إن النضج السياسي الإيراني كدولة معتدلة لا يعكس فحسب فشل الخطاب الذي ألقاه نتنياهو في الكونغرس، وإنما يلهم أيضًا الولايات المتحدة لإنجاز اتفاق نووي. وإن الإصرار على كون إيران تشكل تهديدًا بني على أوهام أنها لم تتغير منذ قيام الثورة الإسلامية. إلا أن ثمة ثلاثة مؤشرات تبرز تطورًا جذريًا في سياسة إيران تجاه المنطقة. بما في ذلك التواجد العسكري الإيراني البناء في المنطقة، ودورها السلمي والمتزن في حل المشكلات السياسية والثقافية من خلال الأمم المتحدة والمحافل الإقليمية، ومجتمعها المثقف والمتطور الذي يضمن عدم حدوث ردة في وجهتي التطور الأخريين.

إن إيران هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتحالف بحق مع الولايات المتحدة في حربها ضد «داعش». فالتواجد العسكري للحرس الثوري الإيراني جاء دفاعًا عن وحدة العراق امتد من مدينة أربيل الكردية وحتى العاصمة بغداد متعددة الأعراق. وهذا يحدث في الوقت الذي تتباطأ فيه تركيا عن إعلان داعش كمنظمة إرهابية، وإدراك السعودية العام الماضي فقط أن عليها قطع التمويل عن «داعش»، وتخلي سلاح الجو الإماراتي عن دعم التحالف الدولي في ديسمبر الماضي.

إن أساس هذه المسألة ليس فقط التواجد التكتيكي للحرس الثوري الإيراني، وإنما تبريرهم الاستراتيجي لمثل هذا التواجد. فقد صرح عدد من قادة مجلس الأمن القومي الإيراني الأعلى أنه إن لم تقاتل إيران تنظيم داعش في سامراء، سيتعين عليها التصدي له في طهران، وذلك أن يشيروا إلى الجهاد أو تحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي. وهذا يعتبر تطورًا هائلاً بحيث حول الحرس الثوري الإيراني مهمته من كونه قوة متنقلة مثالية ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها إلى قوة وطنية واقعية تقتصر على حدود الدفاع عن إيران.

في الواقع، إن هذا النضج في الموقف الإيراني ليس ظاهرة جديدة. فخلال العقدين الماضيين، تكرر هذا الموقف في مواقف منفصلة، ولكن ليس بهذا الوضوح. إن السلوك الإيراني في المنطقة يظهر تاريخًا من الجنوح إلى السلم وحل المشكلات. على سبيل المثال، التعاون الإيراني الخفي مع الولايات المتحدة خلال الحرب على طالبان، وتهدئتها وتحكمها في المتطرفين الشيعة في العراق، ودورها كوسيط بين أذربيجان وأرمينيا، وإجبارها نظام الأسد على الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح الكيماوي وتفكيك ترسانته الكيماوية، وموقفها الثابت ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتجنبها التشدد في المواقف فيما يخص عددًا من مشكلات المنطقة، بدءًا من الشيشان وصولاً إلى انتفاضة البحرين. كما أن السلوك الاحترافي للبحرية الإيرانية والأميركية في الخليج الفارسي في العقدين الأخيرين هو مثال آخر على إمكانية التناغم والتعاون في المنطقة.

إلا أن الدعم الإيراني لحزب الله الشيعي وحماس السنية ضد إسرائيل يمثل موقفًا عدوانيًا يتخطى الحدود الإيرانية. لكن هذا الدعم يوضح أيضًا الالتزام بالقضايا الدينية المشتركة. فحقيقة أن أغلبية قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي جرى تخصيصها للقضية الفلسطينية يثبت الأهمية العالمية لهذه المشكلة لكل المسلمين وليس لإيران فقط.

لم تؤد فقط العقود الطويلة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو ثماني سنوات من الحرب الدموية مع العراق، أو التناحر الداخلي بين الفصائل المختلفة، إلى كبح إيران عن تصدير ثورتها الإسلامية، ولكن دفع بإيران أيضًا إلى حل المشكلات الثقافية والسياسية عبر ضبط النفس والمحافل الدولية، كما كان الحال مع قضية “الافتراء على الأديان” في الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي. فمن الممكن ملاحظة الفارق بين فتوى آية الله الخميني ضد سلمان رشدي وفتوى أية الله خامنئي فيما يخص الرسوم التي نشرتها تشارلي إبدو. فحقيقة إدانة الرئيس الإيراني الهجوم على الصحيفة تتحدث عن نفسها.

كما أن المجتمع الإيراني الحديث الشاب والمثقف والمتحضر صاغ بالفعل هوية جديدة باحتياجات ومشاعر فريدة، التي أخذت في بعض الأحيان الأجيال السابقة على حين غرة. أحد مظاهر هذا التطور الاجتماعي هو الحشد الهائل الذي شارك في جنازة مغني البوب مرتضى باشاي. وهذا يظهر تغيرًا هائلاً داخل المجتمع الإيراني نحو نبذ العنف والإلهام البشري الذي يمكن أن يقدم ضمانات اجتماعية لاستكمال السير على النهج السلمي.

لقد آن الأوان أن تستبدل الولايات المتحدة سياسة الإكراه بسياسة التحاور. وهذا يشمل احترام الاحتياجات التكنولوجية الشرعية لإيران وإنهاء العقوبات لتجنب إيذاء الطبقة المتوسطة، عوضًا عن التضييق على أنشطة إيران النووية «المشبوهة».

إن التفاوض مع إيران حول صفقة نووية وقبول حقها في تخصيب اليورانيوم، إلى جانب قرار شجاع منها بنبذ كل أنشطتها السابقة هو قرار عقلاني يصب في مصلحة كلا الجانبين على المدى الطويل. فإيجاد شرق أوسط بلا سباق نووي وبدون إرهابيي داعش يتطلب تعاونًا كاملاً مع إيران على أنها صديق وليست عدوًا.

كاتب المقال: منصور سلسبيلي، دبلوماسي إيراني سابق، وزميل في برنامج الأمن الدولي في كُلية «هارفرد كينيدي» للسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد