في المجتمعات العربية، نظرًا للترابط بين أفراد العائلات من الأجيال المختلفة تنشأ رابطة خاصة أحيانًا بين الأطفال وأجدادهم، حتى إن الجدات يحتللن قدرًا كبيرًا من ذاكرة البعض. إذ ينغمسن عادةً في حياة الأحفاد، بل تشارك بعضهن في التربية بشكلٍ أساسي، خاصةً مع اضطرار الكثير من الأمهات للعمل فترات طويلة؛ وهو أمر ليس مقتصرًا علينا. عن ذلك تشير كثير من الدراسات حول العالم إلى تأثيره الإيجابي، ليس فقط في الصحة النفسية للأحفاد، لكن في الأسرة ككل.

في الوقت ذاته تتناوله بعض الدراسات بطريقةٍ عكسية عن تأثيرات الأحفاد في الأجداد، سواء السلبية أو الإيجابية. فما الذي يتغير في الأطفال الذين يربيهم الجدود والجدات؟ وهل يكبرون ليصبحوا أكثر سعادة؟ وكيف تؤثر تلك التجربة في الجيل الأكبر سنًّا؟ هذا ما نجيب عنه في السطور التالية.

لهذا تجمعنا علاقة جيدة بأجدادنا

رغم الدور الذي يلعبه الجدود في تدليل الأحفاد في عالمنا اليوم؛ فإنه جديد نوعيًّا على تاريخ العلاقة بين «الجدة والحفيد»، التي لم تكن بمثل هذه الجودة سابقًا، والأمر ليس مقتصرًا على شدة الجدات العربيات التي عهدتها أمهاتنا. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، شهدت الفترة بين ثلاثينيات القرن الماضي حتى الخمسينيات، دراسات عن حالات سريرية كان للجدة فيها تأثير سيئ في الحفيد، وذلك وفقًا لمجلة الطب النفسي الأمريكية. 

كانت العلاقة بين الجدة والحفيد قديمًا قائمة على التحكمات وممارسة سلطة عُليا وطرق صارمة في تربية أبناء أبنائهم، إلا أن الوضع تغير تمامًا في الخمسينيات؛ عندما بدأت الجدات في اتخاذ أساليب تربية أكثر تساهلًا مع أحفادهم. ربما بوصفها رد فعل إيجابيًّا لما تعرضن له من صرامة الجدات بالإضافة إلى تطور العالم، وهو الأمر الذي جعل من جدات اليوم – المتعلمات – عنصرًا إيجابيًّا في التربية ويلعبن دورًا مساعدًا إلى جانب دور الأسرة الرئيسية من أب وأم.

بمرور الوقت، تخلص الأجداد من دورهم السلطوي في حياة الصغار، حتى أصبحوا اليوم بالنسبةِ إلى أحفادهم يمثلون أشخاصًا ثقاة، يمكن الاعتماد عليهم في المواقف التي يتجنبون مواجهتها مع آبائهم. يتبادل الجدود مع الأحفاد المعارف أيضًا؛ إذ نجد الطفل يعلم جده الأجهزة الإلكترونية الحديثة والحاسب الآلي، في حين يعلم الجد الحفيد اللغة وحكايات التراث.

Embed from Getty Images

وفقًا للدكتور كارل بيلمر الباحث في «جامعة كورنيل» الأمريكية فإن تسعة من كل 10 أحفاد بالغين يشعرون أن أجدادهم كان لهم أثر كبير في قيمهم ومبادئهم وسلوكهم، لهذا عادةً ما يحتل الأجداد مكانة خاصة في قلوبنا. عن ذلك تقول الجمعية الأمريكية للأجداد إن 72% من الأجداد يرون أن الأحفاد هم أفضل وأهم ما حدث لهم ويستمتعون فعلًا بالأوقات التي يقضونها معهم. كما أن هناك 63% منهم يعتقدون أن بإمكانهم العناية بالأحفاد بطريقةٍ أفضل مما فعلوا مع أبنائهم صغارًا.

بالنسبة إلى الأجيال الصغيرة، الأجداد هم نهر للمعرفة لا ينضب، فمن خلالهم يفهمون التاريخ الخاص بالعائلة، ويدركون جذورهم وكينونتهم، ويستقبلون النصائح الخبيرة الناتجة من ثراء التجارب الحقيقية للحياة.

يرث الأطفال عادة من أجدادهم الذكور والإناث حوالي 25% من مجمل الجينات، رغم ذلك يظل تأثير «الجدة للأم» على الحمض النووي للحفيد هو الأكبر بين الجميع؛ إذ إنها ولدت الأم التي تلد بدورها الحفيد، وبصرف النظر عن الرابطة الجينية، تنخرط الجدات بشكلٍ أكبر في حياة الأحفاد أكثر من الجدود، كما تميل الجدة للأم إلى تحمل المزيد من مسؤولية الأحفاد للتخفيف عن بناتهن العاملات.

هذا ما يحدث عندما يكون الجدود هم مقدمي الرعاية الرئيسيين 

تتعلق رفاهية الأطفال الذين تربوا على يد أجدادهم بالعديد من العوامل الاجتماعية والبيئية، مثل مستوى الدخل والوضع الاجتماعي، كما يختلف شكل العلاقة كلما تغير جنس مقدم الرعاية؛ إذ لا تتشابه مثلًا تربية الجدة وتربية الجد. رغم ذلك يمكن تقسيم شكل العائلات التي يتدخل فيها الأجداد في التربية إلى نوعين: «منازل ثلاثية الأجيال» تتكون من جيل الأجداد وجيلي الأبناء والأطفال، و«منازل ثنائية الأجيال» يعيش فيها الأحفاد مع الأجداد مباشرة بلا جيل وسط. هذا بالطبع لا يتضمن رعاية الأجداد للأحفاد عدة ساعات في اليوم دون أن يعيشوا معهم في المنزل ذاته.

يشير الباحثون إلى أن الأجداد غير المقيمين مع الأحفاد، حتى وإن كانوا يقدمون دعمًا عاطفيًّا وماليًّا، إلا أن دعمهم يصل إلى الأحفاد بطريقةٍ غير مباشرة، من خلال تخفيف الأعباء على الوالدين. أما الأجداد المقيمون، فإنهم يؤثرون بطريقةٍ مباشرة وتربطهم علاقة أقوى مع أحفادهم بخلاف من يعيشون بعيدًا.

(وثائقي عن الأجداد الذين يقدمون الرعاية لأحفادهم)

في وقتنا المعاصر نمت ظاهرة إقدام الجيل الأكبر سنًّا على المساعدة في تربية الأحفاد، حتى إن هناك نسبة لا بأس بها من الأطفال يعيشون في كنف أجدادهم بالمنزل ذاته، سواء كان ذلك في الطبقات الفقيرة لقلة الموارد المالية، أو نتيجة لعدم استقرار الأسرة واضطراب الأحوال الاجتماعية للوالدين. كما انغمست الجدات أكثر في حياة الأحفاد نتيجة لخروج النساء للعمل بنسبة أكبر من ذي قبل.

خلق هذا الوضع نوعًا جديدًا من العلاقات في المجتمع، وهي علاقة الجد (ذكر أو أنثى) بالحفيد، بعدما تحولت إلى مقدم الرعاية الدائم له، وهي علاقة خاصة جدًّا إلا أنها بحسب علم النفس تقدم للأطفال تجربة مختلفة وتحدياتٍ جديدة لا يواجهها الأحفاد الذين يعيشون مع أبويهم ويتلقون الرعاية منهما.

تشير راشيل دنيفون الأستاذة بـ«جامعة كورنيل»، وفقًا لمقالها المنشور في «الأكاديمية الأمريكية للسياسة والعلوم الاجتماعية»، إلى أن الهياكل الأسرية نفسها تختلف وتتنوع وفقًا إلى شكل المنزل الأسري، مثلًا، في المنازل التي يعيش فيها الثلاثة أجيال معًا: الجدود والآباء والأحفاد، تواجه الأجيال الجديدة تحديات مختلفة عمن يعيشون مع أجدادهم فقط.

هذه الهياكل الأسرية الممتدة إلى جيل الجدود لا تتوقف على المجتمع العربي فقط؛ نجد في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، حوالي 2% من الأطفال يعيشون مع أجدادهم بلا والديهم. بعض الآباء هناك يفضلون التنازل عن الوصاية للجد طواعيةً، نتيجة إدمان المخدرات، أو السجن، أو عدم القدرة على تقديم الرعاية المالية للأطفال. 

على الرغم من أن بعض الأجداد الذي يرعون الصغار يتعرضون إلى درجات أكبر من التوتر والقلق الناتج من الضغوط النفسية، بنسبة أكبر ممن لا يشاركون في تربية الأحفاد، فإن العائلات التي يقدم فيها كبار السن الرعاية المباشرة للأطفال تنشأ فيها درجة من الدفء والحميمية والتقدير بين الطرفين، سواء الجدود أم الاحفاد؛ إذ يقدر كلٌّ منهم الدور الذي يلعبه الآخر في حياته، خاصةً هؤلاء ممن يعيشون مع الأجداد مباشرة بلا جيل الآباء.

منذ 2001 تزايدت نسبة الأطفال الذين يعيشون في منازل ثلاثية الأجيال تجمع الأجداد مع الآباء 30%، وذلك إما نتيجة انتقال الأجداد إلى المنزل المملوك للجيل الثاني (الأبناء)، أو انتقال الأبناء إلى منزل العائلة للعيش مع آبائهم كبار السن. تشير دنيفون إلى أن الأطفال الذين يعيشون مع الأم العزباء ووالديها يميلون إلى النجاح في المدرسة، وهم أقل عرضة للانخراط في سلوكيات سيئة من الأطفال الذين يعيشون مع الأم العزباء وحدها.

عام

منذ 6 سنوات
مترجم: خمسة أسباب لأزمة التربية الحديثة

تشير إحدى الورقات العلمية عن «المؤثرين في حياة المراهقين»، إلى أن هناك أنواعًا عديدة للعلاقة ما بين الجد والحفيد، بعضها يمكن أن يصبح إيجابيًّا بشكل واضح، والبعض الآخر يصبح سلبيًّا إلى حد بعيد. رغم ذلك تعد كل حالة فريدة من نوعها من ناحية الدور الذي يلعبه الجد في تقديم الرعاية مع الأخذ في الاعتبار المستوى الاجتماعي والاقتصادي للعائلات وطبيعة العلاقات بين الأفراد داخل الأسر.

هل يؤثر الأحفاد سلبيًّا في صحة أجدادهم؟

ينعكس وجود الأجداد المُلهمين على أحفادهم غالبًا بطريقةٍ إيجابية، بحسب الدراسات؛ إذ يلعبون دورًا مهمًّا، خاصةً مع تقلص حجم الأسر، حين يصبح مقدم الرعاية شخصًا واحدًا فقط، سواء الأم أو الأب. إذ يصبح الأجداد مؤثرين بطريقةٍ مباشرة في حياة أحفادهم في تلك الحالة، كما أن بإمكان الأجداد تخفيف وطأة المعاناة التي يشعرها أحد الوالدين تجاه الأطفال، أو المساعدة في تكيف الأطفال على حياة جديدة بعد وقوع الطلاق بين الوالدين. 

في الوقت ذاته يمكن للأحفاد أيضًا أن يؤثروا في أجدادهم، سواء نفسيًّا أو جسديًّا، لكن التأثير يبدو متشابكًا وله إيجابيات وسلبيات، وللإجابة عن السؤال الذي يقلقنا: هل يؤثر أطفالنا في صحة أجدادهم بالسلب عند رعايتهم؟ نتطرق إلى عدة دراسات علمية تناقش تأثير الأحفاد في صحة أجدادهم.

Embed from Getty Images

في عام 2007 على سبيل المثال أشارت ورقة بحثية إلى عدم وجود دليل على أن رعاية الجدات للأطفال الصغار قد يكون لها تأثيرات سلبية كبيرة في صحتهن، رغم ذلك كان هناك قلة من الجدات اللواتي يعتنين بأحفادهن وقد تأثرت صحتهن بطريقة سلبية، وكنَّ عرضة للقلق الزائد والاكتئاب.

في دراسةٍ أخرى نُشرت عام 2017، جرت الإشارة إلى أن الأجداد من مقدمي الرعاية إلى الأطفال كانوا بصحةٍ نفسية أفضل مقارنةً بالآخرين؛ إذ كان لديهم شعور أقل بالوحدة، ومستويات أدنى للمعاناة من الاكتئاب والقلق. رغم ذلك، كان الإجهاد الناتج من رعاية الأطفال يعرض الأجداد موضوع البحث إلى درجات أعلى من الضغط النفسي. خاصةً في حالة عدم وجود أبنائهم للمساعدة في الرعاية. وكان الأثر الصحي الأكثر تبليغًا عنه، هو التعرض لضيق التنفس.

في عام 2011، في المجتمع الأمريكي كان هناك حوالي 7 ملايين من الأجداد يعيشون في المنزل ذاته مع أحفادهم، وهي زيادة بنسبة 22% عن عام 2000، وبنسبة 17% عن عام 2007. كما بلغ عدد الأجداد الذين يعيشون مع أحفادهم ويقدمون لهم الرعاية الأساسية 2.7 ملايين، وهي زيادة 12%. رغم ذلك يعد هذا النوع من الأبحاث حديث نسبيًّا في الولايات المتحدة ويفتقد إلى الكثير من البيانات اللازم جمعها من أجل تحليل التأثيرات الكاملة لعلاقة الأجداد بالأحفاد في وقتنا المعاصر، وما لها من إيجابيات وسلبيات. 

العائلة

منذ 3 سنوات
من المهد حتى المراهقة.. دليل التربية الجنسية المناسبة للمجتمعات العربية

المصادر

تحميل المزيد