«الإدارات الأهلية هي الحارس الأمين للتخلف والتبعية في السودان» * الرئيس جعفر النميري

 بعد وصول مفاوضاته مع «قوى الحرية والتغيير» إلى طريقٍ مسدود، اتجه المجلس العسكري إلى استحداث كيان سياسي ظل غائبًا طيلة عقودٍ عن العمل السياسي، عبر الدعوة التي وجهها قائد قوات «الدعم السريع» الفريق حميدتي، إلى الزعامات المحلية وبعض أحزاب النظام القديم -وصفها بالعريقة- التي دعمت البشير حتى بعد سقوطه بهدف الحصول على تفويض شعبي لتشكيل حكومة تكنوقراط لا تهيمن عليها تلك القوى التي شاركت في الثورة. 

فبعد نحو أسبوعٍ من العصيان المدني الذي استمر ثلاثة أيامٍ وشّل الحياة العامة في العاصمة الخرطوم، اجتمع نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق حميدتي بالزعامات المحلية والقبلية وطالبها بـ«القيام بالدور التشريعي إلى حين تهيئة المناخ لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية»، خلال الفترة قد تطول إلى أربع سنوات انتقالية.

هذا التقرير يحاول سبر أغوار سلوك حميدتي، ويستكشف كيف يحاول حميدتي اللعب بورقة القبلية لإفشال الثورة التي لم تنجح بعد.

«على خطى السيسي».. هل يكون ياسر عطا «فرس الرهان الرابح» لعسكر السودان؟

الإدارات الأهلية.. كيف أصبح «أعداء الثورة» ضيوفًا على طاولة المفاوضات؟

برأي محللين، فقد سعى المجلس العسكري منذ البداية إلى الانقلاب على «قوى الحرية والتغيير» التي اتهمها علانية بالسعي للاستئثار بالسُلطة دون إشراك الجيش، عقب الخلافات التي تمثلت حول الاتفاق على تشكيل المجلس السيادي؛ فبينما اقترحت المعارضة أن يضم المجلس ثمانية أعضاء من المدنيين وسبعة من العسكريين، فقد أصرّ المجلس العسكري على أن يكون سبعة من العسكريين وثلاثة من المدنيين.

قمر زين العابدين، أحد قيادات الحركة الإسلامية والحزب الحاكم خلال اجتماعه مع حميدتي لمناقشة صياغة الدستور

وعقب فض اعتصام القيادة العامة بالقوة؛ وجد المجلس العسكري فرصة سانحة لإلغاء كافة اتفاقاته السابقة مع «قوى الحرية والتغيير»، فأعلن تشكيل حكومة تسيير أعمال وإجراء انتخابات خلال تسعة أشهر، وهو القرار الذي تراجع عنه –مؤقتًا- إثر زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي الذي تدخل للوساطة باعتباره رئيس مجلس «الأمن والسلام الأفريقي»، وأحد المدافعين عن رفع عضوية السودان من الاتحاد الأفريقي بسبب مماطلة الجيش في تسليم السُلطة.

وبالرغم من أنّ «قوى الحرية والتغيير» قابلت خُطة الجيش بالإعلان المفاجئ عن قبول العودة لطاولة المفاوضات، والموافقة على بنود المبادرتين الإثيوبية والأفريقية –المدعومتين دوليًا-، إلا أنّ المجلس العسكري دفع حشودًا من أبناء القبائل المؤيدة للجيش للتظاهر رفضًا للوساطة الإثيوبية، قبل أنّ يُعلن المجلس -بدعوى الاستجابة لصوت الشارع- بأنه غير مُلزم بها.

 وفي الوقت الذي طلب فيه حميدتي تفويضًا شعبيًا لتشكيل حكومة كفاءات وطنية، أعلن المجلس العسكري رسميًا إلغاء كافة اتفاقاته مع المعارضة رغم الوصول إلى تفاهماتٍ قديمة حول منح «قوى الحرية والتغيير» 67% من مقاعد المجلس التشريعي، ومنحها الحق في تسمية أعضاء مجلس الوزراء. المجلس أيضًا انقلب على اقتراحات الوساطة الإثيوبية التي دفعت المعارضة لتقديم تنازلات للقبول بها، والتي تمثلت في الاتفاق حول تركيبة المجلس السيادي، بحيث يتألف 15 عضوًا مناصفة بين المدنيين والعسكريين، بينما تكون رئاسة المجلس دورية بين الطرفين.

انقلاب المجلس العسكري على «قوى الحرية والتغيير» والمبادرتين الإثيوبية والأفريقية، تزامن مع مباركة حميدتي تأسيس «الحزب الأهلي السوداني» الذي تشكل من زعماء الإدارة الأهلية بشرعية 80% من رؤساء القبائل، فيما نظر إليه باعتباره ظهيرًا شعبيًّا يعين حميدتي على البقاء في السُلطة وفي دعم رؤيته للفترة الانتقالية.

المفارقة أنّه بعد نحو شهرين من المفاوضات عقب سقوط النظام في 11 أبريل (نيسان) الماضي، خرج المتحدث باسم المجلس العسكري ليُعلن أنه ليس هناك أي اتفاق سابق مع «قوى الحرية والتغيير»، نظرًا لعدم توقيع أي اتفاق، وهو ما يضعها رسميًا خارج المشهد، في ظل إعلان حميدتي تسلمه قائمة تضم 100 شخصية قومية –أغلبهم من النظام القديم- لتشكيل الحكومة بدون أغلبية القوى المشاركة في الثورة.

عودة الرموز العشائرية والطرق الصوفية للسياسة عبر بوابة الجيش مثّل أقوى الضربات التي تلقاها «تجمّع المهنيين» الذي اعترف بأنه واجه «انقلابًا كامل الدسم» لإخراجه من المشهد السياسي بالرغم من أنه يحظى باعترافٍ دولي في رسم المرحلة الانتقالية.

مترجم: ماذا تعرف عن فساد الجيش في السودان؟

من دعم الثورة المهدية إلى إفشال أول تجربة ديمقراطية

في مساحةٍ تربو على مليون و800 كم مربع، يسبح السودان في مساحة شاسعة من الثقافات والقوميات غير المتجانسة؛ فبينما يشكل الإسلام الخلفية الثقافية الأم لغالبية السكان خاصة في شمال ووسط البلاد، تنسجم البلاد من الجنوب الشرقي إلى الغرب مع الثقافة الأفريقية الخالصة مع إضافات إسلامية طفيفة.

ويشرح أسامة عبد الحليم وهو صحافي سوداني مختص لـ«ساسة بوست»: «الديموقراطية في السودان تواجه أزمة في ظل رعوي شبه أمّي في قطر متعدد الأعراق والثقافات والأديان واللغات، حتى تلك النخب المتعلمة التي حكمت أو التي تمثل الأحزاب الكبرى هي إما طائفية أو صوفية تحكم بواسطة زعيم الطائفة بعقلية الصوفي والمريد، والمريد غالبًا لديه مشكلة في انخفاض مستوى وعيه سياسيًا وحضاريًا».

وحين وصل الاحتلال البريطاني للسودان عام 1899، وتمكن من القضاء على الحركة المهدية التي ساهمت في نجاحها العشائرية القبلية طيلة عقدين، لم يقم بتفكيك النظام العشائري الممتد مع تاريخ البلاد، لكن بعد توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا، عمد الطرفان إلى تطوريع ذلك النظام العشائري، واستحدثا «نظام الإدارة الأهلية» لخدمة أهدافهما  وفي سبيل ذلك، اعتمد «نظام الإدارة الأهلية» على منح شيوخ العشائر وزعماء القبائل سُلطات قضائية وإدارية ومالية واسعة -بغض النظر عن ثقافاتهم أو دياناتهم-، وحظيت تلك المجالس باعترافٍ رسمي، وحصل أعضاؤها على منح مالية، كما عمدوا لإضعاف ذلك النسيج من الداخل دون تفتيته.

يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «منحت بريطانيا –الحاكم الفعلي للسودان- السُلطة للزعامات المحلية، وخوّلتهم في متابعة الموظفين المدنيين التابعين للتاج الملكي بهدف تقليل النفقات، واعتماد نظام لامركزي قوي غير قابل لدعم الثورات مثلما حدث في الثورة المهدية».

والمفارقة أن مصر الملكية التي ساهمت في تأسيس أغلب دساتير الدول العربية عبر نبغتها القانونية عبد الرازق السنهوري باشا، لم تتدخل لتغيير الوضع السوداني عبر وضع هيكل قانوني لتلك المحاكم الأهلية، بل إنها منحت تلك الإدارات الأهلية سُلطة الاعتراف بالقانون العشائري العُرفي ومنحته قوة النفاذ، في مقابل الحفاظ على ارتباط النظام الديمقراطي الحديث بالنظام الرعوي التقليدي.

وحين انفصل السودان عن مصر عام 1955، تشكلت أول حكومة سودانية برئاسة إسماعيل الأزهري، وما لبثت أن سقطت بعد سبعة أشهرٍ إثر صراع طائفي وقبلي داخل الحزب الحاكم انتهى بانشقاق الطائفة الختمية وتأسيسها «حزب الشعب الديمقراطي»، لتتصدر طائفة الأنصار المشهد ممثلة في «حزب الأمة» الذي عيّن عبد الله خليل رئيسًا للوزراء، ليكون أول رئيس حكومة ذا خلفية عسكرية.

وبعد ثلاث سنواتٍ من الحكم المدني، بدأ عهد الانقلابات، عبر الاتفاق الذي عقده الخَتميين والأنصار مع الجيش لتولي السُلطة؛ بدعوى فشل القوى السياسية في التوافق على رؤية «دولة ما بعد الاستقلال»، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1958، أعلن وزير الدفاع الفريق إبراهيم عبود سحب الثقة من رئيس الحكومة، وحلّ البرلمان الذي ألقى فيه بيانه الأول، وبذلك فشلت أول تجربة ديمقراطية في السودان نتيجة تعاطي النزعة القبلية مع السياسة.

كيف تسبب فض الاعتصام في خسارة عسكر السودان مظلة حلفائهم الإقليميين؟

كيف استغل البشير الإدارات الأهلية لتدعيم سلطانه؟

استمرت «الإدارة الأهلية» تحظى بنفوذها خلال حكم إبراهيم عبود، إلا أنّ الانقلاب الذي قاده الرئيس السوداني جعفر النميري عام 1964 غيّر وجه السودان الذي عُرف به، حين بدأ حُكمه باستهداف زعيم طائفة الأنصار وقتله ضمن الحرب التي شنّها على الإسلاميين بطوائفهم الدينية المختلفة تزامنًا مع إعلان النظام إيقاف «نظام الإدارات الأهلية» التي اعتبرها الحارس الأمين للتخلف والتبعية، وربما للانقلابات.

(القبائل العربية في دارفور ترحب بالبشير  عام 1992)

وعقب الانقلاب الذي قام البشير بالاشتراك مع الحركة الإسلامية عام 1989، ظهر دور جديد للإدارات الأهلية حددته السُلطة ورسمته بدقة، فالنظام الجديد احتاج لزعماء العشائر في تثبيت دعائم حكمه ودعم مشروعه السياسي الذي بدا واضحًا في ديباجة «دستور الحركة الإسلامية» لتبني المشروع الإسلامي: «نسعى لنشر الدعوة الإسلامية ورد الحاكمية لله.. ونتعهد أن نكافح بالإسلام العلمانية والماركسية والاشتراكية والديمقراطية المستنكفة».

وفي دارفور –غرب السودان- دبت الخلافات السياسية الأشهر التي تحولت لحربٍ متوحشة عام 2003، وانحصرت الاتهامات في «عنصرية النظام وإعلائه للعنصر العربي ضد كافة الأعراق صاحبة الأرض بحكم التاريخ والجغرافيا» لذا اُتهم النظام الذي دعم قبائل «الجنوجويد» العربية بالسلاح بأنه «ارتكب جرائم تطهير عرقي في واحدة من أبشع مجازر القرن، والتي خلفت وراءها نحو 300 ألف قتيل»، بحسب بعض المصادر، فضلاً عن أكثر من 3 ملايين مشرد أصبحوا بلا مأوى، في مقابل حصول القبائل العربية التي شاركت إلى جانب السُلطة على منح مالية وسُلطات سياسية.

الإدارات الأهلية نفسها كان لها دور كبير في انفصال الجنوب، فالنظام السوداني قاد معركة الهوية في جنوب السودان عن طريق نشر اللغة العربية والديانة الإسلامية، وهو ما كان سببًا كافيًا لقتال المتمردين في حروب انتهت بانفصال السودان، وتعليق عمر البشير: «بعد انفصال الجنوب لن يكون هناك مجال للحديث عن تنوع عرقي وثقافي».

واللافت أنّ فكرة تأسيس قوات «الدعم السريع» جاءت من رحم الإدارات الأهلية، فنائب رئيس المجلس العسكري الفريق حميدتي برز اسمه بعد نجاحه في حشد القبائل العربية للقتال إلى جانب الحكومة التي دعمته بالمال والسلاح ليؤسس بعدها تلك القوات التي اعتبرت صمام الأمان ضد انقلاب الجيش أو جهاز المخابرات.

والمفارقة أنّ حميدتي الذي شارك في الإطاحة بالبشير عاد لإحياء الدور القديم للإدارات الأهلية لتكون حائط الصد ضد «قوى الحرية والتغيير»، يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «الأزمة التي تواجه حميدتي الآن تتمحور في عدم حصول تلك الإدارات الأهلية على السند القانوني للقيام بالدور الجديد المرسوم لها»، ويُضيف: «بعيدًا عن السياسة، فالتحالف الجديد بين حميدتي مع زعماء القبائل سيفرز ثروات ضخمة نتيجة السيطرة على الأراضي والمراعي».

عاد للاعتصام فقتله العسكر.. قصة الشهيد المنقذ مجتبى صلاح

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد