تبلغ قيمة مبيعات الأسلحة العسكرية والخدمات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ما يقارب من 26.5 مليار دولار أمريكي؛ إذ تتواجد الدولتان ضمن قائمة أكبر خمسة مستوردين للأسلحة الأمريكية في العالم؛ ما جعل منهما أحد أكبر مستوردي الأسلحة الأمريكية خلال السنوات العشر الأخيرة.

إنفوجراف: تتصدرهم السعودية.. أبرز 15 مستوردًا للأسلحة الأمريكية في العقد الأخير

ولكن على ما يبدو فإنه كلما زادت الصادرات الأمريكية من الأسلحة والمعدات العسكرية إلى كلٍ من السعودية، والإمارات، ضعُف الجيش الأمريكي، وتسبب في تدميره لنفسه، فكيف يحدث ذلك؟ هذا ما يحاول التقرير التالي أن يجيب عليه.

«بيعت إلى شريك وصلت إلى عدو».. الأسلحة الأمريكية في أيدي «القاعدة» وإيران

كشفت شبكة «سي إن إن» الأمريكية في تحقيق استقصائي مُطوَّل بعنوان «بيعت إلى شريك.. وصلت إلى عدو: كيف وصلت الأسلحة الأمريكية إلى الأيدي الخطأ؟»، نُشر أمس الأول، أن الأسلحة الأمريكية التي تُصدرها الولايات المتحدة الأمريكية إلى شركائها فيما يُعرف إعلاميًا باسم التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، تصل بمساعدة سعودية إلى مقاتلين مرتبطين بتنظيم «القاعدة»، وإلى الحوثيين، وإلى إيران بالتبعية في الأخير، وهو ما يُشكِّل انتهاكًا صريحًا للاتفاقات التي وقعها شركاء الولايات المتحدة في التحالف – المملكة العربية السعودية والإمارات – معها، فضلًا عن انتهاك سياسات تجارة الأسلحة الدولية.

Embed from Getty Images

ويتمثل اللوم الذي قد يوجَّه إلى المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، في نقلهما للأسلحة الأمريكية طواعيةً إلى بعض المقاتلين، والقبائل الموجودة في اليمن؛ إذ قام الشريكان باستخدام الأسلحة الأمريكية المستوردة باعتبارها هدايا تُستخدم في شراء ولاء القبائل المختلفة في اليمن، وبعض الميليشيات المسلحة هناك، بل تسليح الكثير منهم من أجل الانضمام إلى ساحة القتال في صفوف التحالف، إلا أن هذا كله لم يسر وفق ما أراد الشريكان الأبرز في الحرب: السعودية، والإمارات.

كيف تصل الأسلحة الأمريكية إلى إيران؟ المصدر: سي إن إن

إذ إن ما أرادته المملكة العربية السعودية حقًا هو تدعيم صفوفها في حرب الحوثيين في اليمن، لا تسليح الحوثيين، وإيران، و«تنظيم القاعدة»، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة؛ إذ تخيلت السعودية أنها في حال قامت بمهاداة قبيلة يمنية، أو مجموعة من المقاتلين أو المسلحين، بعدد من الأسلحة الأمريكية التي استوردتها، فإنها بذلك تضمن ولائهم للأبد، وذلك نظرًا للقيمة الكبيرة للأسلحة الأمريكية وصعوبة الحصول عليها من هذه الأطراف، إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن؛ إذ قام هؤلاء المسلحون والقبائل بمبادلة الأسلحة والذخائر والمدرعات الأمريكية التي حصلوا عليها، مع أفراد تابعين لتنظيم القاعدة، ومع المسلحين التابعين لجماعة الحوثي، فضلًا عن مبادلة هذه الأسلحة أيضًا مع إيران.

ليست المرة الأولى.. «القاعدة» و«تنظيم الدولة» مروا من هنا

وصول الأسلحة الأمريكية إلى الحوثيين، وإيران، لم تكن هي النقطة الأسوأ في تاريخ الجيش الأمريكي، بل إن هذا الخطأ تكرر من قبل عدة مرَّات؛ إذ حصل مسلحو تنظيم القاعدة على العديد من الأسلحة الأمريكية من قبل، وكذلك مسلحو «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».

Embed from Getty Images

ففي تقرير نشرته «منظمة العفو الدولية» في يناير ( كانون الثاني) من العام الماضي، وُجد أن عمليات نقل الأسلحة بطريقة «مستهترة» وغير مسؤولة من قِبل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، قد وفَّرت للجماعات المسلحة؛ مثل (داعش) و«القاعدة»، ترسانة ضخمة من الأسلحة على مدار سنوات.

ابحث مع البنتاجون! أسلحة أمريكية تائهة تُغرق الشرق الأوسط

وفي تقرير مؤسسة «أكشن أون أرمد فيولنس» الذي نُشر في عام 2016 عن دور الجيش الأمريكي في تدعيم صفوف الجماعات المتطرفة؛ وُجد أنه منذ عام 2001، باعت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب من مليون ونصف قطعة سلاح خفيف. مثل المسدسات، والبنادق، والرشاشات، للعراق وأفغانستان؛ إذ تم بيع نحو مليوني قطعة سلاح للقوات الأمنية في العراق، ونحو نصف مليون للقوات الأفغانية، بمبلغ يصل إلى أكثر من ملياري دولار.

وتكمن المشكلة في كميات السلاح هذه، في أن حجم هذه الأسلحة يفوق حجم الموارد البشرية للأجهزة الأمنية في كلا البلدين؛ إذ يبلغ حجم القوات الأفغانية 355 ألف فردًا فقط، وحجم القوات العراقية النشطة نحو 200 ألف فرد فقط، بحسب التقرير؛ أي أن كل رجل أمن أفغاني وعراقي قد حصل على أكثر من قطعة سلاح واحدة، وهو ما يشير إلى تجارة رجال الأمن في العراق وأفغانستان لهذه الأسلحة لصالحهم الشخصي.

بالأرقام الدقيقة.. من ينتصر لو قامت حرب بين السعودية وحزب الله؟ 

إذ اكتُشف بعض الفائض المفقود من الأسلحة الأمريكية في الشرق الأوسط من جديد، وظهرت معروضة للبيع في الإنترنت، وفي بعض الأحيان على موقع التواصل الاجتماعي، «فيسبوك». بل أشار بعض تجار السلاح الافتراضيين إلى أنهم يعملون من مدينتي كربلاء وبغداد العراقيتين، ومن هنا حصل أعضاء كلٍّ من تنظيمي القاعدة و(داعش) على الأسلحة الأمريكية.

الإندبندنت: كيف حصل الإسلاميون على الأسلحة الأمريكية؟

وطبقًا للتقرير المُطوَّل الذي نشرته «أكشن أون أرمد فيولنس» فإن الإدارة الأمريكية قد فقدت ما يقارب 110 ألف بندقية كلاشينكوف و80 ألف مسدس، وذلك منذ عام 2007 وحتى الآن، في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ أعطتها أمريكا للقوات الأمنية العراقية، ثم فُقدت ببساطة. وقد حدث كل ذلك قبل الحرب في سوريا وظهور (داعش)، ولكن في عام 2014 سيطرت (داعش) على مدينتي الموصل وتكريت في العراق، وسقطت في يدها أسلحة لأربع فرق عراقية كاملة.

Embed from Getty Images

من جانبه بث موقع قناة «سي إن إن» العربية، في شهر فبراير (شباط) من العام الماضي أن الأسلحة الأمريكية تُباع سرًا في سوريا، وذلك عن طريق تطبيق «تيليجرام».

السؤال المنسي.. لماذا يسعى الحوثيون لإطالة الحرب في اليمن؟

التكنولوجيا الأمريكية تحت المجهر الإيراني

«المخابرات الإيرانية تُقييِّم جميع تقنيات الأسلحة الأمريكية جيدًا»

هكذا أكد أحد أعضاء مجموعة سرية مدعومة من إيران تابعة لجماعة الحوثي في اليمن، في تسجيل سري حصلت عليه شبكة «سي إن إن» الأمريكية؛ إذ قال عضو جماعة الحوثي إن جميع التقنيات العسكرية الأمريكية التي حصلت عليها المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة في اليمن، والتي استخدمها الطرفين في شراء ولاء القبائل المختلفة، والمسلحين، قد انتقلت بالفعل إلى طهران.

«كابوسٌا مُروِّعٌا»: بالأرقام.. من يفوز لو قامت الحرب بين إيران وإسرائيل؟ 

وقد أكد الشخص المجهول، الذي لم تذكر الشبكة اسمه، أنه لا يوجد سلاح أمريكي واحد لم تحاول إيران أن تكتشف كل تفاصيله؛ كيف صُنع، ومم صُنع، وما تأثيره، وكيف يعمل، مشيرًا إلى أن إيران أخضعت العديد من الأسلحة الأمريكية للفحص والاختبارات.

التكنولوجيا الأمريكية التي وصلت إلى إيران والحوثيين كانت طريقة أساسية لإعادة تصنيع الأسلحة الأمريكية من جديد، ولكن محليًا؛ إذ إن الحوثيين والإيرانيين قد صنعوا مئات الألغام التي وُضعت في مناطق النزاع، وذلك من أجل استهداف قوات التحالف الدولي الذي تقوده المملكة العربية السعودية. الجدير بالذكر أن هذه الأسلحة كانت غالبًا مصنوعة بمكونات إيرانية، عن طريق القوات الحوثية؛ ففي سبتمبر (أيلول) 2017، بثت قناة تلفزيونية تابعة للحوثيين صورًا لمحمد علي الحوثي، رئيس ما يُطلق عليه اللجنة الثورية العليا للحوثيين، والذي يعد الزعيم الفعلي للمتمردين، وهو يجلس متفاخرًا في مدرعة أمريكية مضادة للألغام، مُستولى عليها، وسط حشد يردد «الموت لأمريكا».

هل تتورط السعودية والإمارات مع الولايات المتحدة؟

حتى الآن لم يصدر أي رد فعل واضح على التحقيق الذي نشرته شبكة «سي إن إن»؛ ففي الوقت الذي أبلغت فيه وزارة الدفاع الأمريكية الشبكة بأنه من المفترض على كلٍ من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، أن يحصلا على إذن من الحكومة الأمريكية قبل نقل أي معدات أو أسلحة أمريكية إلى طرف ثالث؛ إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية أشارت إلى عدم حصول أي من الدولتين علي إذن أو تفويض في أي وقتٍ سابق، وهو ما يؤكد انتهاك السعودية والإمارات لمعاهدات التجارة الدولية مع الولايات المتحدة؛ إذ أكدت الوزارة للشبكة أن التحقيق مستمر في هذه الانتهاكات.

 

ما الذي يمكن أن يشهده العالم في 2019؟

ومن ناحية أخرى، وفي ظل تباين رد الفعل الأمريكي، اقترح الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية العليا في الشرق الأوسط، أمام مجلس الشيوخ أمس، أن تواصل الولايات المتحدة دعم المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، في الحرب في اليمن، وذلك بالرغم من الأدلة الجديدة التي أظهرت انتهاكهما للمعاهدات والاتفاقيات التجارية الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أشار الجنرال فوتيل إلى أن سحب الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن من شأنه أن يزيل النفوذ والتأثير الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد يضر أكثر بالجيش الأمريكي، بل يزيد من إمكانية تهديد الأمريكيين.

واشنطن.. الأموال أكثر أهمية من إيران

التصريحات التي صرَّح بها الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية العليا في الشرق الأوسط، أمام مجلس الشيوخ أمس، بأنه على الولايات المتحدة أن تواصل دعم المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، في الحرب في اليمن، تبدو خطيرة للغاية.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية واستراتيجيتها العسكرية والأمنية تشير إلى أن إيران هي العدو الأول للولايات المتحدة، وذلك بعد القضاء شبه التام على عناصر (داعش)، إلا أن تصريحات الجنرال فوتيل تشير إلى أن الأمر الأهم في الوقت الحالي هو الأموال التي تحصل عليها واشنطن من تجارة الأسلحة مع المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.

«العدو هو طهران».. كيف ستكون استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط عام 2018؟

ويبدو أن الولايات المتحدة تخطط للعمل على سد الأزمات الاقتصادية الداخلية بمزيد من تجارة الأسلحة الدولية، خاصةً لدول الشرق الأوسط، وتحديدًا للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؛ ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كشف تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية أن صادرات الأسلحة الأمريكية ارتفعت بنسبة 13% خلال العام الماضي، نتيجة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتعزيز مبيعات أنظمة الأمركية ودعم القاعدة الصناعية الدفاعية بالبلاد.

وقد بلغ إجمالي الصادرات في السنة المالية 2018 نحو 192.3 مليار دولار، مقارنة بـ170 مليار دولار في 2017 و148.6 مليار دولار في 2016، وتشمل المبيعات العسكرية الصفقات التي تتم بين الحكومة الأمريكية والدول الأخرى، وعلى رأسهم السعودية والإمارات، وكذلك المبيعات التجارية المباشرة، والتي يتم التفاوض عليها بين بلد الشراء والشركات الأمريكية.

Embed from Getty Images

ونمت قيمة المبيعات العسكرية الأجنبية بمعدل يزيد على 33%، حيث وصلت إلى 55.6 مليار دولار في عام 2018، مقارنة بـ41.9 مليار دولار في 2017، وارتفعت المبيعات التجارية المباشرة المعتمدة من 128.1 مليار دولار في عام 2017 إلى 136.6 مليار دولار في عام 2018، بزيادة نسبتها 7%.

الجدير بالذكر أن معظم مبيعات الأسلحة الأمريكية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما إلى الشرق الأوسط، تمثلت في طائرات مقاتلة وطائرات مروحية، إلا أنها في عهد ترامب تتصدرها أنظمة الدفاع الجوي والذخائر.

Embed from Getty Images

من جانبهم، توقع مسؤولون بوزارة الخارجية أن تواصل مبيعات الأسلحة الأميركية ارتفاعها؛ في ظل ربط الولايات المتحدة سياساتها الاقتصادية والأمنية معًا.

المصادر

تحميل المزيد