تناولت ساسة بوست في التقرير السابق قصة أحد مرتزقة الحرب، قائد الميليشيات المسلحة الفرنسي بوب دينارد، لقراءة التقرير السابق من هنا

في هذا التقرير نتناول قصة رجل عصابات آخر، لكنه تورَّط في عمليات قتل تعدت بكثير – من حيث الأرقام – بوب دينارد. وقبل الدخول في تفاصيل ميليشيا جيش الرب وقائدها جوزيف كوني، نتناول بعض التفاصيل السابقة لتأسيس الميليشيا.

يوري موسيفيني: أحد أركان الحرب الأهلية الرواندية

وصل الرئيس الحالي لأوغندا إلى الحكم عبر سلسلة من العمليات العسكرية كان آخرها الانقلاب على الرئيس السابق تيتو أوكيلو لوتوا والوصول للحكم عام 1986، وبوصول موسيفيني – المتورط أيضًا فيما يمكن تسميته بجرائم حرب – تمّ تنحية عرق الأشولي الذي كان ينتمي إليه الرئيس السابق من السلطة ومن أية مناصب عسكرية، ومن هنا بدأت فكرة ميليشيا جيش الرب.

وصل الرئيس موسيفيني نفسه للحكم عبر مجموعات مسلحة كان يطلق عليها “جيش المقاومة الوطني” وكان عدد مقاتليه يقارب العشرة آلاف

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“الرئيس الأوغندي موسيفيني”

الرئيس موسيفيني كان أحد أطراف الحرب الأهلية الرواندية التي راح ضحيتها حوالي مليون قتيل رواندي. لكنّ الرئيس موسيفيني كان في جبهة التوتسي، ولم يكن في جانب الهوتو المتورطة في المجازر الأشهر. موسيفيني دعم المقاومة التوتسية المضطهدة وقدم لهم المأوى والدعم العسكري.

جوزيف كوني وحركة جيش الربّ: الملايين من الضحايا

بدأ الأمر كالتالي، عرق الأشولي مضطهد من قبل الرئيس موسيفيني، ادعت امرأة تدعى أليس لاكوينا (لاكوينا تعني المتنبئة) أنّ الروح المقدسة خاطبتها وأمرتها بالإطاحة بالحكومة الأوغندية التي تمارس الظلم على عرق الأشولي. اعتبرت أليس نبيَّة عرق الأشولي، واجتذبت أليس زخمًا شعبيًا كبيرًا خصوصًا أن موسيفيني ديكتاتور.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“جوزيف كوني”

نفيت لاكوينا من البلاد وهنا وجد جوزيف كوني الطريق مفتوحًا أمامه لتحقيق حلم ربما راودهُ ذات مرة وهو طفلٌ ينتمي لحركة الروح المقدسة تحت إمرة لاكوينا، بدأَ في تجنيد الرجال، ادعى أنه ابن أخيها، ثمّ تطوَّر الأمر معه لخطف الأطفال وتجنيدهم بشكل قسري. كان هذا في العام 1987 وبدأ في إطلاق التسمية الجديدة على الحركة المسلحة المُدَمِّرة: حركة جيش الربّ!

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“من قوات جيش الرب”

تعتقد أليس لاكوينا أنّ الروح المقدسة قد خاطبتها، كذلك يعتقد جوزيف كوني، إلام يسعى كوني بالتحديد؟ إسقاط الحكومة الحالية، وإنشاء دولة ثيوقراطية جديدة، هو رئيسها بالطبع، تقوم على تفسيرات الإنجيل والوصايا العشر. حسب تقارير يعتقد أتباع كوني أنّ كوني نبيهم، البعض يؤكد أنهم يطلقون عليه صفات ألوهية، لكن ما هو معروف أن كوني يخبر الأطفال حين يجندهم أن الرصاص لن يخترقهم وذلك بطبيعة الحال ببركة الروح القدس!

بدأت الحكومة الأوغندية، بقيادة موسيفيني قائد الميليشيا – السابق – التي قادته إلى السلطة، واستمرت الحرب منذ 1987 وحتى هذه اللحظة. في التسعينيات كانت حصيلة الحرب بينهما مئات الآلاف من القتلى، نزوح أكثر من مليوني إنسان وتدمير الأراضي الزراعية في شمال أوغندا، والتي تمثل القاعدة الاقتصادية الرئيسية التي يعيش عليها سكان الشمال.

وصف الكاتب جان إيغلاند الحرب بين الحكومة وميليشيا جيش الرب بأنها: أكبر أزمة إنسانية في العالم عانت الإهمال والنسيان.

لا يتورع كوني – المتحدث باسم الربّ دائمًا! – عن أن يقوم بعمليات التعذيب والقتل بشكل علني، قتْل الأطفال، أسْر العزل وقتْلهم، اغتصاب النساء، العودة للعبودية عند كوني اتخذت شكلًا جديدًا فيما يسمى عنده بـ “أسرى الجنس”. يشكل الأطفال نسبة 80% من أعضاء ميليشيا جيش الربّ، حسب تقديرات اليونيسيف يقدر عددهم بأربعين ألف طفل جندي، سنهم في الأغلب ما بين 11 و15 عامًا. خلال العام 1998 فقط تم خطف 6000 طفل ليجندوا في ميليشيا جيش الرب.

طفل مجند في ميليشيا جيش الرب

سببت الحرب بين الحكومة وميليشيا جيش الربّ، مليوني نازح، من بينهم مليون وسبعمائة يعيشون في مخيمات اللاجئين، حسب بعض منظمات الإغاثة، يموت أسبوعيًا 146 أوغنديًا جراء أعمال العنف.

جيش الرب توسع عملياتها

وسعت الميليشيا حركاتها، بداية من جمهورية الكونغو المجاورة ثمَّ أفريقيا الوسطى والسودان، إذ يبدو أنّ الحركة تحتاج دومًا إلى مكان تقيم فيه، أحيانًا تكون في السودان وأحيانًا أخرى في الكونغو وهكذا. كما شملت عملياتها أيضًا أهدافًا هامة في الكونغو والسودان. حسب بعض تقارير الأمم المتحدة: وقع نحو 148 هجومًا خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2011، وقد نتج عن هذه الهجمات مقتل 93 شخصًا وخطف 261 طفلا. وفي الكونغو سجل عدد كبير من حالات القتل والاختطاف، واضطر في 2011 أكثر من 11 ألف كونغولي إلى النزوح الداخلي بسبب الهجمات المتكررة من جيش الرب. دول عديدة في أفريقيا تضررت من جيش الرب.

وخلال الربع الأول من عام 2014 شن جيش الرب 65 هجومًا في جمهوريتي أفريقيا الوسطى والكونغو، وخطف خلالها 93 شخصًا، وقتل اثنين.

النقطة الشائكة: التمويل!

تأخر رد الفعل العالمي تجاه ما يحدث في منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا، على غير العادة، فلم يحدث أي رد فعل سوى عام 2001 حين أعلنت الولايات المتحدة أنّ جيش الرب منظمة إرهابية، كان هذا بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من القتال! وفي العام 2005 أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن مذكرة لاعتقال جوزيف كوني. كان رد كوني أنه لن تثبت عليه أية اتهامات كونه كان طفلًا مجندًا من قبل جنود حركة الروح القدس.

بدأت بعض الدول الغربية في تدشين بعض قواتها لمحاربة جيش الرب. فريق عمل مكون من 5 آلاف فرد تابع للأمم المتحدة يسانده مائة من القوات الخاصة الأمريكية يحاولون الإمساك بكوني.

العديد من التقارير والتحليلات تعتبر الحرب بين جيش الرب والحكومة الأوغندية حربًا بالوكالة. من ناحية تدعم أوغندا بشكل مباشر دعمًا سياسيًا وعسكريًا الحركة الشعبية لتحرير السودان – والتي انقسم بسببها السودان – بينما تقوم السودان بدعم جيش الرب بشكل مباشر، كما تلقت حكومة أوغندا وكذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان الدعم المالي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحجة الحرب على الإرهاب. تقارير أخرى تتحدث عن حرب بين الولايات المتحدة وفرنسا، لكن حتى الآن ليست هناك أدلة دامغة على مثل هذا التحليل.

على صعيدٍ آخر يبدو لبعض المحللين أن النزاع المسلح بين الحكومة الأوغندية وحركة جيش الرب تدر دخلًا جيدًا على بعض الجهات المستفيدة، وإلا ما الذي يجعل نزاعًا عسكريًا منذ العام 1986 وحتى الآن لا يحل رغم جلوس الأطراف إلى مائدة المفاوضات أكثر من مرة؟

البعض يؤكد أن النزاع العسكري يدرّ دخلًا ممتازًا لبعض كبار جنرالات الجيش والمسؤولين الحكوميين، كما أن الممولين للنزاع يجنون أرباحًا خيالية – لا تتوفر معلومات إحصائية عنها – من استمرار النزاع حتى اليوم. اتهامات أخرى توجه إلى قوات الدفاع الشعبي الأوغندية باستخدام النزاع مع جيش الرب ذريعة للانخراط في عمليات غير مشروعة لاستغلال موارد الثروة في أوغندا.

هل هناك أفق للسلام؟

كانت أولى محاولات السلام في السودان عام 2006 لكنها لم تثمر شيئًا، في روما 1997 عقدت محادثات لفترة وجيزة جدًا بين الحكومة ورجال أعمال يعتقد أنهم يمثلون الجناح السياسي لجيش الرب، لكنها فشلت لأن المفاوض الحكومي الرئيسي تم قتله. بعض التقارير تتحدث أن كوني قتله بعد اللقاء الأول الذي جمعهما لأجل مناقشة بنود “السلام”.

بانتهاء هذا التقرير، تكون ساسة بوست قد أطلعت القارئ على تجربتين لرجال عصابات تحكموا في مصائر البشر، مصائر الملايين من البشر، إما بقتلهم أو بزعزعة دولهم. ولا تزال أفريقيا مليئة بالعجائب!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد