تحوّل إدريس جطو، رجل الأعمال المغربيّ الشهير في عالم التجارة، إلى أحد أهمّ رجال صناعة القرار داخل القصر الملكي في المغرب، وواحد ممّن يضع فيهم الملك المغربي محمد السادس ثقته المُطلقة، خصوصًا مع رئاسته للمجلس الأعلى للحسابات، التي باتت الجِهة الآمرة الناهية في استمرار مسؤول من عدمه.

بدأت صِلة إدريس جطو بالقصر في عهد الملك الأب من بوّابة صناعة الأحذية؛ إذ لفتت الأحذية التي تصنعها شركته وشهرتُها العالمية انتباه الملك الأب الحسن الثاني، ليبدأ بعد ذلك رحلته في الصعود السياسي إلى جانب نشاطه التجاري، ويتحوّل خلال سنوات إلى أحد الرجال الأقوياء أصحاب النفوذ داخل القصر.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن رحلة صعود جطّو إلى القصر الملكي، ووسائل كسب ثقة الملك الأب والابن، حتى بات الرجل السبعيني أحد أهمّ الشخصيّات السياسيّة المغربيّة بعد الملك.

الوجه الخفي للملك محمد السادس.. رجل الأعمال صاحب الإمبراطورية الاستثمارية

صناعة الأحذية.. باب دخول العصامي إلى القصر الملكيّ

لأُسرة متوسّطة الحال ماديًّا، نشأ إدريس جطو، المولود سنة 1966 في مدينة الجديدة التي تقع على الساحل الغربي للمغرب، ممتهِنًا حرفة إلى جانب مساره التعليمي، كحال أغلب أبناء الطبقة المتوسطة في هذه الفترة الزمنية؛ ليحقّق من وراء العمل في التجارة، في سنواته الأولى خِبرات متنوّعة في عالم المال، ونظرةً أشمل على المجتمع المغربي، وقدرًا وفيرًا من المال، أتاح له استكمال دراسته في لندن، قبل أن يعود بعد الانتهاء من الدراسة لبلاده، ويتوسّع في مجال أعماله.

Embed from Getty Images

ادريس جطّو

وفقًا لتصريحات ميلود بلقاضي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الرباط، لموقع «أصوات مغاربية»، فجطو يُجسّد «تاريخ شخصية مغربية عصامية»، فقد تمكّن من أن يصبح رجل أعمال مؤثرًا رغم أنه لا ينتمي لعائلة نافذة كما هو حال رجال أعمال آخرين.

عقِب عودته إلى المغرب بعد نهاية دراسته، قرّر جطو التوسُّع في مجال صناعة الأحذية، عبر خطواتٍ محسوبة، ودراسة احتياجات السوق المغربي، ليؤسِّس خلال سنواتٍ معدودة امبراطورية «جطو» في صناعة الأحذية، والتي تحوّلت  إلى إحدى أكبر الإمبراطوريات الاستثمارية، إذ تتوزّع منتجاتها في الداخل والخارج.

امتدّت شهرة منتجات الشركة إلى القصر الحاكم، بعدما أُعجب الملك الراحل، الحسن الثاني، بدقّة منتجات الشركة وجودتها، وواظب على شراء مستلزماته منها، مُساهمًا بهذه الخطوة في نمو تعاملات الشركة التجارية، ومُحققًا لصاحبها نفوذًا واسعًا، وشهرة استثنائية، ساعدته على مُناطحة الجميع من رجال المال.

النجاح الكبير المتعلّق بجطّو في مجال صناعة الأحذية دفعه إلى الاستثمار في قطاعات أخرى مثل الجلد والعقار والبناء والخدمات والنسيج، ليصير خلال سنوات، واحدًا من كبار رجال المال النافذين باستثماراتٍ واسعة، عززتها صِلاته مع القصر، وارتياح الملك له، وافتتانه بالأحذية وأناقتها الشديدة، التي كان يعتبرها «ضرورية من أجل اكتمال أناقة وأبهة مظهره».

لم تمضِ العلاقة بين الملك وجطّو على هذا النحو؛ ليتحوّل البائع، بمرور السنوات، إلى صديقٍ يثقُ فيه الملك، ويأخذ برأيه في الكثير من القضايا الداخلية، ويستعين برأيه دومًا في إدارة استثمارات المملكة، قبل أن يُعيّنه الملك الراحل وزيرًا للتجارة الخارجية سنة 1994، ثمّ أصبح وزيرًا للمالية عام 1997، قبل أن يغادر الحكومة ويعود إلى أعماله التجارية.

تحوّل جطو عبر سنوات، إلى الرجل الذي يثق فيه الملك، مانحًا إيّاه صلاحياتٍ واسعة، بعدما عرف عنه استقامته ودقّة سياساته، قبل أن تُثير هذه العلاقة غيْرة الكثير من أقرانه من الوزراء، ليقع صدامٌ بينه وبين وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، إذ قرر الأخير على إثرها الإطاحة به، والتهيئة للملك بأنّه معترض على حملة التطهير التي أعلنها.

كان «جطو» يقف أمام هذه الحملة بالفعل، ويعترض على طريقة تنفيذها، معتقدًا أن هذه الآلية التي يتبنّاها وزير الداخلية ستؤدي إلى الإطاحة بمئات التجّار الصغار والمتوسطين، وهو الأمر الذي تحقّق بعد ذلك، واكتشف الملك الخطأ الكبير الذي وقع فيه جرّاء تنفيذ هذه الطريقة، والتي أدت إلى توقيف ما يزيد عن 1200 مستثمر، وانتهت في النهاية إلى إعلان الحسن الثاني صدور عفو لصالح جميع المعتقلين على خلفية هذا الملف في 16 أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1997.

عقب الإقالة، عاد جطّو من جديد، لممارسة أعماله التجارية، واستثماراته الضخمة داخل وخارج بلاده، إلى جانب الانخراط في تأسيس جمعيات معنيّة بمساعدة الأسر الفقيرة، والشباب على أعمالهم التجارية، سواء بتقديم منح مالية أو قروض لهم بشروط ميسّرة، من خلال الجمعية التي أسّستها «الأمانة»، المختصّة في القروض الصغيرة، والتي تحولت إلى الآلية الأهم داخل المجتمع المغربي لتقديم يد العون للشباب الطامحين، فضلًا عن دورها في محاربة الفقر والتهميش.

«المدرسة المولوية».. مصنع القادة الذي احتضن صُنّاع القرار في المغرب

 

النفوذ المفقود يعود من جديد في عهد الملك الابن

عقب خلافة محمد السادس لوالده في الحُكم، وخلال سنواته الأولى في تعيين رجال جُدد له في كافة القطاعات، كان على رأس هؤلاء جطّو، الذي استدعاه مُجدّدًا بصلاحياتٍ أوسع مما كان يستحوذ عليها خلال عهد والده، ليصير مؤتمنًا من جانب الملك على استثمارات العائلة المالكة، ومخوّلًا بسلطاتٍ واسعة، وصلاحياتٍ مُطلقة في إدارتها.

Embed from Getty Images

إدريس جطّو (يمين)

في مُقدمة هذه الاستثمارات، مجموعة «سيجر»، التابعة لـ«الهولدينغ الملكي»، كما اشتغل بـ«المكتب الشريف للفوسفاط»، إحدى أثرى المؤسسات الاقتصادية المغربية. و«الهولدينغ الملكي»، هو الاسم الذي يُعرف به الصندوق الاستثماري المملوك للعائلة المالكة في المغرب، الذي تحوّل لعملاق مالي وصناعي وخدميّ يحتكر أغلب القطاعات، ويُضمّ كياناتٍ تجارية عملاقة، كـ«الشركة الوطنية للاستثمار» (SNL) و«مجموعة أومنيوم شمال إفريقيا» (ONA) التي تأسست في العشرينيات، و«شركة سيجر القابضة» (SIGER)، وبنوك داخل وخارج البلاد.

ويُساهم أشقاء الملك بنسبٍ متفاوتة في هذه الإمبراطورية المالية التي تتّسع داخل البلاد وخارجها؛ وإن كان الملك محمد السادس هو صاحب الحصة الأكبر من هذه الاستثمارات، وصاحب القرارات الأكثر تأثيرًا في رسم حدود هذه المملكة الاستثمارية.

ساهم النجاح اللافت لجطو في إدارة استثمارات العائلة المالكة، وقدرته على نسج صِلاتٍ نافذة داخل وخارج البلد، إلى شدّ أنظار الملك عنه من جديد، لتوظيف قدراته في السياسة، وإسناد منصب رئيس الوزراء (وزير أول) له، وذلك في عام 2002، ويقترب أكثر للملك، متحوّلًا إلى الآمر الناهي في القصر الحاكم، بدعمٍ من الملك.

عزّز جطو من صلاحياته، خلال عهدته في رئاسة الوزراء، التي امتدت خمس سنوات من 2002 إلى 2007، خصوصًا مع تحسّن الوضع الاقتصادي نسبيًّا، وحصوله علي إجماعٍ سياسيّ كونه ليس حزبيًا، ويقدّم نفسه دومًا بـ«التكنوقراط»، إذ يرى بن يونس المرزوقي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة وجدة، في تصريحه لموقع «أصوات مغاربية» أن «تعيين جطو وزيرًا أول سنة 2002 جعل منه الورقة التي قلبت رأس الحكومة من التوجهات السياسية التي شرعت فيها حكومة التناوب إلى توجهات اقتصادية، جعلته يحصل على إجماع كل الأحزاب السياسية».

لم يستمر «جطو» في المنصب، وعاد من جديد لمزاولة أنشطته التجارية، بعيدًا عن المشهد الحكومي والسياسي لخمسِ سنواتٍ أخرى، قبل أن يعود من جديد عبر استدعاء من جانب الملك لمنصب أكثر تأثيرًا ونفاذًا، متمثلًا في منصب قيادته لـ«المجلس الأعلى للحسابات»، والتي تعدّ أعلى هيئة حكومية رقابية على مالية القطاعات العمومية المختلفة.

لماذا يغضب الشعب من الوضع الصحي في المغرب؟

رجل بِسبعة أرواح.. عودة جطّو من جديد إلى القصر الملكيّ

«رجل ثقة القصر الملكي» أو «رجل العهد الجديد»، كُلها مسميات تُطلق على جطو، بعدما وقع عليه الاختيار من جانب الملك، عام 2012، لرئاسة المجلس الأعلى للحسابات، بصلاحياتٍ واسعة وسلطاتٍ مفتوحة، وهي المؤسسة التي تعدّ أعلى هيئة حكومية رقابية على مالية القطاعات العمومية المختلفة.

وتحولت التقارير الصادرة عن المجلس إلى دافع رئيسي للملك في إعفاء مسؤول من عدمه، دون اعتبار لمنصبه، وتصير أشبه بـ«الزلزال السياسي» في المغرب، كما يصفونها، بعدما باتت المرجع الرئيسي للملك في أي قضية فساد أو تقصير حكومي.

وقد مُنح المجلس صلاحيات استثنائية بعدما تم تكليف جطو شخصيًا من جانب الملك، في إحدى خطاباته بإنجاز تقارير حول تقصير تنفيذ بعض المشاريع، ليصبح الآمر الناهي، الذي يُعفي من يشاء من المسؤولين، ويهابه الجميع.

واحدة من هذه القضايا التي نال بعدها جطو ثقة الملك، وصلاحيات أوسع لمجلسه، هو مشروع «الحسيمة منارة المتوسط» الذي بدأ العمل فيه منذ عام 2015، وأدى تباطؤ الحكومة في استكماله إلى نشوب تظاهرات احتجاجية واسعة بمنطقة الريف، واجهتها الحكومة بالقمع الأمني لها من خلال إطلاق حملة اعتقالات لمئات النشطاء.

«فؤاد عالي الهمّة».. رجل الظلّ الذي يحكم المغرب بعيدًا عن الأضواء

غير أن الحلول الأمنية لم تكن كافية؛ ليصدر الملك تكليفًا إلى مجلس جطّو بالتحقيق وراء عدم تنفيذ المشروع؛ وهو التكليف الذي استلمه جطّو كما اعتاد دائمًا، بعدما خرج بتقرير شامل عن كلّ جوانب المشروع؛ ووضعه أمام الملك، وحدد فيه الوزراء المُقصّرين؛ ليصدر الملك سلسلة قرارات إقالة أكبر عدد من المسؤولين في تاريخ المغرب، والتي باتت تعرف بـ«الزلزال السياسي».

ولعب جطّو أدوارًا مشابهة في الكشف عن العديد من وقائع الاختلاسات المالية، فضلًا عن اضطلاعه بإعادة هيكلة العديد من القطاعات التي شهدت الكثير من المشاكل كقطاع الصحة، إذ رصد تقرير للمجلس «ضعف تجهيز عدد من المستشفيات حتى في المدن الكبرى، وخاصة بشأن تخصّصات جراحية دقيقة مثل جراحة المخ والأعصاب وغيرهما، إذ إن افتقار هذه المراكز للمعدات اللازمة يدفع إلى إرجاء المواعيد الطبية مددًا زمنية طويلة».

يصفه بلقاضي بالقول: «جطو رجل ثقة القصر، ومن يحظى بهذه الثقة، يتحول إلى سُلطة قوية تكون لها الفاعلية في كل المسؤوليات التي تسند إليها من طرف هرم السلطة. قوّته تأتي من كيفية اشتغاله، المبنية على السريّة وعدم الانحياز وعدم الخضوع للوبيات، بحكم قربه من الملك».

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!