2,744

شهدت إيران في عام 2017 أحداثًا قد تقلب منطقة الشرق الأوسط رأسًا على عقب؛ فبداية من انتخاب الرئيس حسن روحاني لولايةٍ ثانية، ونجاحها في الإبقاء على نظام بشار الأسد في سوريا، وصولًا لآخر تطورات الحرب في اليمن، اكتسبت إيران رقعةً جديدة لصالحها في لُعبة شطرنج الشرق الأوسط هذا العام، مُكتسحة الكثير من مناطق السيطرة والنفوذ، ساحبة البساط من تحت قدمي غريمتها وعدوتها اللدود في المنطقة، المملكة السعودية، واضعة ولي العهد السعودي الشاب «محمد بن سلمان» في موقفٍ حرج؛ لإثبات وجوده خارج نطاق حدود مملكته.

هل المظاهرات التي شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ الساعات الأخيرة من 2017 ستغير قوانين اللُعبة، أم أنها ستظل الرابح الأكبر فيما يخص المكاسب الخارجية، في الصراع الكبير بالمنطقة بينها وبين المملكة؟

السعودية وإيران.. تكلفة الحرب السرية

«طبول الحرب العالمية الثالثة تدق»، هكذا وصفت عناوين وكالات الأنباء الوضع السعودي-الإيراني في الأسبوع الأخير؛ إذ هددت السعودية بإنشاء اليورانيوم المخصب، بحسب اتفاقية تطوير برنامج نووي مدني بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما اعتبره محللون سياسيون في وكالة الأنباء البريطانية «إكبريس»، ردًا على تطوير إيران لبرنامجها النووي.

يقول عن ذلك الأمير السعودي «تركي الفيصل»، أن المملكة العربية السعودية سيكون لها نفس حقوق الأعضاء الآخرين في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بما في ذلك إيران، وهو الأمر الذي أثار ريبة المحللين السياسيين، مُشيرين إلى أن المنطقة العربية الآن ستدخل في فصلٍ جديدٍ من الصراع السعودي-الإيراني؛ إذ يعد وجود مفاعلات نووية في المنطقة مؤشرًا خطيرًا، خاصةً مع الأحداث الأخيرة التي تشهدها حرب اليمن، والتي يتم اعتبارها حربًَا بالوكالة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين المملكة العربية السعودية.

وهو ما أثار مخاوف المحلل السياسي، ماركوس شيفنيكس، من أن تصبح أماكن المحطات النووية – فيما بعد – أهدافًا للهجمات الصاروخية التي يشنها المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران؛ مما ينبئ باحتمالية هجوم مباشر بين البلدين، قد يكون لإيران فيه اليد العليا.

منذ زمن بعيد، والسعودية وإيران خصمين في صراعٍ إقليمي بالشرق الأوسط على النفوذ والزعامة، إلا أن الصراع قد اشتد، ووصل إلى ذروته في العام الأخير 2017؛ إذ كان لإيران اليد العليا في أكثر من ساحة حرب في الشرق الأوسط، وطالت الحرب السرية الدائرة بين الدولتين على أراضٍ لبنانية وسورية وأخيرًا يمنية، أراضي المملكة العربية السعودية ذاتها، خاصةً في حرب اليمن الواقعة على الحدود الجنوبية للمملكة، فتم استغلال هذا الحد الجنوبي في توجيه هجماتٍ موجعة داخل الأراضي السعودية.

يقول محمد بن سلمان ولي العهد السعودي: «إننا لن ننتظر لأن تكون المعركة القادمة في السعودية، بل سنعمل على دحرهم في عقر دارهم: إيران»، مُشيرًا إلى أن الهدف الرئيس للجمهورية الإيرانية هو السيطرة على الأماكن المقدسة، وهو ما لن يسمح به أبدًا.

إلا أن الحرب – السعودية الإيرانية – لم تكن يومًا حربًا مقدسة في نظر الكثيرين، ففضلًا عن أن الدولتين قد كبدتا الشعوب السورية واليمنية، خاصةً خسائر بشرية فادحة، إلا أن الشعب السعودي على الحدود الجنوبية مع اليمن، قد قاسى أيضًا من ويلات الحرب، وعلى الرغم من قلة عدد القتلى مقارنةً بالشعب اليمني، والمجاعات، ووباء الكوليرا الذي يأكل أجساد اليمنيين، إلا أن وصول الحرب للأراضي السعودية ذاتها يعد في نظر الكثيرين انتصارًا إيرانيًا.

في العقود الأخيرة، وخاصةً بعد الغزو الأمريكي للعراق، انحصر الصراع – السعودي الإيراني – حول الدولة المركز للنظام الإقليمي الفرعي في الخليج؛ وهو ما دفع كلًا منهما إلى بناء استراتيجية تعزز من وجوده في الإقليم، فدخلت الدولتان في سباقٍ من التسلح، أصبحت السعودية خلاله صاحبة «أكبر إنفاق عسكري» في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ إذ إن الإنفاق العام على الجيش السعودي يتخطى الإنفاق العسكري للجيش الإيراني بمليارات الدولارات؛ ووصل إلى 63.7 مليار دولار في مقابلة نظيره الإيراني الذي لم يتخط 12.3 مليار دولار، إلا أن تعداد الجيش نفسه لم يتخط 230 ألف جندي في الخدمة، و325 ألف جندي احتياطي؛ جاء ذلك في مقابلة 550 ألف تعداد الجنود الإيرانيين في الخدمة، ومليون و800 ألف جندي احتياطي، كما يتفوق الجانب الإيراني في تعداد صواريخ المدفعية وامتلاكه أسطولًا بحريًا كبيرًَا مقارنةً بالأسطول السعودي، وتتقارب معدات القوتين بالنسبة للقوات الجوية.

اقرأ أيضًا: مترجم: في السياسة والاقتصاد والأمن.. مقارنة دقيقة بين خامنئي وابن سلمان

لكن وعلى الرغم من هذا الإنفاق العسكري المهول من الجانب السعودي، إلا أن خسائرها المادية في حرب اليمن قد فاقت الحد؛ فيشير تقرير موقع «المونيتور» إلى أن المساعدات المُقدمة من قبل إيران للحوثيين في اليمن لا تضاهي في شيء تكلفة الحرب السعودية هناك؛ إذ تكبدت السعودية خسائر مادية فادحة وصلت تكلفة اليوم الواحد فيها إلى 200 مليون دولار على مدار أكثر من عامين، بحسب دراسة أخيرة لجامعة هارفارد، وفي تقريرٍ آخر تمت الإشارة إلى أن المملكة العربية قد اضطرت لبيع حوالي 1.2 مليار دولار من إجمالي أسهمها الأوروبية البالغة 9.2 مليار دولار لتمويل الحملة، كما أنها كان لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد السعودي، أدت إلى تدهوره.

اقرأ أيضًا: كيف فشل ابن سلمان من اليمن إلى لبنان؟

وعلى صعيدٍ آخر يشير المحلل السياسي ديفيد هيرست في تقريره «إيران تربح .. السعودية تخسر» إلى أن إيران التي أطلق جورج بوش عام 2002 عليها لقب «محور الشر» ضمن مجموعة من الدول، والتي عانت لمدة 20 عامًا من العقوبات الأمريكية – قد استطاعت الاستفادة من عزلتها؛ إذ طورت قيادة مركزية موحدة، واستراتيجية واضحة، اعتمدت فيها على مواردها الخاصة، فأنشأت مجمعًا صناعيًا عسكريًا خاصًا بها يمكنها من صناعة أسلحة متطورة، هذا بالإضافة إلى اقتصادها النفطي، كما استطاعت أن تستغل الأحداث الدائرة في منطقة الشرق الأوسط لصالحها، من خلال ضمان عمق استراتيجي في كل من سوريا والعراق، مُستكملًا: «أكبر درس تعلمته إيران من أحداث 11 سبتمبر هو: إذا أردت تحقيق شيئًا كدولة، فعليك أن تكون قادرًا على الدفاع عن نفسك أولًا، وبهذا التصميم أصبحت إيران أكبر قوة عسكرية وسياسية مهيمنة في المنطقة».

استخدمت إيران ثلاثة محاور لتحقيق أهدافها، كان أولها تعزيز روابطها في بعض مناطق المنطقة العربية، وتلك الروابط لم تبن بتقديم المساعدات العسكرية فقط، بل قدمت إيران بنية تحتية من خلال الدعم المادي في المدارس والمستشفيات والخدمات المحلية، والثاني كان ملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية والبريطانية في جنوب العراق، أما الثالث فكان المرونة في عقد الصفقات مع الأعداء إن اقتضى الأمر.

ويضيف «هيرست» إن هذا بالضبط ما لم تفعله السعودية في الشرق الأوسط؛ إذ إنها لم تحافظ على تحالفاتها، بل تحمل أجندات سياسية مختلفة ومُتغيرة في كل دولةٍ على حدة، كما أنها لا تمتلك استراتيجية موحدة، وجيشها لا يستطيع الدفاع عن حدودها في حالة حدوث هجوم مسلح.

كل هذا يشير إلى أن إيران في المجمل قد ربحت معركتها مع السعودية في جولة عام 2017، وفي السطور التالية سنعرض لكم الجبهات التي تمكنت إيران من تعزيز نفوذها داخلها.

كيف أصبحت «إيران» هي الرابح الوحيد في حرب العراق؟

«العراق ليس لديه أي شيء يقدمه إلى إيران، ولكن إيران لديها كل ما يحتاجه العراق». – فاهيد غاتشي المسؤول الإيراني عن المعبر الحدودي للعراق

في العراق، إذا اقتربت من أي سوق من الأسواق، ستجد البضائع الإيرانية على الأرفف في كل مكان، المباني التي ترتفع في السماء من المرجح أن مواد البناء والطوب والأسمنت قد جاءت من إيران، والقنوات التلفزيونية التي يشاهدها قطاع عريض من الشعب العراقي تبث برامج متعاطفة مع إيران، وحتى الشباب الصغار الذين يشعرون بالملل ويواجهونه بالحبوب المخدرة، فمن المحتمل أن تكون المخدرات غير المشروعة قد تم تهريبها عبر الأراضي الإيرانية، هذا ما جاء في تقرير «النيويورك تايمز» عن استحواذ الجمهورية الإيرانية على أدق تفاصيل التجارة المشروعة وغير المشروعة في الأراضي العراقية؛ مما يؤكد أن إيران لديها فعلًا كل ما يحتاجه العراق، لكن هل العراق ليس لديه شيئًا يقدمه إلى إيران، كما أشار فاهيد غاتشي المسؤول الإيراني؟

شهدت السنوات الأخيرة صراعاتٍ عدة على النفوذ الأكبر في المنطقة العربية، وكانت العراق هي إحدى المناطق المتنازع عليها؛ إذ سعت إيران إلى توجيه سياساتها سرًا إلى العراق، إبان الغزو الأمريكي عام 2003، مُستغلة حالة الفوضى التي شهدتها البلاد، حيث كان الجنرال سليماني «قائد قوة القدس» حينذاك هو المسؤول عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين، في الهجمات التي شنتها المليشيات الخاضعة لسيطرته في الأراضي العراقية، فكان سليماني هو العقل المدبر في مبادرتين من مبادرات السياسة الخارجية الإيرانية، وتوسيع نطاق نفوذ طهران في السياسة الداخلية للعراق؛ وعلى الرغم من سياسات إيران المناهضة لسياسة صدام حسين في المنطقة، إلا أنه كان المسؤول عن حرب الظل التي شنتها إيران في العراق إبان الإحتلال الأمريكي، لكسبها كولاية إيرانية وفق بعض المحللين.

في الحقيقة لم تكن العراق هي البداية، بل جزءًا صغيرًا في مشروع التوسع الإيراني، والذي شمل قبل ذلك لبنان وسوريا، ثم اليمن وأفغانستان.

كانت العراق هي الحلقة الأسهل، خاصةً وأنها دولة ذات أغلبية شيعية، وذلك طبقًا لبعض الإحصاءات غير الرسمية لإحصاءات عام 2017، وهو التوجه الديني الإيراني، فسعت الدولة الإيرانية للسيطرة على جارتها، بحيث لا يمكن للعراق أن يهددها عسكريًا مرةً أخرى، ورغبةً في السيطرة على الممر الممتد من طهران وصولًا إلى البحر المتوسط، أي عبر السيطرة على العراق وسوريا.

بحسب «النيويورك تايمز»، يبدو أن الخطة الإيرانية في المنطقة العراقية قد نجحت، فقد تمكنت إيران من زراعة وزراء وسياسيين موالين لها داخل الحكومة العراقية ذاتها، إضافةً إلى البرلمان، كما عملت على تدريب المليشيات الشيعية في العراق؛ وذلك من أجل محاربة قوات «تنظيم الدولة الإسلامية»، وللسيطرة على المناطق الحدودية مع سوريا، وإنشاء ممر لنقل الرجال والبنادق إلى القوات التابعة للجمهورية الإيرانية في سوريا ولبنان.

وعلى الرغم من تحسن العلاقات السعودية العراقية في الآونة الأخيرة؛ إذ طبقًا لوكالة الـ«بي بي سي» (BBC) الإخبارية شهدت الشهور القليلة الماضية تحسنًا ملحوظًا؛ فبعد أكثر من ربع قرن من القطيعة، زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المملكة العربية السعودية مرتين، وعادت الرحلات الجوية بين البلدين، كما أعيد العمل على معبر «بربر» البري، وهو تقدم ملحوظ، إلا أنه لا يضاهي سيطرة إيران على كل مفاصل الدولة العراقية.

وفي 2017 كانت الخطوة الحاسمة لصالح إيران في منطقة العراق؛ إذ أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي نهاية «تنظيم الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا على حدٍ سواء؛ إذ أشار تقرير للجزيرة إلى أن قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، قد بعث برسالة إلى مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، تعلن نهاية تنظيم الدولة الإسلامية، في كل من سوريا والعراق، وذلك بعد استعادة قوات النظام السوري كل من مدينتي البوكمال والرقة السورية، كما استعادت العراق مدينة الموصل في يوليو (تموز) الماضي، مقدرًا حجم الأضرار التي لحقت بالعراق وسوريا بنحو 500 مليار دولار، مُشيرًا إلى الدور الكبير الذي لعبته إيران في تقديم الدعم للدولتين خلال حربها، وهي الخطوة التي تعد على الرغم من خسائرها المادية، إلا أنها أكسبت إيران ورقتين رابحتين في المنطقة العربية، وذلك من خلال المكاسب الجغرافية التي اكتسبتها إيران في تلك الفترة.

إقرأ أيضًا: العراق يعلن النصر.. بالأرقام تعرف على خسارة العراق في حربه ضد «داعش»

سوريا.. نفوذ إيران من نفوذ بشار الأسد

لم يشهد عام 2017 نجاح إيران في حربها ضد مليشيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق فقط، بل ارتبط هذا النجاح أيضًا باكتسابها لأرضًا جديدة داخل سوريا، إذ بانتهاء تنظيم الدولة الإسلامية في كلتا الدولتين، وبخسارته لمدينتي البوكمال والرقة السورية، استطاعت إيران الحفاظ على نظام بشار الأسد، والذي يعد حفاظًا على نفوذها في الأراضي السورية ذاتها.

في بحثٍ تابع لمركز الفكر الاستراتيجي للدراسات بعنوان «النفوذ الإيراني في المنطقة العربية بعد سقوط حلب»، تشير وحدة الرصد والتحليل التابعة للمركز، إلى أن نفوذ إيران في سورية من نفوذ بشار الأسد، وذلك بدعمٍ روسي؛ إذ أصبحت سوريا في الآونة الأخيرة هي خط الهجوم والدفاع الأول لإيران وحلفائها في العراق ولبنان.

سعت إيران بعد الربيع العربي إلى مد نفوذها البري إلى سوريا، وذلك من خلال سيطرتها على جنوب العراق؛ إذ سيطرت مليشياتها على المناطق الحدودية العراقية-السورية، كما عملت على نقل الرجال والأسلحة إلى الأراضي السورية عبر الممر البري الواصل بين البلدين، وكانت روسيا، بحسب تقرير «أورينت»، تقوم بعمل غطاء جوي للمليشيات الإيرانية المقاتلة برًا، وذلك لدعم حليفهم في المنطقة العربية «بشار الأسد».

لم يأت تعاون إيران مع النظام السوري اعتباطيًا، بل جاء بهدفِ جعل إيران قوة إقليمية حقيقية؛ إذ يعتبر نظام الأسد حجر الأساس الذي تستند إليه إيران؛ حتى لا تصبح معزولة في العراق، ومن هنا أصبحت سوريا واحدة من أكبر بؤر النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط.

يشير تقرير مركز كارنيغي عن «انتهاء الحرب السورية»، وماذا بعد الحرب، إلى أن انتصار النظام وحلفائه على تنظيم الدولة الإسلامية، يجعل الرابح الأكبر في المنطقة في 2017 هي طهران، وعلى المستوى العالمي روسيا، ورئيسها «فلاديمير بوتين»، متسائلًا: هل ستكرر روسيا نفس سيناريو الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان، لتخرج إيران أيضًا هي الرابح الوحيد؟

وهو الأمر الذي شبهه الكاتب حازم الأمين في مقاله «في معنى أن تنتصر طهران»، بأن الأمر أشبه بولادة مسخ، أشد قُبحًا من تنظيم الدولة ذاته؛ بحسب رأيه؛ إذ تسعى إيران إلى تحريك صراعات المنطقة لصالحها كالدمى بحسبه، مُشيرًا إلى أن إيران قد حاربت في سوريا، وانتصرت بجيوشٍ ليست إيرانية ومليشيات من العراق وحزب الله اللبناني والمليشيات السورية المستحدثة.

اقرأ أيضًا: قبل أن تضع الحرب أوزارها.. خريطة متكاملة لكل ما حدث في سوريا خلال 2017

حزب الله والنفوذ الإيراني في «لبنان»

تاريخيًا، تبدأ العلاقات الإيرانية – اللبنانية منذ تأسيس إسماعيل الأول الصفوي «الدولة الصفوية» عام 1501، وهو تاريخ ممتد لما بعد الثورة الإيرانية 1979؛ إذ لعبت إيران دورًا أساسيًا في نشأة «حزب الله» اللبناني عام 1982، وقد استطاعت من خلاله تعزيز شعبيتها في الأراضي اللبنانية، تحت عنوان الدفاع عن لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ وبدعمٍ إيراني سيطر حزب الله على مفاصل الدولة اللبنانية السياسية والإقتصادية والعسكرية، حتى أصبح هو المسؤول السياسي الأول للطائفة الشيعية في لبنان، والمهيمن على الثقافة الدينية، حتى غدا الحزب ورقة تضغط بها إيران على الدولة اللبنانية ذاتها في حالة اتخاذ أية قراراتٍ ضد مصالحها؛ إذ وبعد الاعتداءات على السفارة السعودية في طهران، ضغط حزب الله على الحكومة اللبنانية ذاتها، فامتنعت عن إدانة الاعتداءات؛ مما أدى بالرياض إلى وقف المساعدات المالية والعسكرية للبنان والمقدرة بنحو 4 مليارات دولار.

وفي عام 2017، كان حزب الله ظاهرًا بقوة في المعارك الإيرانية؛ إذ شارك في الحرب السورية ضمن مليشيات إيران، كما تم تسجيل الذراع العسكري لحزب الله المدعوم من طهران في أكثر من معركة في حرب اليمن، هذا إلى جانب معارك العراق منذ بدايتها، وهو الأمر الذي اعتبرته بعض وسائل الإعلام سببًا وراء تصنيف الحزب كمنظمة إرهابية، من قبل الأمين العام لجامعة الدول العربية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ إلا أن وكالة الـ«سي إن إن» الإخبارية (CNN) قد أوضحت في تقريرٍ قديم لها أن اعتبار الحزب منظمة إرهابية قد يكون جولة أخرى في الحرب الخفية الدائرة ما بين السعودية وإيران.

اقرأ أيضًا: هكذا ساهم ابن سلمان في توحيد لبنان دون أن يقصد

والحقيقة أن حزب الله لم ينكر ولاءه لإيران، إذ ظهر حسن نصر الله الأمين العام للحزب في أكثر من مناسبة، مُعلنًا أن ميزانية الحزب بأكملها، إيرانية، وأن هذه الشهادة يحملها وسامًا على صدره.

اتخذت إيران والسعودية من لبنان ساحة حرب لصراعمها طوال عقودٍ طويلة، ضخت فيها السعودية الأموال، إلى الداخل اللبناني، إلا أنها اكتشفت في النهاية سيطرة حزب الله على كل مفاصل الدولة، ولكن الشهر الأخير على الساحة اللبنانية قد شهد تطورًا في الأحداث، وتصعيدًا من الجانب السعودي؛ إذ أعلن سعد الحريري «رئيس مجلس الوزراء اللبناني» استقالته من الرياض في ظروفٍ غامضة، وقد كان الحريري هو الحليف الرئيس للسعودية في لبنان؛ إذ أتى تكليف سعد الحريري «ذي التوجه الديني السني»، برئاسة مجلس الوزراء، في صفقةٍ تقرر بموجبها القبول بـ«ميشال عون» رئيسًا للبلاد، وهو مرشح حزب الله الأول.

جاء قرار الاستقالة في شكل ضغطٍ سعودي، من أجل كسر الصفقة اللبنانية، وتهديد استقرار البلاد، لإعادتها مرة أخرى إلى حالة الفوضى التي شهدتها قبل عامين ونصف؛ ما عمل على تصعيد الصراع السعودي-الإيراني، وعلى الرغم من أن الحريري عُرف كحليفٍ للسعودية في لبنان، إلا أن السعودية بهذا القرار قد خسرت حليفها الرئيس؛ إذ أفقدته مصداقيته أمام خصومه، فظهر الأمر وكأن الحريري لا يمتلك حرية قراراته بنفسه، وذلك وفقًا لمركز «الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية».

ومن جانبه، جاء رد الرئيس اللبناني على الاستقالة في شكل تصعيد ضد المملكة العربية السعودية؛ إذ اتهم المملكة باختطاف الحريري، وطالبها بتقديم توضيحات عن وضعه، وهو ما حمل الحريري بعد عودته على تعليق استقالته، وعمل على ازدياد الاحتقان اللبناني ضد المملكة العربية، إذ فقدت المملكة تأييد قطاعات كبيرة ممن ينتمون للمذهب السني في لبنان، هذا إضافة إلى فقدانها لحليفها الأساسي – سعد الحريري – والذي أصبح مدينًا للرئيس اللبناني وحزب الله بتحريره.

(تصعيد الرئيس اللبناني ضد السعودية ردًا على إستقالة الحريري)

اقرأ أيضًا: «استقالة الحريري» بين المفاجأة والتخطيط.. هل تبدأ من هنا الحرب ضد إيران؟

«حرب اليمن».. فراغ سلطة استغله الإيرانيون

في تقريرٍ لوكالة «سي إن بي سي» الإخبارية، أعربت المحللة السياسية هولي إليات عن أن حرب اليمن كانت حربًا سعودية إيرانية على أرضٍ خارجية، قد جاءت نتيجة لحالة الفراغ السلطوي الذي عانت منه منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، بعد أن انسحب منها قطبا الحرب الباردة: روسيا والولايات المتحدة، وهي حالة جديدة على الشرق الأوسط، استغلتها إيران لصالحها؛ إذ عاونت إيران الحوثيين ذوي الميول الدينية الشيعية، وعلى رأسهم على عبد الله صالح الرئيس السابق لليمن، ضد الرئيس الثاني لليمن «عبد ربه منصور هادي» المدعوم من السعودية، وهي الحرب التي راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 8600 قتيل، وعاني جراءها ملايين اليمنيين من المجاعة، بينما انتشرت بينهم الأوبئة.

اقرأ أيضًا: اليمن في زمن الكوليرا.. خريطة متكاملة لكل ما حدث في اليمن خلال 2017

طوال أكثر من عامين، ومنذ مارس (أذار) 2015، كانت اليمن هي ساحة المعركة الأساسية بين المملكة العربية السعودية وإيران، وعند انطلاق معركة عاصفة الحزم، ظن التحالف السعودي للرئيس عبد ربه منصور هادي، أن الحرب ستحسم في بدايتها لصالحهم، إلا أن النتائج قد جائت غير متوقعة للجانب السعودي؛ إذ تطورت من فشل يتبعه فشل؛ إذ سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على أشد المناطق نفوذًا وحيوية؛ بدءًا من العاصمة صنعاء، وحتى ميناء الحديدة، والذي يعد واحدًا من أهم الموانئ اليمنية المُطلة على البحر الأحمر، والمُسيطرة على مضيق باب المندب.

في 2017، وعلى الرغم من تطور الأحداث لصالح إيران في اليمن، إلا أن تاريخ الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2017، أو ما عرف بـ«إنتفاضة صنعاء»، قد حمل مفاجأة كادت تؤتي بثمارها لصالح المملكة العربية السعودية؛ إذ أعلن «علي عبد الله صالح» رسميًا انتهاء التحالف بين حزبه «التحالف الشعبي» وبين الحوثيين شركائه القدامى، وهي خطوة بدت وكأنها قد أتخذت باتفاقٍ مسبقٍ مع الرياض.

وهو الأمر الذي احتفل به الإعلام السعودي والإماراتي، واصفين صالح بالرئيس السابق، عوضًا عن الرئيس المخلوع، آملين في تغير مخططات المرحلة القادمة من الحرب لصالح التحالف العربي بقيادة المملكة السعودية، إلا أن الفرحة لم تدم؛ إذ استيقظ المجتمع الدولي، والسعودي خاصة، بعد يومين في الرابع من ديسمبر (كانون الأول)، على خبر مقتل عبد الله صالح على يد الحوثيين، بعد هجومٍ شرس طال مجموعة من الشوارع والأحياء السكنية التي تقع فيها منازل صالح وأقاربه وسياسيي حزبه، كنوعٍ من أنواع الانتقام، أودت بكل الأحلام السعودية بالنصر إلى حيز النسيان.

بمقتل صالح أصبح الحوثيون المدعومون من إيران هم الطرف الأقوى والمسيطر في اليمن؛ إذ يشير تقرير «الجارديان» عن الوضع، إلى أنه بدون صالح تعززت قوة الحوثيين، حتى ولو لأجلٍ قصير، مضيفًا أن قوات صالح ومواليه قد ضعفوا بموته، ودورهم سيكون مهمشًا في الفترة القادمة؛ مما يفرغ الساحة أمام الحوثيين خاصةً في شمال اليمن.

(لحظة إطلاق صاروخ بركان تو إتش الباليستي على قصر اليمامة في الرياض)

ويبدو أن الانتقام الحوثي – الإيراني – من السعودية لم يتوقف عند هذا الحد، إذ شهدت أحداث هذا الشهر إطلاق صاروخ من قبل المتمردين الحوثيين في اليمن نحو المملكة العربية السعودية في ديسمبر (كانون الأول)، وهو الأمر الذي تم وصفه بهجوم عشوائي همجي، وتهديد صريح للمملكة العربية السعودية، وهو ما يشير إليه المحلل السياسي «ماركوس تشينفيكس» على أنه طور جديد في الحرب السعودية – الإيرانية، مُستكملًا: «أتوقع رؤية المزيد من الصواريخ القادمة من اليمن في اتجاه السعودية».

التظاهرات الإيرانية.. هل تؤثر على نجاح إيران

شهدت مجموعة من المدن الإيرانية في الآونة الأخيرة مجموعة من التظاهرات والاحتجاجات ضد حكومة الرئيس حسن روحاني، والتي توقع لها البعض بأنها ربيع إيراني – نسبةً إلى ثورات الربيع العربي – آملين بأن تتمكن التظاهرات من الإطاحة بالرئيس روحاني؛ مما سيؤثر حتمًا على السياسة الخارجية الإيرانية، وتوسعها الأخير في المنطقة العربية.

جاءت التظاهرات بشكلٍ أساسي من أجل الغلاء والبطالة الذي جاء بشكلٍ أساسي نتيجة لأزمة اقتصادية طاحنة شهدتها الدولة الإيرانية في السنوات الأخيرة، إذ فشل الاتفاق النووي في جلب العائدات المالية المتوقعة منها، خاصةً بعد التعقيدات التي لحقت به فيما بعد تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة، إضافة إلى ازدياد التضخم بنسب وصلت إلى 9.6% كما يشير تقرير الجزيرة، كما انتقدت الاحتجاجات بشكلٍ جانبي سياسة التوسع الإيراني، باتهامٍ واضح للحكومة الإيرانية بالتركيز على السياسات الخارجية الهادفة للتوسع وإهمال الداخل الإيراني، فهل أثرت تلك الأزمات الداخلية على النجاح الخارجي الإيراني؟

اقرأ أيضًا: ثورة أم مجرد مظاهرات عادية؟ 7 أسئلة تشرح لك ما يحدث في إيران

في الحقيقة، ليست تلك هي المرة الأولى التي يشهد فيها الداخل الإيراني احتجاجات ضد السلطة، إذ خرج متظاهرون ضد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد عام 2009 ضد إعادة انتخابه مرةً ثانية، على عكس ما جاء في المظاهرات الإيرانية الأخيرة، والتي انحصرت كلها في محيط تغيرات اقتصادية واجتماعية، كما أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية ليست وليدة الأمس، وهو ما يشير إلى أن الاضطراب الذي تشهده الدولة الإيرانية في الداخل، على الرغم من أنه غليان جاء نتيجة تراكمات، إلا أنه على الرغم من ذلك لم يؤثر في السابق على السياسة الخارجية الإيرانية، ولن يؤثر الآن على ما وصلت إليه إيران من نجاحٍ كبير في التوسع الخارجي في المنطقة العربية، على الأقل على المدى القصير، فقد ظهرت قدرة النظام الإيراني على تحجيم المظاهرات في بلاده في الأيام الأخيرة؛ إذ تظل إيران حتى إشعارٍ آخر هي الرابح الأكبر في عام 2017، رغمًا عن الاضطرابات الداخلية.