دائمًا ما يتبع الأفراد الراغبون في إنقاص الوزن طرقًا متنوعة من تقليل الدهون والسكريات إلى الزيادة في الألياف والبروتينات، أو اتباع نظام نباتي، لكن الطبيب مارك هود المتخصص في التغذية قام بتجربة نظام غذائي على نفسه يختلف كثيرًا عن كل ما سبق.
ففي عام 2010 نشرت شبكة الأخبار الأمريكية CNN خبرًا صادمًا للمهتمين بالتغذية وإنقاص الوزن، تروي فيه حكاية أحد أساتذة التغذية بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي قام باتباع نظام غذائي فريد من نوعه، يعتمد بصورة أساسية على الوجبات السُكرية الخفيفة بدلًا من الوجبات الأساسية، كـ
»الدوريتوس« وبسكويت »الأوريو« و»التوينكيز« لأكثر من شهرين، وجاءت النتائج أكثر مما توقع مارك؛ إذ خسر 13 كيلوجرامًا من وزنه في غضون شهرين فقط.

ومع موجة الجدل التي أثارتها التجربة يبرز سؤال محير لمن حاولوا اتباع نظام غذائي صحي لإنقاص الوزن دون أن يحالفهم النجاح، أين الحقيقة؟

حمية الأوريو والتوينكيز


تكمن الفكرة لدى أستاذ التغذية بجامعة ولاية كنساس مارك هوب في إثبات أن العامل الأهم لإنقاص الوزن هو السعرات الحرارية، وليس القيمة الغذائية للطعام.

على مدار عشرة أسابيع لم يتناول هوب سوى وجبات سكرية كل ثلاث ساعات، بالإضافة إلى الفيتامينات ومشروب البروتين، بحيث لا يتجاوز استهلاكه اليومي للسعرات 1800 سعر حراري، أي بمعدل 800 سعر أقل من احتياجه اليومي، ليخسر في النهاية 13 كيلوجرامًا من الوزن الزائد.

 

هل تحسنت صحته؟


السؤال الذي يبرز فور معرفة أنه عاش في غالبية طعامه على السكريات هو: هل تحسنت المؤشرات الأخرى في جسده أم خسر وزنه وخسر معه صحته أيضًا؟


في حقيقة الأمر تحسنت المعدلات الحيوية داخل جسد مارك هوب بدرجة كبيرة، إذ انخفض معدل الكوليسترول بالدم بمقدار 20%، وكذلك الدهون الثلاثية 39%، كما انخفضت نسبة الدهون الكُلية بجسده بمقدار 8,5%.

كان الدافع وراء هذه التجربة كما قال هوب هو محاولاته السابقة لاتباع حمية غذائية تعتمد على الغذاء الصحي، والتي باءت بالفشل، وهنا يعلق قائلًا: »يبدو أن هناك فجوة ما بين تناول الطعام الصحي وتحسن الصحة العامة، كنت أتناول طعامًا صحيًّا من قبل إلا أنني لم أكن بصحة أفضل«.

وعلى الرغم من النجاح المؤقت الذي ناله هوب، إلا أنه لا ينصح باتباع نفس الحمية الغذائية: »لا يمكن القول بأن اتباع هذا النظام الغذائي هو الصواب، فليس لدينا معلومات كافية بعد«.

وهنا تعلق خبيرة التغذية بولاية إلينوي، داون بلانتر، قائلة: «هذه التجربة ما هي إلا مجرد تذكرة بأن السعرات الحرارية هي ما يهم، وليس نوعية الغذاء، ولكن ليس بالضرورة صحة أفضل».
13 كيلو

ماذا لو تناولت ثلاث أضعاف احتياجك من السعرات الحرارية.. هل ستنعكس النتيجة؟

وعلى العكس تمامًا من تجربة هوب، أجرى عالم الغدد الصماء إيثان سيمز، دراسة لمعرفة تأثير تناول كميات من الطعام تتجاوز حاجة الجسم من السعرات الحرارية، كمحاولة لإثبات أن هذه الزيادة ستختزن تلقائيًّا في صورة دهون.

وعلى مدى ثلاثة إلى خمسة أشهر، راقب سيمز الزيادة في الوزن لأربعة من طلبة الجامعة المتطوعين، تناولوا خلالها ضعف احتياجهم اليومي من السعرات الحرارية، ليتفاجأ بزيادة 12% فحسب، عوضًا عن الـ50% التي توقعها، ولما كان من الصعب التيقن من التزام الطلبة المتطوعين بتناول الكميات المقررة من الطعام، وتقليل المجهود البدني، قرر سيمز نقل ساحة التجربة إلى حيث يمكن مراقبة هذه العوامل تمامًا، السجن.

وعلى مدى عشر سنوات كاملة، تابع سيمز تجاربه على 19 سجينًا بسجن ولاية فيرمونت، وفي الأسابيع الستة الأولى، تناول المتطوعون احتياجهم فحسب من السعرات للتأكد من ثبات أوزانهم، ومن ثم شجعهم على تناول أكبر قدر ممكن من الطعام ما بين 3500 وحتى 1000 سعر حراري لمدة سبعة- ثمانية أشهر، ليتفاجأ مجددًا بأن الزيادة لم تتجاوز 21% في أول شهرين فحسب دون أي زيادة إضافية خلال باقي أشهر التجربة، حتى في حالة أولئك الذين تناولوا 10000 سعر يوميًّا، أي ما يقارب من ثلاثة أضعاف احتياجهم اليومي.

وهنا يعلق سيمز قائلًا: »لم تؤثر نوعية الطعام بصورة كبيرة في الزيادة الكلية للوزن، إلا أنه أيًّا كانت نوعية الجسم -نحيفًا أم بدينًا- تتساوى لديهم صعوبة اكتساب الوزن«.

والمثير للدهشة في هذه الدراسة هو أن كلًّا من الطلبة والمساجين قد استعادوا وزنهم كما كانوا قبل التجربة خلال أسابيع قليلة بمجرد عودتهم لتناول كميات طبيعية من الطعام دون الحاجة لاتباع نظام غذائي خاص.

ولم تكن دراسة سيمز هي الوحيدة، ففي عام 1995، أجرى جولز هيرشي دراسة أخرى بجامعة روكفيلير، مستخدمًا تقنيات معقدة لحساب معدلات التمثيل الغذائي لدى 41 شخصًا تتراوح أجسادهم بين النحافة والسمنة، أثناء اتباعهم لأنظمة غذائية صارمة، بحيث تؤدي بهم إلى زيادة أو نقص 10% من وزن الجسم، ليجد أن الأشخاص الذين زاد وزنهم زادت لديهم معدلات استهلاك الطاقة، والعكس في حالة الآخرين الذين فقدوا الوزن، فقد كانت أجسادهم تتجه لتوفير الطاقة.

ولذلك، فهذه الدراسات تنسف تمامًا النظرية التي تبناها هوب بأن ما يهم هو مقدار السعرات الحرارية التي تستهلكها، فحتى لو حاولت استهلاك سعرات حرارية أقل من احتياجك، فسيقلل جسدك معدل تمثيله الغذائي تلقائيًّا، كمحاولة للمحافظة على ثبات الوزن أيًّا كانت نوعية الطعام الذي تستهلكه، إلا أن هذه ليست الحقيقة الكاملة.

ماذا عن نوعية الطعام؟

13 كيلو
في عام 2013، خاض خبير التغذية والصحة سام فيلثام تجربة خاصة على مدى 21 يومًا، استهلك خلالها ما لا يقل عن 5000 سعر حراري يوميًّا، 50% منها الدهون، و40% بروتين، و10% من الكربوهيدرات.

وبالنظر لمعدل التمثيل الغذائي لديه، وبتطبيق نظرية السعرات الحرارية التي تبناها هوب، كان من المفترض أن يزيد وزنه بمعدل ستة كيلوجرامات من الدهون تقريبًا خلال فترة التجربة.

إلا أنه بنهاية التجربة، لم يجنِ سوى 1,6 كيلوجرامات فحسب زيادة بالوزن.

ويرجع فيلثام هذه النتيجة لتجنبه تناول السكريات والدهون المهدرجة، والذي يتسبب تناولها بمقاومة الأنسولين، وتلف الكبد، وزيادة احتمالية الإصابة بالسمنة، والبول السكري، وأمراض القلب.

وإذ يعتمد الجسم على النشويات والدهون مصادر للطاقة، ومع الأضرار التي تسببها هذه الأطعمة، يفقد الجسم قدرته على استهلاك الدهون تدريجيًّا؛ فيتجه لتخزينها، كما تصبح النشويات هي مصدر الطاقة الوحيد، وتزداد بالتالي الرغبة في تناول الطعام، وبالتالي تتراكم المزيد من الدهون.

حرص فيلثام أثناء تجربته على تجنب هذه الأطعمة، كما قلل من النشويات بصورة عامة، معتمدًا على الدهون مصدرًا للطاقة، وبالتالي لم يكتسب المزيد من الوزن كما كان متوقعًا.

وهنا يرى أن النظرية السائدة -التي عرضها هوب– بأن خسارة الوزن تعتمد على استهلاك سعرات حرارية أقل، ما هي إلا نظرية حمقاء من وجهة نظره، ويسدي نصيحة لخبراء التغذية حول العالم بتوجيه عملائهم ومرضاهم نحو تناول طعام صحي أكثر مع ممارسة الرياضة.

 

حسنًا ما رأي العلم في كل هذا؟


13 كيلو

يخبرنا العلم أن جسد الإنسان في حاجة لعدد معيّن من السعرات الحرارية يوميًّ، يتراوح عدد السعرات هذا على حسب عمر ونوع الإنسان، وطريقة عمله، والمجهود الذي يبذله كل يوم، إلا أن الشخص الذكر المتوسط في الوزن والمجهود يحتاج لما يقارب 2500 سُعر حراري تقريبًا.
بمعادلة رياضية بسيطة يتضح أنه لو تناول الإنسان أقل من هذا العدد المفترض لسعراته الحرارية فإنه على الأغلب سيفقد وزنه نظرًا للجوء الجسد لحرق الدهون المتراكمة بداخله لسدّ احتياجه إليها.
بينما لو تناول الفرد عددًا أكبر من هذه السعرات، فعلى الأغلب أيضًا ستتراكم على هيئة دهون في جسده؛ هذا بشرط سلامة صحته ومعدل الحرق لديه.
إلا أنه ما تزال هناك حالة كبيرة من الجدال بين أوساط خبراء التغذية حول أيهما الأهم لإنقاص الوزن، السعرات الحرارية المستهلكة، أم نوعية الطعام، أم كلاهما.

ولا تتعدى الإجابات مجرد كونها اجتهادات مبنية على تجارب شخصية؛ إذ لا توجد أبحاث أو دراسات كافية للجزم بشكل قاطع أي الإجابات هي الصواب وأيها الخطأ، بالإضافة إلى تنوع قدرة الجسد من فرد لآخر على حرق الدهون، أو اكتسابها؛ مما يجعل الجزم بطريقة واحدة لفقدان الوزن أمرًا شبه مستحيل، لكنّ الأمر الوحيد الذي يمكن الجزم به أن ممارسة الرياضة مع التغذية السليمة يُعتبر السبيل الأمثل -وليس الأوحد- لفقدان الوزن.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد