على كرة القدم فقط، في تلك اللحظات وُلدت داخل عقله فكرة مجنونة، كان يريد أن يصبح أفضل لاعب في العالم، وسط هذا الفقر وهذه المعاناة لم يكن كريستيانو الطفل يملك سوى الطموح والتدريب، التحق بنادي  ناسيونال ماديرا المحلي ومن ثمّ بأكاديمية سبورتينج لشبونة ومن هناك التقطته أيد كانت تصنع من التراب ذهبًا، السير أليكس فيرغسون أسطورة التدريب لنادي مانشستر يونايتد.

لم يكن إيمان رونالدو بنفسه بأقل من إيمان السير به، أخذه السير إلى مانشستر يونايتد، وفي عام 2008 رد رونالدو الجميل للسير بالمساهمة في تتويج مانشستر يونايتد بدوري أبطال أوروبا وبعدها تُوج بجازة أفضل لاعب في العالم، تلك الجائزة التي لطالما حلم بها منذ الصغر.
لم يتوقف طموح رونالدو عند ذلك، التحق بريال مدريد وتُوج معه بأربع بطولات لدوري الأبطال وبأربع كرات ذهبية أخرى، وأصبح الهداف التاريخيّ للنادي، كما تُوج مع منتخب بلاده بلقب كأس الأمم الأوروبية للمرة الأولى في التاريخ.
رحل رونالدو عن الريال إلى يوفنتوس، لكن إرثه الكبير داخل النادي سيظل لوقت طويل شاهدًا على طموحه وإرادته.

في أيام فقره وصباه كانت كرة القدم هي الملجأ الوحيد لرونالدو من هذا العالم المحيط به، كما كانت الملجأ الوحيد لرونالدو  آخر.. وهو رونالدو لويس نازاريو دا ليما حين كان طريح الفراش بعد إصابته بالقطع الثاني في الرباط الصليبيّ.

الحياة من منظور كرة القدم

في مقال له بعنوان «هل تجعل كرة القدم من العالم مكانًا أفضل؟» يوضح الكاتب جيم مورفي كيف أن كرة القدم تسيطر على أدمغة الصغار والكبار حتى لتكاد تُوحد بين الناس في الحروب.

يُبرز الكاتب في مقالته قصة فريق «كل نجوم ليبيريا» الذي تكون في تسعينيات القرن الماضي من مجموعة من الأطفال الذين عانوا ويلات الحرب الأهلية الليبيرية وتم اختطافهم وتجنيدهم من قِبل الأطراف المتنازعة ومروا بطفولة مرعبة، لكن بعد انتهاء الحرب لم يجد هؤلاء الأطفال سلوى لآلامهم سوى كرة القدم فقاموا بتشكيل فريق موحد من كل ضحايا الحرب والاختطاف والتعذيب وأسموه فريق «كل نجوم ليبيريا» واستطاعوا بكرة قدم واحدة أن يوحدوا أطياف الشعب خلفهم حتى سمع العالم بهم وأتيحت لهم فرصة السفر لبريطانيا وهناك التقوا بالسير بوبي روبسون وأسطورة كرة القدم الفرنسية تيري هنري.

ما الذي جعل هؤلاء الأطفال يختارون كرة القدم لتطييب جروحهم؟ هذا لأن الكرة -من منظور الكاتب- تُوحد الجميع، لا تتطلب لغة خاصة لفهمها، ولا مؤهلًا خاصًا لمداعبتها، فقط تحتاج قدمًا وجلدًا مدورًا، ومن ثمّ اترك لها كل شيء وستكافئك إن أخلصت وتدربت وتفانيت.

مصدر الصورة: boston.com

في كرة القدم ستجد أطياف الحياة كآفة، ستجد الناجحين الذين بدأوا من لا شيء، كما لوكاكو وكريستيانو، وستجد من لم يحترم موهبته فلم تحترمه الكرة، مثل اللاعب البرازيلي أدريانو، وستجد شمعة تحترق لأجل الآخرين كما أطلق المعلق فهد العتيبي على لوكا مودريتش.

ستجد حبًا من نوع فريد من أم لوكاكو لولدها، حتى لكانت تُخفي عنه زجاجة الحليب المزودة بالماء وتبتسم له كي لا تُشعره بالحاجة، وهو نفس الحب الذي كانت تُكنه أم رونالدو لولدها حين وثقت به ورفضت فكرة عمله رغم حاجتهم الشديدة له، ونصحته  باتباع شغفه الدائم.

ستجد حبًا من نوع آخر بين الكرة والجماهير التي تقترض آلاف الدولارات في الأرجنتين والأوروجواي من البنوك للسير خلف منتخباتها، وحبًا من نوع ثالث بين اللاعب والكرة الدائرية، وهو الحب الذي دفع لوكا مودريتش ذو 33 عامًا لقطع مسافات قدرها 63 كيلو مترًا كأكثر لاعب قام بالركض في المونديال، ودفع بيليه قبل أكثر من 70 عامًا للعب بكرة مصنوعة من الجوارب المحشوة بالقماش في شوارع مدينة بورو لعدم تمكنه من شراء كرة حقيقية.

وبين الحب والفقر والتفاني والحرمان ستستمر الساحرة المستديرة في الدوران، وستستمر أهازيج المشجعين في المدرجات، لن ينسى الناس بكاء لاعب أوروجواي خيمينيز في الدقيقة 88 لخسارته في مباراته أمام فرنسا في المونديال الحالي، ولن ينسى أحد مشهد زيدان عند اعتزاله، أو الظاهرة وهو يرفع كأس العالم، وسيخلد التاريخ مارادونا وهو يداعب العالم بيسراه، وبيليه وهو يمنح شعبه الإلهام بيمناه، لا يمكن أن تكون مجرد لعبة، ولا يعقل أن تكون أداة ترفيه فحسب، بل هي لكثير من الناس نبض الحياة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!