هل سمعت عن رجال الحرب المرتزقة؟ يقودون حروب العصابات أحيانًا لمصالحهم باعتبارهم مرتزقة يحتاجون للمال، وأحيانًا أخرى بالوكالة عن حكومات دول كبرى، و”ديموقراطية”. لكنَّك ستتعجب بالطبع حين تعلم أنَّ روبرت بوب دينارد صنعته المخابرات الفرنسية مرتزقًا ليقوم بمهام عسكرية لبلاده فرنسا، عمليات تضمنت القيام بانقلابات، قتل رؤساء، تدريب متمردين، محاولات متعددة لإسقاط أنظمة غير موالية لفرنسا.

قاد دينارد انقلابات وعمليات عسكرية في عدة دول: جزر القمر وبنين والكونغو الديموقراطية وأنجولا ونيجيريا وشارك في عمليات عديدة في عشرين دولة تقريبًا.

خدم دينارد في الجيش الفرنسي، وفي بداية الستينيات بدأ عمله كمرتزق حرب. كان الأمر كالتالي، فرنسا وبلجيكا بدأتا في الخروج من مستعمراتهما في أفريقيا لكن لم تتركاها لحالها. يجب أن تتدخل وأن تترك موالين لها في السلطة، كان دينارد هو اليد العسكرية القوية لفرنسا في مستعمراتها السابقة. يقوم بالمهام المستحيلة، وحين يظهر أحد الوطنيين ويخالف آراء فرنسا تكون نهايته على يد دينارد.

دينارد في شبابه

المعروف عن دينارد أنّ المخابرات الفرنسية كانت على اتصال دائم معه، بل إنه كان يتحرك بناءً على طلباتهم. وقد عبَّر دينارد أكثر من مرة عن أنه رجل الدولة الفرنسية، وأنه يخدم بلاده. بل إنه شبَّه نفسه بالمناضل الشيوعي تشي جيفارا معتبرًا نفسه منافسه في المعسكر الغربي المعادي للشيوعية. حسب أحد محاميي دينارد الفرنسيين فقد قُدِّم دينارد ككبش فداء للنظام الفرنسي! لقب دينارد قواته بلقب “العالم هو موطننا”.

هذه أحد أشهر عملياته العسكرية:

الانفصال عن الكونغو بعد استقلالها بشهور

في العام 1960 نالت الكونغو استقلالها عن الاستعمار البلجيكي. كان باتريس لومومبا أول رئيس وزراء بعد الاستقلال. الرجل الذي قاد بلاده نحو الاستقلال لم يكن الاستعمار ليتركه، بدأت حركة انفصالية في أكبر الأقاليم الكونغولية إقليم كاتنغا. بقيادة تشومبي كان الانفصال، قتل لومومبا على يد درك إقليم كاتنغا عام 1961.

شارك دينارد في إسقاط لومومبا

قصة بوب دينارد هنا كانت في بدايات ارتزاقه، حيث انضم لتشومبي بقواته ليقوموا بتدريب قوات تشومبي. لم يستطع تشومبي الاستمرار فاضطر للاستسلام. في ذلك الوقت هربَ دينارد إلى أنجولا، جرِّد دينارد وأتباعه من سلاحهم في أنجولا وتمّ ترحيلهم إلى فرنسا. الجدير بالذكر انّ دينارد ومرتزقته كانوا يعتقدون أنهم ينقذونَ الغرب من التهديد الشيوعي (لومومبا كان شيوعيًا).

اليمن: لقد تحركت ضد الشيوعيين لأجل مصالح فرنسا العليا!

في الستينيات بدأت ثورة في اليمن، دعمتها مصر بالسلاح والجنود، بينما دعمت السعودية النظام القديم ممثلًا في الإمام وقواته. بتخطيط سري من المخابرات الفرنسية استطاعت تجنيد سبعة عشر من رجال الحرب على رأسهم بوب دينارد وإرسالهم إلى اليمن، كانت مهمتهم هذه المرة ليس الحرب وإنما تدريب قوات الإمام. بعد تلكَ الحرب التي أدت لانقسام اليمن للجنوب والشمال أثبت دينارد كفاءته كمرتزق حرب محترف.

“لم أتحرك دون أن أعلمهم – يقصد المخابرات الفرنسية – بما أحضِّر له”

*بوب دينارد في حوار إعلامي له.

قوات الإمام التي قام دينارد بتدريبهم

الصحافة البلجيكية، أطلقت على دينارد وأتباعه “المجموعة القذرة”. تقارير عديدة تحدثت عن إبادات جماعية قام بها دينارد وأتباعه في عدد من الدول الأفريقية. في أحد اللقاءات الإعلامية لمساعد دينارد تحدث عن إبادة قرية عن كاملها في جزر القمر لأنَّ سكانها لم يتعاونوا مع قواته، وبعد أن حكى أنهم قتلوا الجميع قال: أعتقد أننا صنعنا الصواب، أنا لستُ نادمًا! مساعده هذا وضعته الأمم المتحدة على قائمة المطلوبين لديها. وبشكل عام لا توجد إحصائيات عن عدد الذين تسبب دينارد في مقتلهم.

بعد هذه الحرب لم يعد دينارد مرتزق حرب وفقط، بل صار ملجأً للمخابرات الفرنسية بشكلٍ دائم، كذلك ملجأ دائمًا لرؤساء دول أفريقية، يقدم النصائح العسكرية، يجهِّز الجيوش، يدرب الحرس الرئاسي، يوقِّع صفقات السلاح، وينقله. لقد كان دينارد ملكًا في أفريقيا!

الرجل الأقوى في جزر القمر!

جزر القمر، دولة صغيرة تتكون من أربعة جزر تقع تحت حكم الاستعمار الفرنسي، في السبعينيات نالت ثلاث جزر استقلالها بينما فضَّلت جزيرة مايوت عبر استفتاء شعبي أن تظل تابعة لفرنسا. استطاع دينارد، بالطبع باتفاق مع المخابرات الفرنسية، إيصال أحمد عبد الله عبد الرحمن إلى الرئاسة في جزر القمر. وبعد فترة من رئاسته عارض عبد الله انضمام جزيرة مايوت إلى فرنسا فقام دينارد بالانقلاب عليه وجاء بعلي صويلح وزير الدفاع رئيسًا.

عملية الأطلس

بعد ثلاث سنوات من تنصيب دينارد لصويلح رئيسًا، وضع دينارد صويلح في السجن وأعاد الرئيس السابق أحمد عبد الله إلى الحكم بعد انتهاء جداله حول هوية جزيرة مايوت، باعتبارها تابعة لفرنسا. عاد عبد الله للحكم تحت حماية دينارد، أطلقت فرنسا على حماية دينارد لعبد الله “حماية دبلوماسية”!

بينما كان عبد الله الرئيس الشكلي كان دينارد هو الرئيس الفعلي، استطاع دينارد تأسيس حرس جمهوري في جزر القمر يدين بالولاء له وحده. وبينما الرؤساء يزورون جزر القمر ويستقبلهم عبد الله كانوا يأتون بالتحديد للقاء دينارد لا الرئيس عبد الله.

دينارد الآن، يستطيع أن يقيم دولة أو يهدمها، يقتل رؤساء، يسجن البعض، ويوصل البعض لأعلى منصب في بلاده، بالطبع تحت حمايته هو. فكَّر دينارد أنه يجب أن ينوع طريقة عمله، فأنشأ شركته الخاصة في جزر القمر، بلغت أرباحه منذ عام 1978 إلى عام 1989 حوالي مائة وعشرين مليون يورو. وقد أراد دينارد إنشاء وكالة دولية لمرتزقة الحروب لكنه لم يفلح.

بداية النهاية

صار دينارد إذن قائد الحرس الجمهوري في جزر القمر، الجنرال الفرنسي أصبح قائد الحرس الجمهوري القمري الذي لا يأتمر للرئيس لكنه يأتمر له. في أحد أيام نوفمبر 1989 دخل دينارد بقواته إلى بيت الرئيس أحمد عبد الله، مهددًا إياه بالقتل وطلب منه أن يوقع على قرار بتبعية الجيش والشرطة القمريين للحرس الجمهوري، وقع الرئيس لكنّ حارسه الخاص حاول أن يتصرف برشاشه فقتل هو ورئيسه، وكانت هذه بداية النهاية.

خرج القرار الجمهوري في اليوم التالي، كالتالي: تلقى الحرس الجمهوري أمرًا بنزع السلاح من الجيش القمري، وعلى المدنيين وقوات الجيش والشرطة مساعدة الحرس الجمهوري في الطلبات الصادرة عنه.

أوصل دينارد الرئيس عبد الله للحكم مرتين وخلعه مرتين! وكانت نهايته على يديه.

لم تكن فرنسا متورطة في هذه المحاولة، فقد قام بها دينارد لأسباب مالية. بعد مقتل الرئيس عبد الله تأزمت الأمور أكثر وثار الشعب وطالب برحيل دينارد، وحدة القوات الخاصة الفرنسية نزلت على شواطئ جزر القمر وطالبت دينارد بالرحيل، فرحل إلى جنوب أفريقيا ثمّ إلى أوروبا، بالطبع بعد عدة ضمانات أخذها له ولرجاله. ثم وجهت الاتهامات لدينارد في فرنسا، لكن المحكمة أفرجت عنه لعدم كفاية الأدلة، في تلك الفترة كانت فرنسا قد بدأت قطع الدعم المالي عن مرتزقتها لأسباب دولية، فصار دينارد وحيدًا لأول مرة.

ظلّ دينارد في بريتوريا، منفاه الاختياري، وعندما نزل في أحد مطارات باريس عائدًا لوطنه تم إلقاء القبض عليه ومحاكمته بتهمة تدبير انقلاب فاشل في بنين عام 1977، حكم عليه بالسجن خمس سنوات مع إيقاف التنفيذ. بعد سنتين من هذا الحكم قام دينارد بعملية إنزال على شواطئ جزر القمر محاولًا الانقلاب على الرئيس لكنَّ حظه لم يكن جيدًا، لقد باعت فرنسا ابنها البار!

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“دينارد عام 1993 أثناء القبض عليه”

كانت هذه آخر عملياته واضطر لتسليم نفسه، كان حينها في السادسة والستين. وقد حكم عليه عدة مرات مع إيقاف التنفيذ. توفي دينارد عام 2007 وقد عانى في سنواته الأخيرة من الزهايمر. ولدى دينارد عدد كبير جدًا من الأولاد، المعروف منهم ثمانية أطفال من أمهات مختلفات. مما يذكر أيضًا أنه أعلن إسلامه أثناء إقامته في جزر القمر وتزوج من امرأة مسلمة هناك.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“أثناء محاكمته بباريس”

عمليات أخرى لدينارد

في إقليم بيافرا في نيجيريا تتواجد أربعة أخماس الثورة النفطية النيجيرية، إضافةً إلى هذا اعترضت الحكومة المركزية في نيجيريا على التجارب النووية الفرنسية في أفريقيا. حاول الإقليم الانفصال، الحكومة الفرنسية قالت إنها على الحياد لكنّ عمليات تهريب الأسلحة للمتمردين تمت عبر دينارد ورجاله بالاتفاق مع المخابرات الفرنسية بالطبع، كان هذا عام 1968، كذلك شارك في حرب تشاد ضد ليبيا، وتدريب أكراد العراق كما تعاون مع شاه إيران في السبعينيات. كانت أعظم هزيمة لدينارد عام 1977 عندما فشل في محاولة الانقلاب على النظام الشيوعي هناك.

دينارد أثناء تسليمه نفسه للجيش الفرنسي 1995

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد