في العقد الأول من القرن الحالي جرى اكتشاف حقل غاز ضخم تحت المياه العميقة التي تقع على بُعد 80 ميلًا قبالة الشواطئ الإسرائيلية، ومع اكتشاف هذا الحقل المسمى بـ«الليفياثان» فإنَّ إسرائيل لن تكون مكتفية فقط باحتياجاتها من الغاز الطبيعي، بل مُصدرة للغاز لدول الجوار وربما لغيرها من الدول لاحقًا.

ووقَّعت إسرائيل بالفعل اتفاقيات تصدير لكل من مصر والأردنّ، بعد أن كان الغاز المصري هو مصدر توريد الغاز للبلدين الآخرين، ليصبح حقل «الليفياثان» والاتفاقيات المبرمة والمحتملة لتوريد الغاز منه، نقطة انطلاق لرسم خطوط سياسية جديدة في المنطقة. 

تنين البحر: حقل الغاز الذي غيَّر اقتصاد الطاقة في إسرائيل

تروي الأسطورة التوراتية أنَّ الإله (يهوه) قاتل وحشًا بحريًّا يدعى الليفياثان وقتله، ومع حلول عام 2010 جرى اكتشاف حقل غاز في إسرائيل سُمي على اسم ذلك الوحش؛ دلالة على ضخامة الحقل وتأثيره في اقتصاد الطاقة في إسرائيل، ومنذ اكتشافه تشير التوقعات إلى أن احتياطاته تبلغ 21 ترليون قدم مكعب، وهو أكبر من حجم الاحتياجات السنوية للاتحاد الأوروبي من الغاز، الأمر الذي يعني تمكُّن إسرائيل من التحول من دولة مستوردة للغاز إلى مُصدِّرة. 

فقبل بدء الإنتاج الفعلي بنحو أربع سنوات، تمكنت وزارة الطاقة الإسرائيلية وشركة «نوبل إنيرجي» الأمريكية المشغلة للحقل من توقيع اتفاقيتي تصدير للغاز الطبيعي، واحدة للأردن عام 2016 بعد عامين من المفاوضات، ورغم الاعتراض الشعبي الواسع على الاتفاقية منذ الإعلان عنها عام 2014، وبتكلفة تبلغ 10 مليارات دولار على مدى 15 عامًا، واتفاقية أخرى مشابهة مع مصر لاستيراد الغاز على مدى 15 عامًا مقابل 20 مليار دولار، ليبدأ تدفق الغاز الإسرائيلي إلى الأردن ومصر بداية عام 2020.

الكبار يدخلون على الخط.. إنقاذ قطاع الطاقة الإسرائيلي

لم يكن قطاع الطاقة عالميًّا في السنوات الأخيرة في أحسن أحواله، فتوجهت العديد من الدول نحو الطاقة المتجددة، وجرى الانتقال إلى المركبات الكهربائية وأنواع أخرى من الوقود، الأمر الذي دفع نحو استهلاك أقل للوقود الأحفوري.

وجاء عام 2020 مع جائحة كورونا التي سرعت الاتجاه للأسفل في الطلب على الوقود الأحفوري وتخفيض سعره، وبعد أن كانت التوقعات تبشر بقرب انتهاء عصر النفط والوقود الأحفوري إجمالًا، لدرجة إنه كانت هناك توقعات تحدد سنة مستقبلية بعينها سيكون إنتاج النفط في أعلى مستوياته فيها ويبدأ بعدها بالانخفاض بسبب نضوب الوقود الأحفوري، جاءت أزمة كورونا، وتسارع التقدم في مجالات الطاقة المتجددة ليدور الحديث اليوم حول امتلاك العالم احتياطات نفطية ضخمة جدًّا دون أن يستهلكها لعدم الحاجة إليها، كونه سينتهي استخدام النفط نتيجة لانخفاض الطلب عليه واستبداله، بدلًا من استهلاك كل النفط في باطن الأرض.

منطقة الشرق

منذ سنتين
صراع العروش في المتوسط.. أحلام وكوابيس تركيا في لعبة التنقيب عن الغاز الطبيعي

وبعد أن كانت التوقعات حول متى ينتهي النفط كانت تحدد سقفًا زمنيًّا بعام 2050، الآن يدور الحديث حول أننا سنتوقف عن استهلاك النفط بالكميات الحالية قبل انتهاء احتياطات النفط، ونتيجة لهذا خفض الاقتصاديون توقعاتهم لأعلى سنة فيها استهلاك عالمي للنفط من 2050، لسنوات أقل مثل 2035 وحتى 2019؛ إذ من الممكن أن تكون سنة 2019 هي أكثر سنة استُهلك فيها نفط، وربما لن تأتي سنة مستقبلية يكون الاستهلاك فيها بالحجم نفسه. 

ويعني الاتجاه لتقليل الطلب على النفط على المدى البعيد استمرار انخفاض سعره ما لم يقابل الانخفاض في الطلب انخفاض مماثل في العرض، وهو ما يعد مشكلة بحد ذاتها للدول المصدرة التي تعتمد اقتصاداتها على تصدير كميات ضخمة من النفط. 

أما في إسرائيل فالموضوع أعقد من ذلك، فمنذ بداية اكتشافات الغاز الأخيرة وهناك أسئلة تُطرح حول جدوى الاستثمار في قطاع الطاقة الإسرائيلي، وتمثل أوروبا الهدف بعيد المدى لصادرات الطاقة الإسرائيلية، إلا أن أوروبا متجهة أكثر وأكثر إلى تقليل استخدام الوقود غير النظيف، والانتقال إلى الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وأنواع وقود أخرى أقل ضررًا على البيئة.

Embed from Getty Images

محطة غاز طبيعي في تل أبيب

ورغم تمكُّن إسرائيل من عقد اتفاقيات لصادراتها مع مصر والأردن قبل بدء العمل في حقل الليفياثان، فإنَّ مخاطر انحسار الطلب على الغاز ليست المشكلة الوحيدة لقطاع الطاقة الإسرائيلي، فمن أجل التمكن من استخراج الغاز وتصديره يجب توفير بنية تحتية ضخمة تكلف مليارات الدولارات، ويجب ضمان استمرار تدفق الغاز بشكل مستمر دون انقطاعات لضمان جدوى الاستثمار في القطاع.

فيما تمثل منصات الغاز وأنابيب نقله أهدافًا يصعب حمايتها في منطقة تشهد توترات سياسية ومناوشات عسكرية مستمرة، فيمكن أن يحصل لمشروعات تصدير الغاز الإسرائيلية ما حصل سابقًا لأنابيب الغاز المصرية من هجمات بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، بالإضافة إلى قدرة أعداء إسرائيل المحيطين بها من استهداف منصات الغاز نفسها، كما حصل بالفعل في الحرب الأخيرة على قطاع غزة.

ومع حاجة مثل هذه المشروعات إلى رؤوس مال ضخمة لضمان توفير البنية التحتية و«اقتصادات الحجم الكبير» (economies of scale) التي تسمح بتوفير جدوى للمشروع وثقل كبير لإنجاحه، فإن مثل هذه التهديدات قد تجعل الكثير من هذه الشركات ترى الاستثمار في مثل هذا المشروع مخاطرة كبيرة.

لذلك ربما كان الدافع الأساسي للاستثمار في مشروع الغاز سياسيًّا أكثر منه اقتصاديًّا؛ فبالعودة إلى اتفاقيات الغاز الموقعة مع الأردن ومصر يمكن رؤية أثر الإستراتيجية الأمريكية في تشجيع هذه العلاقات والضغط نحو توقيع هذه الاتفاقيات في تلك الفترة.

فقد كانت العلاقات الاقتصادية في المنطقة من وجهة نظر الإدارات الأمريكية المتعاقبة تمثل قاعدة مهمة لتخفيف التوترات وبناء سلام، من وجهة نظرها، ويزيد من أهمية مشروعات حقول الغاز المكتشفة بالنسبة إلى السياسة الأمريكية أنها كانت مملوكة لشركة «نوبل إنيرجي» الأمريكية، (وهي شركة غير عملاقة) بالإضافة إلى إمكانية تقليل تلك المشروعات من اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي، وهو ليس هدفًا أوروبيًّا فقط بل أمريكيًّا أيضًا، وزاد من الاهتمام الأمريكي في مشروعات الطاقة دخول شركة طاقة أمريكية عملاقة على الخط مؤخرًا؛ مع استحواذ شركة «شيفرون» على شركة «نوبل إنيرجي» المشغلة لحقول الغاز الإسرائيلية.

وتعد شركة «شيفرون» الأمريكية أحد عمالقة قطاع الطاقة في العالم، وصنفتها مجلة «فورتشن 500» في الترتيب 27 ضمن أكبر شركات العالم، وهي ثاني أضخم شركة طاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتبلغ قيمتها السوقية 186 مليار دولار، وبلغت مبيعاتها السنوية 94.47 مليار دولار عام 2020، وهي أقل قيمة مبيعات منذ عام 2008، وبانخفاض نسبته 35% عن عام 2019، وهي شركة مختصة في مجالات متكاملة من صناعات الطاقة، والكيماويات والصناعات النفطية المختلفة عن طريق شركاتها التابعة في مختلف دول العالم، وتعمل الشركة على استكشاف الوقود واستخراجه ونقله وتصفيته وتحويله إلى المشتقات النفطية المختلفة.

ويعد دخول شركة بحجم «شيفرون» على خط قطاع الطاقة في شرق الأبيض المتوسط عن طريق استحواذها على شركة «نوبل إنيرجي» حدثًا مهمًّا، لا على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على صعيد السياسة أيضًا. 

ففي مقال منشور عام 2020 على موقع مؤسسة دراسات الأمن الوطني التابعة لجامعة تل أبيب باسم «الحجم مهم: دخول شيفرون إلى إسرائيل» يوضح الكاتب والسياسي الإسرائيلي «أوديد إران» (Oded Eran) الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية لدخول «شيفرون» إلى قطاع الطاقة الإسرائيلي، وأهمية الشركة العملاقة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.

وأكد أوديد إران أنه من المهم للولايات المتحدة الأمريكية أن يكون لها نقاط وجود في سوق حقول الغاز المكتشفة في شرق المتوسط، خصوصًا مع عدم وجود شركات أمريكية بشكل كبير في سوق حقول الغاز في المنطقة، وانحصار ذلك الوجود في الدور الصغير لشركة «Exxon» في قبرص، وشركة «نوبل إنيرجي» الأمريكية في إسرائيل، مع أهمية وضع صغر حجم هذه الشركة في عين الاعتبار.

ولفت إلى أنه من المهم جدًّا لإسرائيل أن تدخل شركة أمريكية بحجم «شيفرون» لتدعيم موقعها في نادي الغاز في شرق المتوسط سياسيًّا، فضلًا عن منافع اقتصادية كبيرة لا تقتصر على تخفيف الشكوك حول الاستقرار الاقتصادي لبعض شركات الطاقة الإسرائيلية، في ظل تنامي الشكوك حول استقرار القطاع كله في العالم.

ويوضح الكاتب أنَّ لدخول شركة بحجم «شيفرون» أهمية كبرى في ظل انخفاض أسعار الغاز بفعل انخفاض الطلب الناتج من جائحة كورونا؛ إذ يحتاج قطاع الطاقة إلى استثمارات ضخمة وفي ظل انخفاض ربحيته، قد لا تتمكن شركة صغيرة مثل «نوبل إنيرجي» من تمويل الاستثمارات المطلوبة، على عكس عملاق بحجم «شيفرون» التي بإمكانها ضخ استثمارات بمليارات الدولارات ضمن خطط ضخ الغاز الحالية والمستقبلية.

ودخول شركة عملاقة مثل «شيفرون» لسوق إسرائيل لم يكن يرغب فيه شركاؤها الخيليجيون الذين كانوا يرون أن إنشاء أسواق طاقة جديدة في المنطقة تعني مضاربة على أسواق الطاقة الكبرى في الخليج، إلا أنه جرى تجاوز هذا التخوف مؤخرًا، ولذلك يعد دخول شركة ضخمة مثل «شيفرون» لها علاقات عمل كبيرة في الخليج اختراقًا افتصاديًّا كبيرًا، بالإضافة إلى إمكانية أن تساعد الشركة إسرائيل في أي مشكلة قانونية كالخلاف على الحدود البحرية مع لبنان؛ إذ تستخدم «شيفرون» قوتها لحث الإدارة الأمريكية للضغط على لبنان في هذا الملف وغيره.

ولم يكن استحواذ شيفرون على «نوبل إنيرجي» التطور الوحيد الكبير فيما يخص حقول الغاز في إسرائيل؛ ففي منطقة مليئة بالتناقضات والتحالفات والأزمات السياسية والاختلالات الاقتصادية، وللوضوح الكبير في الارتباط بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي فيها؛ وخصوصًا إذا تعلق الأمر بإسرائيل وبمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هناك عدة لاعبين ومصالح متضاربة ومتشابكة يلعبون دورًا مهمًّا في قضية الغاز الإسرائيلي، فنظرًا إلى عدم اتصال إسرائيل بأوروبا مباشرة، فإن عليها إيجاد طريقة لإيصال الغاز إلى أوروبا، وهناك طريقان محتملان لذلك:

الخط الأول:

وهو أكثر كلفة، ويتضمن مد خط غاز عبر البحر الأبيض المتوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي، ابتداء من مصر التي تملك محطة لإسالة الغاز، مرورًا بقبرص، وتقدر كلفة مثل هذا المشروع بـ6 مليارات يورو، ومع أن الاتحاد الأوروبي أبدى اهتمامًا بالمشروع، فإنه ليس من المؤكد التزامه به على المدى الطويل، ويعزز التعاون الإسرائيلي مع كل من قبرص واليونان من فرص المشروع.

الخط الثاني:

وهو يمثل المسار الطبيعي والأقل كلفة، ويقوم على ربط إسرائيل بخط الغاز العربي المارِّ من الأردن إلى سوريا ومن سوريا إلى تركيا؛ ليجري نقله من تركيا إلى أوروبا لاحقًا، إلا أن الحرب التي ما زالت قائمة في سوريا، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية على النظام السوري، والحاجة لصيانة أنابيب الغاز قد تشكل ظروفًا تمنع الاستفادة من الأنابيب. 

وقد دفعت أزمة الطاقة في لبنان وتحريك سفن إيرانية لتزويد لبنان بالطاقة، الإدارة الأمريكية لمحاولة إيجاد بدائل للنفط الإيراني من خلال السماح بنقل الغاز المصري إلى لبنان عن طريق الأردن مرورًا بسوريا، الأمر الذي اضطرها لإعادة التفكير في العقوبات التي فرضتها على النظام السوري، ومن ثمَّ قرر البنك الدولي تمويل المشروع، ومن جهتها أعلنت سوريا موافقتها على نقل الغاز إلى لبنان من أراضيها، ليبدأ وزراء الطاقة من البلدان المعنية اجتماعات لوضع خارطة طريق بخصوص تزويد لبنان بالطاقة.

كل ذلك يفتح الباب لإحياء خط الغاز العربي، ولن تحتاج إسرائيل بعد ذلك إلا لمد خط قصير ليربط بين خطها مع الأردني وبين خط الغاز العربي، لتكون خطوة كبيرة في تكامل إسرائيل مع المنطقة وربطها بخطوط الطاقة فيها، خاصة بعد توقيعها اتفاقيات تطبيع مع العديد من الدول العربية مؤخرًا، وخصوصًا الإمارات.

ففي أبريل (نيسان) الماضي جرى الإعلان عن اتفاق مع شركة حكومية إماراتية لشراء حصة في حقل «تامار» – ثاني أكبر حقل بعد الليفياثان- بقيمة مليار دولار، بعد ضغط حكومي على شركة إسرائيلية لبيع حصتها للإمارات بحجة أنها شريك إستراتيجي معني بتطوير الحقل وتنمية الصادرات منه، ويسمح بزيادة تنافسية حقل الغاز الإسرائيلي، وكذلك يعني اهتمام الإمارات بحقول الغاز المصرية المجاورة إمكانية زيادة التعاون بين مصر وإسرائيل واحتمالية توفير تمويل أكبر لمشروعات نقل الغاز لأوروبا.

إلا أن الاتفاق أثار حساسية في إسرائيل؛ بحسب صحيفة هآرتس العبرية، فعلى الرغم من أن الاستثمار الإماراتي يرفع التنافسية وإمكانيات التطوير والتعاون، وسيخفف قلق لاعبين دوليين من المخاطر السياسية للاستثمار في الغاز الإسرائيلي، فإن المؤسسة الأمنية في إسرائيل ترى القطاع حساسًا جدًّا ويجب أن يمر قرار البيع خلال المؤسسة الأمنية؛ إذ هناك تخوف من كون الاتفاق جرى لمصالح شخصية أو سياسية، فلكون الشركة الإماراتية حكومية فإن ذلك يشكك في اعتبارات التنافسية التي أبدتها الحكومة، ويرجح كون الصفقة أُبرمت لاعتبارات دبلوماسية، مع العلم أن إسرائيل رفضت عروضًا صينية وروسية مماثلة. 

الإستراتيجية الأمريكية لدمج إسرائيل في المنطقة  

لا يمكن التنبؤ بدقة بالمواقع التي ستصطف فيها كثير من الأطراف المختلفة بخصوص كل التفاصيل المتعلقة بقضية الغاز الإسرائيلي، بينما يمكن فهم الأهداف العامة لبعض هذه الأطراف. 

فمن ناحية شركة «شيفرون»، فإن حقل الغاز مهم إستراتيجيًّا للاستحواذ على حصة سوقية مهمة من غاز شرق المتوسط، فضلًا عن موقعه المهم لقربه من أسواق الشرق الأوسط وأوروبا، وعلى الرغم من أن المبيعات المتوقعة من الحقل قد لا تكون كبيرة جدًّا بحيث تمثل نسبة معتبرة من المبيعات السنوية للشركة العملاقة؛ فإنَّ دخول «شيفرون» على خط الغاز الإسرائيلي حيوي اقتصاديًّا واستراتيجيًّا لأمريكا.

إذ ترى الولايات المتحدة الأمريكية في إمكان التكامل الاقتصادي في المنطقة، قاعدة أساسية لتحقيق أهدافها بتخفيف التوتر وتحقيق عملية سلام كما تراها، ومن ناحية أخرى يعد التشابك الاقتصادي مع المنطقة أمرًا محوريًّا بالنسبة إلى إسرائيل.

لذا فدخول شركة بثقل شيفرون وعلاقاتها في المنطقة يعني اختراقا مهمًّا على مستوى العلاقات مع دول الجوار، والدول العربية على الخصوص، وفيه مجال لفتح آفاق تعاون اقتصادي مستقبلًا بين إسرائيل والدول العربية، المطبعة منها مع إسرائيل، وغير المطبعة. 

Embed from Getty Images

جهاز حفر آبار النفط في البحار 

فالحكومة الأردنية – على سبيل المثال- أصرت على أن تتم الصفقة مع الشركة الأمريكية «نوبل إنيرجي» وليس مع شركة إسرائيلية؛ وذلك لتخفيف الضغط الشعبي عليها من جراء الصفقة، وفي حالة وجود شركة بحجم «شيفرون» في دول عربية أخرى، فإن ذلك سيلغي فعالية مقاطعة إسرائيل عمليًا في الدول التي لا تملك علاقات رسمية معها، فضلًا عن أن مشروعات بهذا الحجم تعني تعاونًا أكبر على مستويات أخرى، ولو بشكل غير مباشر، قد يكون أهمها تأمين خطوط الغاز المشتركة تحت غطاء شركة «شيفرون» الأمريكية.

وفي حال نجاح الولايات المتحدة الأمريكية بربط إسرائيل بخط الغاز العربي فإن ذلك يعني الكثير على عدة جبهات؛ فمن جانب يعني هذا إمكانية أكبر لتوريد الغاز لأوروبا وتخفيف اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي، ومن ناحية أخرى فإن هذا يعني أن دولًا أخرى ستنضم للتعاون مع إسرائيل ولو بشكل غير مباشر، ولو لم توقع اتفاقيات سلام معها.

ويمكن البناء على ذلك في المستقبل لتحقيق تكامل أكبر في المنطقة التي تشهد أزمات سياسية واقتصادية وحروبًا ونزاعات دامية، مما يجعل من إسرائيل مركز قيادة تجاريًّا واقتصاديًّا للمنطقة، ومن ثم يجعلها أيضًا مركز قيادة سياسيًّا، الذي يساعد فيه تفوقها العسكري.

في لعبة الغاز في المنطقة هناك لاعبون كثر أكبر من إسرائيل في حجم الاحتياطات، وبعضهم لديه علاقات دبلوماسية قد تعطيه أفضلية على إسرائيل، وقد تساعد آمال بعضهم ضمن الظروف المناسبة خطط إسرائيل وإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، فقطر -مثلًا – قد تستفيد من خط يربط المنطقة بأوروبا. ومثل هذه المصالح المشتركة قد تدفع باتجاه موافقة السعودية (بضغط أمريكي) على تمرير خط الغاز من قطر إلى الأردن ومنه إلى تركيا عن طريق سوريا.

وعلى الناحية الأخرى لن تنخرط أطراف أخرى في هذه المشروعات، بل ستحاول إيقافها وتخريبها؛ فإيران مثلًا تمتلك أكبر احتياطي غاز في المنطقة، وفضلًا عن معاداتها لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فإن إيران تأمل أن تستطيع إيصال غازها عن طريق العراق وسوريا إلى أوروبا أيضًا، وسيتعارض ذلك بالتأكيد مع الخطط الأمريكية-الإسرائيلية، فاتحًا بذلك بابًا كبيرًا للصراع بين الأطراف المصطفة على مختلف المحاور.

وهناك لاعب إقليمي آخر قد تتعارض مصالحه مع مثل هذا المشروع هو تركيا، فمنذ سنوات تتخذ تركيا دبلوماسية هجومية إزاء إسرائيل (رغم اعترافها بدولة إسرائيل عام 1949 بالإضافة إلى امتلاكها علاقات تجارية كبيرة أيضًا معها) وزاد من حدة خلافات البلدين العلاقات المتزايدة بين إسرائيل واليونان وقبرص ومصر، وقد شهد المسرح الليبي ترجمة لهذه الخلافات بدعم الأطراف المختلفة، وكذلك أعلنت تركيا مواقفها المعارضة للتقارب الإسرائيلي-اليوناني-القبرصي وخصوصًا في مشروعات ضخ الغاز للاتحاد الأوروبي الذي ترى فيه تركيا محاولة لحرمانها من دور محوري في نقل الغاز لأوروبا.

ولكن الطريق الآخر لنقل الغاز يمر عن طريق تركيا ويسمح لها بالاستفادة منه، الأمر الذي قد يدفع تركيا لوضع ثقلها باتجاه الخط الثاني بدلًا من الخط البحري، وفي المقابل قد يؤثر الاستثمار الإماراتي في مجال الطاقة الإسرائيلي ضمن خصومتها مع تركيا، في الدفع باتجاه خيارات مضرة بالمصالح التركية، من خلال الضغط نحو خيار نقل الغاز بأنابيب عبر البحر الأبيض المتوسط من مصر إلى الاتحاد الأوروبي، بالاستفادة من إمكانية إسالة الغاز في مصر، لحرمان تركيا من الاستفادة من كونها المعبر الذي يمر منه الغاز إلى أوروبا.

خطوط الغاز تستفز إيران وتعيد تأهيل بشار الأسد

أما أحدث التطورات والتي قد تُربط بفتح ملف ضخ الغاز المصري إلى لبنان عن طريق سوريا التي تمثل الساحة التي تتقابل فيها معظم الأطراف المعنية؛ فقد سقطت اتفاقية تسوية بين الأطراف المتصارعة في جنوب سوريا العام الحالي، بعد ثلاث سنوات من تثبيتها بين النظام السوري والمعارضة المسلحة في درعا جنوب سوريا برعاية روسية عام 2018، والذي يقضي بوقف الأعمال العسكرية بين الطرفين مع تسليم السلاح الثقيل والسماح لجزء من المعارضة بالانتقال إلى الأجزاء الشمالية من سوريا، والتي ما تزال تحت سيطرة المعارضة.

ويمكن ربط السعي الحثيث للسيطرة على الجنوب السوري لدى النظام وحلفائه المختلفين من روسيا إلى إيران والمنظمات العسكرية المرتبطة بها، بمساعي ضخ الغاز إلى لبنان عن طريق سوريا، فبهدف ضمان أمن هذه الأنابيب يجب على النظام تأكيد سيطرته في الجنوب.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فمن جهة قد يكون من مصلحة روسيا ضمان وقوع جزء من خطوط الغاز تحت نفوذها للاستفادة من هذا النفوذ ودخولها على خط لعبة الغاز في المنطقة، خصوصًا مع اهتمام الروس القديم نسبيًّا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة، إلا أن الهدف بعيد المدى لإحياء خطوط الغاز في سوريا يعني نقلها إلى أوروبا عن طريق تركيا.

ويهدد ذلك المصالح الروسية في الإبقاء على ورقة ضغط إستراتيجية ضد الاتحاد الأوروبي بتزويده بالحصة الأكبر من استهلاكه للغاز الطبيعي، ما يمثل ورقة ضغط مهمة لروسيا ضد الاتحاد الأوروبي، ومنذ قطع روسيا لتدفق الغاز إلى الاتحاد الأوروبي عن طريق أوكرانيا على إثر الأزمة المشتعلة بين الروس وأوكرانيا عام 2009، بدأت أوروبا السعي نحو تخفيف اعتمادها على الغاز الروسي.

Embed from Getty Images

سيارة عليها ملصق لبوتين وبشار في أحد شوارع القرم

وقد يفتتح ملف الغاز فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع السوري، فقد تعمد روسيا إلى السماح لإيران بالوجود بشكل مكثف في الجنوب السوري، معرضة بذلك أي تقدم في مجال الغاز للخطر بفعل الوجود الإيراني، وقد تدفع روسيا بثقلها – في حال توافق ذلك مع مصالحها- إلى تأمين الجنوب للسماح بنقل الغاز ضمن نفوذها، ولن يكون ذلك ممكنًا دون التنسيق مع الدول المعنية: مصر والأردن ولبنان.

وقد يفتح إيصال الغاز عن طريق سوريا المجال أمام قبول النظام دوليًّا في المستقبل، وربما يكون ورقة اقتصادية بيد الولايات المتحدة الأمريكية لصالح حلفائها – ممثلين بالأردن وإسرائيل وبعض القوى السياسية اللبنانية – الرافضين لوجود إيران في الجنوب السوري للتنسيق مع الروس لضمان إبعاد إيران عن الجنوب السوري، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية أو رفعها عن النظام السوري، وقد بدأت مصر والأردن ولبنان التنسيق بالفعل مع النظام السوري في هذا الشأن بضوء أخضر أمريكي.

وضمن كل تلك المخاطر والمتغيرات والإمكانات المختلفة فإن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي وحلفائهم وأعدائهم، والمصالح المشتركة والمتناقضة بين هذه الأطراف جميعها في مختلف الملفات التي يبرز الغاز واحدًا من أهمها؛ قد ترسم خطوطًا جديدة في السياسة في المنطقة، وقد تُثبِّت اتجاهات وتحالفات أو تصنع أخرى جديدة على وقع تبدل المواقف والمصالح المختلفة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد