يطلقون عليهم «أشبال الخلافة»، وقد ظهر أحدهم وهو صبي فرنسي بدا في الـ12 من عمره في تسجيل مصور، وهو يطلق النار على شخص متهم بالجاسوسية، وذلك على وقع نشيد جهادي.

لم يكن ذلك الصبي أول طفل يظهره الجهاديون وهو ينفذ حكم إعدام في مشهد يعيد إلى الأذهان الوحشية الجنونية التي مارسها حلف أحزاب الخمير الحمر في كمبوديا في السبعينيات. وعلى الأرجح لن يكون هذا الصبي الأخير، في الوقت الذي يقوم فيه تنظيم الدولة بعملية تجنيد وغسيل دماغ أي طفل يمر عليهم، سواءً كانوا أبناء المقاتلين الأجانب أو أطفالًا محليين من سوريا والعراق.

إن معظم التركيز الإعلامي منصب على الأطفال الأجانب المجندين كمقاتلين، وذلك لأنهم هم من ظهروا في تسجيلات تنفيذ الإعدام. كما أنهم يظهرون على حسابات المقاتلين الأجانب على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي أغسطس الماضي، قام جهادي أسترالي في الرقة، عاصمة الأمر الواقع الخاصة بداعش، بنشر صورة على موقع تويتر لابنه ذي السبع سنوات وهو يحمل رأسًا مقطوعة وكتب تحتها «هذا ابني». كما جرى تجنيد أبناء المغدورين من الطائفة الأيزيدية ومناوئين آخرين لداعش ضمن صفوف التنظيم.

لكن الجهد الأكبر من جانب داعش منصب بشكل أكبر على الأطفال المحليين، الذين ينظر إليهم المسلحون على أنهم مقاتلون وانتحاريون أو جواسيس محتملون، فهم يمكنهم الكشف عن المعارضين والمناوئين لحكم التنظيم من بين السكان المحليين.

وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن العديد من التعزيزات التي دفعت بها داعش إلى كوباني، البلدة الواقعة على الحدود السورية الكردية، والتي أنهت الحصار الطويل الذي فرضه التنظيم عليها في يناير الماضي، تشكلت من الصغار العراقيين والسوريين.

ويبذل المسلحون جهودًا مكثفة لتجنيد الأطفال من الأراضي التي يسيطرون عليها عبر سوريا، وأصدروا توجيهات يطلبون بموجبها من الآباء المحليين إرسال أطفالهم إلى مدارس يسيطر عليها التنظيم الإرهابي. كما يتعين على المعلمين، إذا أرادوا الاحتفاظ بوظائفهم، أن يقسموا على الولاء للتنظيم وأن يدرسوا المناهج التي يقرها. كما يتعين عليهم الإبلاغ عن أي طفل يتخلف عن الحضور إلى المدرسة.

يعتقد قادة التمرد السوري أن اتجاه التنظيم إلى السيطرة على الأطفال وتحويلهم إلى قتلة هو نتيجة لارتفاع عدد القتلى الذي يعاني منه التنظيم؛ نتيجة للضربات الجوية الذي ينفذها التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وإلى الصراع الطويل في كوباني، وتعدد المعارك في العراق وشمال غرب سوريا مع الأكراد. وقد أخبر الجنرال لويد أوستن، قائد القيادة المركزية الأمريكية، لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب، بأن حملة قصف داعش على الأرجح أودت بحياة 8500 مقاتل.

لكن بعض المحللين يشككون في هذا الرقم، قائلين إن الولايات المتحدة ليس لديها القدرة على إجراء تقييم شامل لحجم الضرر على الأرض للمساعدة في حساب عدد القتلى الذين سقطوا بفعل الضربات الجوية. إلا أنه من الواضح أن التنظيم يعاني من خسارة عدد كبير من المقاتلين. رامي عبد الرحمن، الذي يرأس المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره لندن، وهي منظمة معارضة تراقب أوضاع النشطاء السياسيين في سوريا، يقول إن التنظيم فقد أكثر من ألف مقاتل في كوباني. وهو يرى أن ضخامة عدد القتلى في صفوف التنظيم شكلت سببًا حاسمًا في فشله في السيطرة على المدينة.

وقد حذر تقرير صادر عن الأمم المتحدة حول جرائم الحرب في سوريا من أن تجنيد التنظيم للأطفال يخلق “جيلًا من المقاتلين سينظرون إلى العنف على أنه أسلوب حياة”.

لكن حاجة التنظيم إلى المزيد من المقاتلين على جبهات القتال ليست المحفز الوحيد للنهج المتزايد الخاص بتجنيد الأطفال. فمثلما فعل الخمير الحمر من تجنيد لآلاف الأطفال، ومن قبلهم البلاشفة إبان الثورة الروسية، يعتقد مسلحو داعش أن التعليم عنصر حاسم في خلق مجتمع جديد.

تحاكي الأساليب المتبعة تلك التي تبناها السوفييت الاستبداديون العلمانيون وأتباعهم. وذلك كما صرح أحد المنظرين السوفييت في العام 1918 قائلاً: «لا بدَّ أن نصنع جيلًا من الشيوعيين الصغار، فالأطفال مثل الشمع، هم طيعون جدًا ويتعين تحويلهم إلى شيوعيين صالحين».

يسعى مسلحو داعش إلى القيام بنفس الشيء، ولكن بدلًا من تربية شيوعيين يرغبون بتربية جهاديين. وعلى عكس السوفييت، الذين سعوا إلى غرس المفاهيم القومية في الأطفال “لإنقاذهم من التأثير السيء للعائلة”، لا يسعى مسلحو التنظيم إلى تملك الأطفال، ولكن هذا ما يحدث لهم الآن لأن الجهاديين يسعون إلى السيطرة على مختلف نواحي الحياة.

لقد جرى إعادة افتتاح المدارس الابتدائية والمتوسطة في الرقة، بينما ما تزال المدارس الثانوية مغلقة، ووفقًا لما يقوله نشطاء محليون تابعون لشبكة “الرقة تذبح في صمت”، فإن الآباء يخشون بشدة من تعرض أبنائهم لعملية غسيل دماغ إلى الحد الذي دفع الكثير منهم إلى منع أبنائهم من الذهاب إلى المدرسة. وتضم أوراق الالتحاق بالمدارس التابعة للتنظيم التي يتعين على الآباء التوقيع عليها ما يلي: “أتعهد أنا، بمشيئة الله، بأن أرسل ابني إلى المدرسة من أجل استكمال دراسته، وفي حالة عدم تنفيذ ذلك، فأنا أتحمل المسئولية كاملة”.

وفي الشهر الماضي، وزع تنظيم داعش استمارات توظيف على المعلمين في محافظة دير الزور، وقد فُرض على المتقدمين إبداء “التوبة” عن التدريس في المدارس الحكومية السورية سابقًا، وتوقيع إقرار ينص على أنه: “أعبر أنا، الموقع أدناه، عن توبتي إلى الله عن تدريس المناهج الكفرية والقومية والإلحادية، والعمل وفق قوانين من صنع البشر”.

يقول المرصد السوري إن أولئك الذين لا يتعهدون بالولاء للتنظيم لا يسمح لهم بالتدريس. تشمل المناهج التي أقرتها «داعش» ستة مواد رئيسية: التوحيد واللغة العربية والرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية. ويستند تدريس التوحيد إلى المرجعية الوهابية.

ويجري بذل جهود كبيرة لتجنيد الشباب، حيث تظل المدارس الثانوية مغلقة لتشجيع الشباب الأكبر سنًّا للحضور إلى معسكرات تدريب الشباب. ويتم تشجيع بعض العائلات الفقيرة على إرسال أبنائهم إلى تلك المعسكرات مقابل الحصول على مرتبات. وعندما لم يجدِ نفعًا الإغراء بالمال، لجأ المسلحون إلى اختطاف الأطفال وأخذهم إلى معسكرات التدريب دون أخذ إذن عائلاتهم.

كما تجري عمليات التجنيد خارج المعسكرات أيضًا، كما هو الحال في المساجد المحلية الخاضعة بشكل كامل لسيطرة التنظيم، إلى الفعاليات العامة التي يقيمها التنظيم، حيث يجري عرض مقاطع الإعدام وأفلام خاصة بالمعارك التي يقودها التنظيم. يقول أبو إبراهيم الرقاوي، وهو ناشط مناهض لداعش: «يتم تجنيد العديد من الأطفال عبر خيم الدعوة التي يقيمها التنظيم».

وحيثما وليت وجهك رأيت تأثير حملتهم، حيث يروي ناشطون عن أطفال يمارسون لعبة يحاكون فيها المسلحين. فالضغط المتزايد عليهم يجعلهم يرغبون بالانضمام إلى التنظيم. أخبر طفل منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير لها عن تجنيد الأطفال من قبل المجموعات المسلحة في سوريا: “عندما دخل التنظيم بلدتي، أعجبت بملابسهم، فقد بدوا كقطيع واحد. كما كان بحوزتهم الكثير من الأسلحة، لذا تحدثت إليهم وقررت الذهاب إلى معسكر التدريب في كفر حمرا في حلب”.

يقول المحللان جيسيكا ستيرن وجي إم بيرغر في كتاب جديد لهما بعنوان «داعش: دولة الرعب» إنه «بينما كان الأطفال دومًا ضحايا لمثل عمليات الاستغلال تلك في مناطق الحرب، فإن داعش سيطر على التعليم مثلما فعل مع كل شيء آخر، وبشكل ممنهج». ويضيفان: «يجند التنظيم المقاتلين لإرسالهم إلى معسكرات التدريب، ثم يستخدمهم في المعارك والمهمات الانتحارية. كما استخدم التنظيم الأطفال كدروع بشرية وانتحاريين وقناصة ومتبرعين بالدم».

في بلدة الباب شمال غرب حلب، يخشى المراهقون من الخروج كثيرًا من منازلهم، خوفًا من سؤالهم عن سبب عدم انضمامهم كمقاتلين للتنظيم. يقول محمد، الذي يدرس حاليًا في تركيا، “لقد خضعت للاستجواب لمدة طويلة عند نقطة تفتيش عندما كنت أزور عائلتي في بلدة الباب عن سبب عدم تطوعي للقتال”.

وقد أثر استهداف المسلحين لتجنيد الصغار على الحياة الخاصة للعائلات. فقد سُمع أطفال يتهمون أباءهم بالردة لعدم سماحهم لهم بالانضمام للتنظيم، أو انتقادهم بحدة لفشلهم في الالتزام بتفسير التنظيم للشريعة. كان التنظيم قد أصدر كتيب إرشادات للأمهات حول كيفية تربية أبنائهم لضمان أن يصبحوا نوع المسلمين الذي يطلبه الجهاديون. فعليهم أن يخبروهم بقصص عن الجهاد والشهادة وتشجيعهم على عدم مشاهدة التلفزيون، واستبداله بالمقاطع المصورة الوحشية التي يصدرها التنظيم.

يقول أب لطفلين من محافظة الرقة: «أصبح الآباء حذرين عندما يتحدثون أمام أطفالهم خشية أن يبلغوا عنهم. فقد أصبح الناس الآن يتهامسون في أحاديثهم».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد