مع اشتداد حرارة الجو في فصل الصيف، نحاول بشتى الطرق التخفيف من تأثير الحرارة فينا، ولذا نُكثر من المشروبات المثلجة والمأكولات الباردة التي يجلس على عرشها «الآيس كريم» بنكهاته المتنوعة، ليحفظ لنفسه مكانًا ثابتًا في منازلنا طوال فصل الصيف. وقد لعب الآيس كريم دورًا كبيرًا في حدث تاريخي فارق هو الحرب العالمية الثانية؛ إذ اعتمد عليه الجنود الأمريكيون في التزود بالطاقة والتغلب على مشاعر الغربة، وهذا ما سنعرفه بالتفصيل في السطور التالية.

تخفيض إنتاج الآيس كريم لتوفير احتياجات الجنود

يعد توفير الغذاء الصحي للجنود خلال فترات الحرب من أولويات الإعدادات للجيوش، وقد تتطلب إجراءات صارمة تلزم بعض التضحيات. بعد إعلان أمريكا الحرب على ألمانيا عام 1917، خلال الحرب العالمية الأولى، تمكن هربرت هوفر، رئيس إدارة الغذاء الأمريكية آنذاك من إقناع المواطنين بالتضحية بالقمح والسكر واللحوم والدهون من أجل إرسالها إلى المطابخ العسكرية في الخارج لتوفير الغذاء الكافي للجنود، وأصبح لدى الشعب الأمريكي ثلاثاء بلا لحوم، وأربعاء بلا قمح، وكانت النتائج ناجحة، مما أدى إلى إنتاج أكثر من 18 مليون طن من المواد الغذائية الأساسية للجهود الحربية في أول عام من الحرب.

وخلال فترة الحرب، كانت إمدادات السكر المتاحة محليًّا في أمريكا قليلة للغاية؛ لذا أمرت إدارة الغذاء بتخفيض تصنيع الآيس كريم محليًّا، وقد جاء في الجريدة الرسمية بتاريخ 24 يونيو (حزيران) 1918، أن الآيس كريم لم يعد ضروريًّا لدرجة تبرير الاستخدام المجاني للسكر في تصنيعه، وبعد 1 يوليو (تموز) 1918، سيُصرف لصناع الآيس كريم 75% فقط من كمية السكر التي اعتادوا عليها في العام السابق.

حظر الخمور يعيد الآيس كريم إلى الواجهة من جديد

«بعد عام واحد من التصديق على هذه المادة، يُحظر تصنيع أو بيع أو نقل المشروبات الكحولية المسكرة داخل الولايات المتحدة أو استيرادها أو تصديرها من الولايات المتحدة وجميع الأراضي الخاضعة لولايتها القضائية»

هكذا كان نص القسم الأول من التعديل الثامن عشر لدستور الولايات المتحدة، الذي أُقر في يناير (كانون الثاني) 1919، ليكون واجب التنفيذ في يناير 1920، وأُلغي هذا التعديل بموجب التعديل الحادي والعشرين في ديسمبر (كانون الأول) 1933، أي إن الخمور ظلت محظورة في الولايات المتحدة قرابة 14 عامًا.

وقد كان قانون حظر المشروبات الكحولية انعكاسًا لموجات الإحياء الديني التي اجتاحت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، لتتغير وجهات النظر تجاه المشروبات الكحولية، حتى بات يُنظر إليها خلال القرن العشرين على أنها قوة مدمرة للعائلات والزيجات.

الآيس كريم يلقى رواجًا بعد حظر الكحوليات

الآيس كريم يلقى رواجًا بعد حظر الكحوليات. مصدر الصورة: history

بعد بدء تنفيذ قانون حظر المشروبات الكحولية، تحولت العديد من مصانع الكحوليات في أمريكا إلى صناعة الآيس كريم والمشروبات الغازية، وبحلول نهاية العشرينيات، أصبح استهلاك الأمريكيين للآيس كريم أكثر من مليون جالون في اليوم، وخلال الفترة من 1916 إلى 1925، ارتفع استهلاك الأمريكيين للآيس كريم بنسبة 55%.

بعدما كانت المتعة والاحتفال والراحة والتسلية مشاعر مرتبطة بالمشروبات الكحولية، ساعد صانع الآيس كريم، ويليام دراير، على ربط الآيس كريم بتلك الأحاسيس أثناء تسويق منتجه الجديد، المكون من الآيس كريم بنكهة الشوكولاتة والمكسرات، والمعروف باسم «روكي رود»؛ إذ روجه على أساس أنه يساعد الناس في التعامل مع انهيار سوق الأسهم في بورصة وول ستريت عام 1929. لقد أصبح الآيس كريم جزءًا أساسيًّا من حياة المواطن الأمريكي حتى جاءت الحرب العالمية الثانية ليتبوأ مقعدًا جديدًا.

تقنين الطعام إلزامي خلال الحرب العالمية الثانية

ولأن توفير الطعام الغني بالسعرات الحرارية للجنود لطالما كان شاغلًا لبال المسؤولين، فقد قننت الولايات المتحدة استهلاك الطعام بعد إعلان دخولها الحرب العالمية الثانية في أعقاب الهجوم على بيرل هاربر في ديسمبر 1941.

فبعدما كان التقنين طوعيًّا خلال الحرب العالمية الأولى، أصبح إلزاميًّا خلال الحرب العالمية الثانية، وسُمح للمواطنين بمواد غذائية مختلفة اعتمادًا على العمر وحاجة الجسم، فعلى سبيل المثال، كان الحليب المعلب متاحًا للأطفال دون كبار السن، كما كانت السلع تتأرجح ما بين النقصان والتوفر، فما يوجد في أسبوع، قد يختفي في الأسبوع التالي.

وقد اشتملت قائمة السلع المقننة على الجبن واللحوم والقهوة والزبدة والمربى والفواكه المجففة والسمن والسكر، كما كان هناك تقنين لبعض السلع غير الغذائية مثل الفحم، والمطاط، والأحذية، ومعجون الأسنان.

قصة الآيس كريم خلال الحرب العالمية الثانية

قرارات التقنين لم تطل الآيس كريم، فعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، اتجهت الدول على جانبي الصراع إلى حظر الآيس كريم لتقليل استهلاك السكر على المستويات المحلية، وتوفيره من أجل إمدادات الغذاء للجنود، إلا أن أمريكا لم تحذ حذو باقي الدول، لكنها اعتمدت عليه لتغذية الجنود لاحتوائه على سعرات حرارية مرتفعة ولارتباطه بمشاعر المتعة والدفء العائلي.

في عام 1943، أراد القائد البحري جيه هانتر راينبورج رفع معنويات مشاة البحرية، فشرع في تحويل إحدى القاذفات الأمريكية الثقيلة إلى ماكينة صنع الآيس كريم، وبعد عدة محاولات، توصل القائد إلى الطريقة الصحيحة عن طريق ربط دلاء تحتوي على مزيج الآيس كريم بمقصورة المدفعية الخلفية لإبقاء الدلو بعيدًا عن المحركات الساخنة، وبسبب اهتزازات المحرك والسلاسل يتحرك المزيج ويتحول إلى آيس كريم ويساعد على ذلك درجات الحرارة الباردة.

على متن البارجة الخرسانية لتصنيع الآيس كريم

على متن البارجة الخرسانية لتصنيع الآيس كريم. مصدر الصورة: atlas obscura

اعتمدت أمريكا على الفكرة، وأنفقت البحرية نحو مليون دولار عام 1945 لتحويل بارجة خرسانية إلى مصنع آيس كريم عائم في المحيط الهادئ يحتوي على أكثر من ألفي جالون (7600 لتر) من الآيس كريم، وكانت قدرة الباخرة صنع 10 جالونات (38 لترًا) من الآيس كريم كل سبع دقائق، لتوزعها على السفن غير القادرة على الصنع.

بنى الجيش الأمريكي مصانع مصغرة للآيس كريم على الخطوط الأمامية، فصنعوا مئات الملايين من الجالونات سنويًّا، ووزعوا منها على الجنود في الخنادق.

الآيس كريم.. الحلوى المفضلة لجنود ورؤساء أمريكا

في عام 1942، حينما أغرقت اليابان حاملة الطائرات الأمريكية ليكسينجتون، لم يغادر الطاقم السفينة إلا بعد اقتحام الثلاجة وتناول الآيس كريم، ولم يكن الآيس كريم غذاءً مفضلًا لجنود أمريكا فقط والأمريكيين، بل لرؤسائهم أيضًا.

قيل إن الرئيس الأمريكي جورج واشنطن قد أنفق في موسم صيفي واحد 200 دولار على الآيس كريم وهو ما يعادل تقريبًا 5 آلاف دولار حاليًا، كما تذكر المصادر أن الرئيس توماس جيفرسون تعلم صناعة الآيس كريم في فرنسا، وفي عودته جلب معه آلة لصنعه، ووصفة مكتوبة بخط اليد للآيس كريم بنكهة الفانيليا، ولا تزال محفوظة في مكتبة الكونجرس.

الحرب انتهت.. فلنحتفل بتناول الآيس كريم

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتهى تقنين المواد الغذائية مثل السكريات ومنتجات الألبان، فتزايد إنتاج الآيس كريم ليكون وسيلة احتفال الشعب بالانتصار، ووفقًا للتقديرات، فقد كان نصيب الفرد في عام 1946 أكثر من خمس جالونات (20 لترًا) من الآيس كريم.

وخلال الحرب الكورية، حاول الجنرال لويس ب. بولر إقناع البنتاجون بأن الآيس كريم طعام الجبناء، وأراد إدراج طعام آخر في قائمة طعام الجنود مثل البيرة، ليصبح الجنود أكثر شدة وصرامة، إلا أن تعليق البنتاجون كان أن للجنود أن يتناولوا الآيس كريم ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع على متن حاملات الطائرات والسفن الحربية.

طعام

منذ سنتين
كيف بدأ «الآيس كريم»؟ التاريخ اللذيذ لثورة المثلجات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد