تصنع الاحتجاجات الشعبية التي تعيشها الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، الحدث في الصحافة الفرنسيّة؛ إذ تناقلت وسائل الإعلام الفرنسيّة أخبار المظاهرات التي خرجت في عدّة مناطق بالجزائر ضد ترشّح الرئيس المنتهية ولايته، عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة رئاسيّة خامسة. وتباينت ردود أفعال الصحافة الفرنسيّة حول الأوضاع في الجزائر، بين من يبشّر بهذه الموجة الشبابيّة التي تدعو إلى الديمقراطية، ويرى أنّه ينبغي لفرنسا دعمها، وبين متخوّف من عواقب أيّة انحرافات لهذه الاحتجاجات، واندلاع أعمال عُنف قد تؤثّر سلبًا في المصالح الفرنسيّة.

Embed from Getty Images

فيما تحاول الصحافة الفرنسيّة الوصول إلى أيّة معلومات ممكنة عن صحّة الرئيس بوتفليقة الذي يعالج حاليًّا في أحد مستشفيات سويسرا، وكان أحد الصحافيين الفرنسيين من برنامج «لو كوتيديان» لقناة «TMC» التفزيونيّة، قد استطاع دخول المستشفى الذي يرقد فيه الرئيس المنتهية ولايته، عبد العزيز بوتفليقة، والوصول إلى الطابق الثامن الذي توجد به غُرفته، كما التقى الصحافيّ بشقيق الرئيس ناصر بوتفليقة، الذي رفض التصريح للصحافة. ورُغم إيداع ملفّ ترشّحه للمجلس الدستوري، يتواجد الرئيس بوتفليقة في رحلة علاجيّة في جنيف السويسريّة منذ 11 يومًا كاملة، من أجل «فحوصات دوريّة» كما كان قد أشار بيان للرئاسة.

الإعلام الفرنسيّ من جانبه قد دخل على خطّ الاحتجاجات التي يشهدها الشارع الجزائري ضد ترشّح الرئيس بوتفليقة لعُهدة خامسة؛ إذ نشر الموقع الإخباري الفرنسي «لونوفال أبوسيرفاتور» في 26 فبراير الماضي تقريرًا –ترجمه موقع «ساسة بوست»- تضمّن وثائق سريّة من الأرشيف الفرنسي للمخابرات، متعلّقة بالرئيس بوتفليقة. إذ صوّرته على أنّه «رجل مؤامرات»، وأشارت إلى أنّ له يدًا في انقلاب الرئيس السابق بومدين على الرئيس الأسبق بن بلّة، كما أنّه متورّط في اغتيال المناضل الجزائري كريم بلقاسم، بالإضافة إلى عدّة تفاصيل استخابراتيّة أخرى من تاريخ بوتفليقة السياسيّ.

وقد قرأ البعض هذه التسريبات في هذا التوقيت الذي يشهد فيه الشارع الجزائري احتجاجات واسعة، في كلّ محافظاته ضد ترشّح الرئيس بوتفليقة المريض لعهدة خامسة؛ باعتبارها تخلّيًا فرنسيًّا عن الرئيس الجزائري، وانحيازًا باتجاه المحتجّين، خصوصًا في ظلّ المطالبات برحيله وتخلّيه عن السلطة بسبب حالته المرضيّة.

شبح السيناريو التونسي يؤرّق الفرنسيين

يذكّر هذا الموقف الفرنسي من الاحتجاجات الاستثنائيّة التي يشهدها الشارع الجزائري ضد العهدة الخامسة، بموقف وزيرة الخارجيّة الفرنسية سنة 2011 من الانتفاضة التونسيّة، التي أدّت إلى رحيل نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إذ صرّحت الوزيرة الفرنسيّة آنذاك، بأنّ بلادها مستعدّة لدعم حكومة بن علي بالأدوات اللازمة لإنهاء الاحتجاجات، وهو الأمر الذي اعتبره الكثيرون انحيازًا من الفرنسيين لنظام بن علي، ومشاركة له في قمع الاحتجاجات بالعُنف؛ مما دفع بالوزيرة إلى تقديم استقالتها على خلفيّة تلك التصريحات، وبالتالي يمكن القول إنّ الفرنسيين -من خلال تسريبهم لوثائق تطعن في صورة الرئيس- يحاولون هذه المرّة تجنّب الغلطة التي ارتكبوها في الملف التونسي.

Embed from Getty Images

وبالرغم من أنّ هذا التسريب يحمل بصمات السلطات الفرنسيّة؛ إذ إنّ مثل هذه الوثائق لا يمكن للصحافة أن تحصل عليها إلى من طرف جهات عالية النفوذ داخل الدولة الفرنسيّة، إلا أن الموقف الرسمي الفرنسيّ بقي محايدًا إلى حدّ كبير في ما يتعلّق بالاحتجاجات والانتخابات الجارية حاليًّا في الجزائر؛ إذ قال المتحدّث باسم الحكومة الفرنسيّة تعليقًا على الانتخابات الرئاسيّة الجزائريّة: «تابعنا قرار بوتفليقة الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة يوم 18 أبريل (نيسان). نريد إجراء هذه الانتخابات في أفضل ظروف ممكنة وبشفافية كاملة في الحملات الانتخابية».

ويمكن لمتابع الإعلام الفرنسيّ أن يلمس وجود تذبذب للمواقف من الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر ضد العهدة الخامسة، خصوصًا بالنسبة للصحافة والبرامج التلفزيونيّة الفرنسيّة؛ إذ إنّ هناك تأييدًا لمطالب الحريّة والديمقراطيّة من طرف بعض الأصوات، كما أن هنالك أطرافًا تدعو إلى الحذر من انجرار البلاد إلى العنف، أو الفوضى، وتذكّر بتجربة سنوات التسعينات والعشرية السوداء، وهو ما قد يؤدّي إلى موجات هجرة كبيرة إلى أوروبا وفرنسا بالتحديد، ما سيشكّل عاملًا سلبيًّا على الأوضاع السياسية والاقتصادية فيها، خصوصًا أنّ فرنسا تبقى الوجهة الأولى للمهاجرين الجزائريين.

مترجم: وثائق فرنسية: بوتفليقة وراء اغتيال كريم بلقاسم وحاول الانقلاب على بن بلة

المصالح أولًا.. خوف فرنسي من حملات هجرة جماعيّة

وركزت وسائل الإعلام الفرنسيّة على انعكاسات الاحتجاجات في الجزائر على الداخل الفرنسي، بحُكم العلاقات التاريخيّة بين البلدين -في إشارة إلى الفترة الاستعماريّة-، بالإضافة إلى الجالية الجزائرية الكبيرة التي تعيش في فرنسا، ولم تخلُ بعض التحليلات الفرنسيّة تجاه هذه الموجة الاحتجاجيّة من السطحية وقولبة دوافعها ومحرّكاتها، كتلك الأصوات التي ربطت بين خروج الاحتجاجات الحاشدة في يوم الجمعة، واعتبرت أنّها «خرجت من المساجد» في إشارة إلى أن الإسلاميين هم المسؤولون عن تحريك الشارع.

وقد أثارت تغطية «وكالة الأنباء الفرنسيّة» الرسميّة للاحتجاجات التي جرت في 22 فبراير الماضي استياء الكثير من المتابعين، إذ رأوا أنّها قلّلت عمدًا من عدد المشاركين في هذه الاحتجاجات بحديثها عن مئات المحتجّين في العاصمة، كما أنّها ركّزت في صورها التعبيريّة على صورة شخص يقوم بركل أحد رجال الشرطة؛ممّا قد يوحي بأن الاحتجاجات اتّسمت بالعنف، وهو ما تنفيه الكثير من الشواهد.

ويبقى التخوّف الأكبر بالنسبة للفرنسيين والإعلام الفرنسي، هو حدوث فوضى كبيرة قد تؤثّر في المصالح الاقتصاديّة لهم، بالإضافة إلى احتماليّة انطلاق موجة من الهجرة غير الشرعية، من جنوب المتوسّط إلى شماله عن طريق الجزائر، وهو ما قد يؤثّر في استقرار النظام السياسي الأوروبي، إذ يبقى ملفّ الهجرة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في السياسة الأوروبية. خصوصًا مع ارتفاع أصوات اليمين المتطرّف المعادية للمسلمين وللمهاجرين بشكل عام، بعد الموجة التي عرفتها أوروبا في السنوات الأخيرة عبر كل من تونس وليبيا، بسبب الأوضاع غير المستقرّة التي شهدها البَلَدان إثر انتفاضتين أطاحتا بظام الحُكم بهما.

وأكّد الإعلام الفرنسيّ الاهتمام البالغ الذي توليه الإدارة الفرنسيّة للأوضاع في الجزائر؛ إذ أشارت صحيفة «l’Obs» إلى أن احتجاجات الشباب الجزائري جعلت «القضيّة الجزائريّة» الأولويّة الكبرى في قصر الإيليزيه، وذلك بسبب ما قد يحمله أي انحراف أو عنف من انعكاسات على المصالح الفرنسيّة، كما أشارت جريدة «لو باريزيان».

Embed from Getty Images

ويرى المؤرخ الفرنسي المتخصص في التاريخ الجزائري، بنجامين ستورا، أن الرئيس الفرنسي ماكرون مُحاصر في «معادلة مستحيلة» بين مطالب ديمقراطية من طرف الشباب الجزائري، وبين «مسألة الإرهاب» والحرب التي تخوضها فرنسا في مالي. وأضافت «ليبيراسيون» أنّ أيّة أزمة في الجزائر قد تؤثّر في الداخل الفرنسي في مجال الطاقة، خصوصًا وأن فرنسا تستورد 10% من غازها من الجزائر.

وأثارت تغطية بعض الأجهزة الاعلامية الفرنسيّة الناطقة بالعربيّة استياء بعض المتابعين أيضًا؛ إذ أشار أحد العناوين عن الحراك في الشارع الجزائري في موقع إذاعة «مونت كارلو الدولية» إلى «إصابة 183 شخصًا في الاحتجاجات بالجزائر»، رغم الطابع السلمي والهادئ الذي عرفته الاحتجاجات في شكلها العام؛ مما قد يشير إلى نظرة فرنسيّة متشكّكة من هذا الحراك الاحتجاجي، واحتماليّة انجراره إلى العنف، وانعكاس ذلك سلبًا على المصالح الفرنسيّة.

ليست العهدة الخامسة فقط.. أسباب اقتصادية تدفع الجزائريين للاستمرار بالاحتجاجات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد