لا تبدو الحرب الدولية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون ضد تنظيم الدولة الإسلامية حربًا من طرف ضد طرف بحيث يلعب أحد الطرفين دور المهاجم دائمًا، ويلعب الطرف الآخر  دور المدافع بشكل دائم، فالتنظيم الذي كان صعوده الحدث الأبرز في هذا العام قد بدأ يناوش الخليجيين في عقر دارهم. وعلى الرغم من تشديد القبضة الأمنية في هذا الدول،
إلا أن المناوشات الداعشية قد بدأت تظهر في دول الخليج وإن كانت ما زالت تتخذ مظاهر أقل وضوحًا وعلى استحياء.

داعش والسعودية

(1) شهدت المنطقة الشرقية في السعودية 9 هجمات مسلحة منذ مطلع العام، أبرزها في  3 نوفمبر الماضي الموافق يوم عاشوراء، وتحديدًا في منطقة الأحساء ذات الأغلبية الشيعية، قتل 7 أشخاص في عملية إطلاق نار مجهولة المصدر، خرج بيان الخارجية السعودية متخبطًا ليعلن أن مسلحين قاموا بالعملية دون أن يذكر شيئًا عن هويتهم أو انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية.

عاودت المملكة ترتيب تصريحاتها بشكل آخر في 24 نوفمبر حين أعلنت عن اعتقال 77 مشتبهًا بهم، وأنه يعتقد أن من بينهم مهاجمي منطقة الإحساء بعد تلقيهم أوامر من الخارج عن كيفية وتوقيت وتحديد مكان تنفيذ الهجوم.

قال البيان الصادر عن وزارة الداخلية إن قوات الأمن تمكنت من ضبط وسائل اتصال ووسائط إلكترونية ووثائق تفصح عن تواصل المهاجمين مع تنظيم “داعش”، ويضيف أن نحو نصف المعتقلين سجنوا في السابق لعلاقتهم بجماعات متشددة، وأن عددًا منهم يحملون جنسيات أجنبية.

(2) في التسجيل الصوتي الأخير له، دعا البغدادي أنصاره إلى استهداف الدول المشاركة في التحالف الدولي وخص بالذكر المملكة العربية السعودية، ويُجمع كثير من المحللين على أن هذه هي المرة الأولى التي يفرد فيها زعيم تنظيم الدولة الإسلامية هذا الحيز في كلمته للملكة العربية السعودية، كما أنها المرة الأولى التي يدعو فيها أنصاره لمهاجمة أهداف فيها وبصورة محددة، ويبدو أن السعودية تعلم جيدًا أنها على رأس البلدان المستهدفة من قبل التنظيم، فقد حشدت المملكة أكثر من ثلاثين ألف جندي على حدودها الشمالية مع العراق تحسبًا للخطر الذي يشكله التنظيم.

(3) على المستوى الشعبي ما زالت التقارير الرسمية السعودية تهون من شعبية التنظيم عند الشباب السعودي، وتشير التقارير إلى ما بين 2000- 3000 شاب سعودي يقاتلون ضمن صفوف داعش والتنظيمات المشابهة في سوريا، إضافة إلى مئات الموقوفين داخل المملكة للاشتباه بعلاقتهم بالتنظيم، ويؤكد المسئولون السعوديون أن هذا الرقم يعتبر  ضئيلاً إلى حد كبير إذا ما قورن بـ11 ألف شخص تم توقيفهم في المملكة منذ عام 2000 لارتباطهم بتنظيم القاعدة، على النقيض من ذلك ربما تكون استراتيجية داعش أكثر خطرًا على المملكة، فالقاعدة لم تكن تستهدف الأنظمة الحاكمة بشكل كبير بقدر تركيزها على المواقع والمنشآت والتكتلات الأجنبية وبخاصة الأمريكية.

(4) على مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون الصورة أكثر وضوحًا، فتجاذب لا ينتهي، ودعوات لإطلاق بالونات في سماء السعودية يوم الجمعة الماضية، ولم يعرف بالتحديد حجم التجاوب مع الفاعلية التي سخر منها أنصار التنظيم أنفسهم، وأتت هذه الفاعلية بعد يوم واحد من إعلان  وزارة الداخلية السعودية، إلقاء القبض على 3 أشخاص من مؤيدي تنظيم “داعش” قالت إنهم من أطلقوا النار على مقيم دنماركي بمدينة الرياض الشهر الماضي، بحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، ومطلع الشهر الجاري، تبنى تنظيم “داعش” المسؤولية عن إطلاق النار على مواطن دنماركي يدعى توماس هوبنر في مدينة الرياض، مشيرًا إلى أنها فاتحة عمليات فرعه في بلاد الحرمين (المملكة العربية السعودية)، بحسب تسجيل مصور منسوب له بثته مواقع جهادية على الإنترنت.

وعقب إعلان داعش مبايعة أميرها خليفة في رمضان الماضي، انطلقت حملة تأييد على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار  “حملة المليار مسلم لنصرة الدولة الإسلامية”، حيث أظهرت التغريدات العديد من المتعاطفين مع التنظيم خصوصًا في المملكة، الذين حرصوا على رفع صورهم “ملثمين لإخفاء ملامحهم” بصحبة شعار التنظيم، كما تم بث فيديو على الإنترنت يدعى أنه من مدينة الطائف ويظهر شعارات مؤيدة للتنظيم على الحوائط والجدران في المدينة.

مؤخرًا أعلن موقع “فورين أفيرز” أن المملكة العربية السعودية قامت بإغلاق أكثر من 10 آلاف حساب على موقع تويتر خلال العام الحالي إضافة إلى اعتقالها مئات المغردين في قضايا تتعلق بمعارضة نظام الحكم أو دعم تنظيمات توصف بالإرهابية.

(5) أما المشاهد الأكثر إثارة للجدل فكانت صورًا انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر أشخاصًا يرتدون الزي العسكري الرسمي للقوات السعودية بصحبة لافتات تأييد للتنظيم، وهي الصور التي أثارت حالة واسعة من الجدل.

داعش والإمارات

 

1- تعتبر قضية شبح الريم هي القضية الأكثر إثارة للجدل في الإمارات خلال الفترة الأخيرة، وهي القضية التي اتهمت فيها امرأة منقبة بقتل مدرسة أمريكية مجرية الأصل  في دورة مياه نسائية في مركز تجاري في جزيرة الريم في إمارة “أبو ظبي”.

ورغم إعلان الأجهزة الأمنية في الإمارات القبض على المرأة “الشبح” التي وجهت لها أيضًا تهمة محاولة زرع قنبلة أمام باب شقة طبيب مصري من أصل أمريكي، إلا أن وسائل الإعلام الإماراتية حرصت على التأكيد على أن العمل “الإرهابي” تم ارتكابه بدافع شخصي، وأن الجانية تأثرت بالأفكار “الإرهابية” المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

2- القضية الأخرى التي تعكس هواجس الأجهزة الأمنية هي القضية المعروفة بخلية جبهة النصرة وأحرار الشام المتهم فيها مجموعة من الشباب – معظمهم إماراتيون- عادوا من سوريا بتهمة تلقي تدريبات مع الفصائل التي صنفتها الإمارات كمنظمات إرهابية وعلى رأسها تنظيم “داعش” و “جبهة النصرة”.

3- تسعى الأجهزة الأمنية في الإمارات من خلال هذه القضية على تأكيد سيطرتها ونفوذها الأمني، لكنها من وجه آخر تعكس أنه رغم  القبضة الأمنية المشددة للإمارة الخليجية إلا أنها ما تزال تعاني فوبيا التنظيمات الإسلامية بدليل قائمتها المثيرة للجدل.

4- يظهر مؤيدو “داعش” الإماراتيون أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهر تأييدهم الواضح لحادثة شبح الريم التي جاءت في أعقاب دعوة البغدادي لأنصاره لاستهداف الدول المشاركة في التحالف الدولي، كما تم تناقل العديد من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي التي تكشف عن وجود أنصار للتنظيم في الإمارة الخليجية.


  • داعش والبحرين

    (1) ترجع بداية الظهور الداعشي في البحرين إلى شهر يوليو الماضي وتحديدًا في صلاة العيد حين ظهرت أعلام داعش في مسجد الفاتح، وهو أكبر مساجد العاصمة البحرينية المنامة، في وقت كانت الحكومة البحرينية فيه تؤكد أن مؤيدي التنظيم تكاد تكون نسبة لا تذكر، وأن الحكومة تضعهم جميعًا تحت المراقبة.

    (2) المفاجأة غير السارة بالنسبة للبحرينيين، كانت في أواخر سبتمبر الماضي، حين ظهر شريط فيديو أصدره تنظيم داعش، ويظهر فيه أربعة من الجهاديين الشباب يسيرون على تل في الصحراء، وهم يحملون بنادق كلاشينكوف في أيديهم. إلا أن المهم في القصة هو أن هؤلاء الجهاديين جميعًا كانوا بحرينيين.

    كما يظهر الفيديو الذي تم نشره في أواخر سبتمبر، ضابطًا سابقًا في وزارة الداخلية البحرينية وهو يوجه الدعوة إلى الضباط في الشرطة والجيش للانشقاق، ويجلس بجانبه بحريني آخر استنكر حكم آل خليفة في البحرين، ووجه الفيديو رسائل تهديد إلى الشيعة في البحرين وإلى حكامها من آل خليفة رغم أنهما يقعان على طرفي النقيض من بعضهما البعض.

    ورغم أن مقطع الفيديو لم يلق اهتمامًا كبيرًا من وسائل الإعلام البحرينية وقتها، إلا أن مصادر مسئولة صرحت لصحف عالمية بأن المقطع أصاب السلطات في البلاد بصدمة كبيرة، وأنهم تعاملوا معه بجدية تامة، خاصة وأن المقطع قد أكد الشكوك حول وجود عناصر موالية لـ”داعش” في قلب الأجهزة الأمنية في البحرين.

    الأمر الأكثر خطورة، أن الضابط المنشق والذي ظهر في مقطع الفيديو ويدعى “محمد عيسى البنعلي” هو ابن لأحد أكثر العائلات نفوذًا في البحرين، وابن عمه تركي وهو أحد علماء الدين التابعين لداعش، وللعائلة   تعاملات تجارية واسعة وعلاقات وثيقة مع آل خليفة، وهو ما قد يفسر لماذا لم تعترض الحكومة أو الشرطة البحرينية العام الماضي المظاهرة التي حدثت أمام السفارة الأمريكية في العاصمة المنامة، والتي ظهر فيها تركي البنعلي- الذي غادر البحرين في صيف 2013- وأعلام داعش السوداء ترفرف وراءه، وتشير بعض المصادر الصحفية أن السيارات تسير في شوارع المنامة وترفرف عليها أعلام داعش.

    (3) أواخر العام الماضي، قام اللواء طارق الحسن، رئيس الأمن العام، بنشر تغريدة فيها صورة رصاصة مصقولة تحمل شعار داعش وكلمات للخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). تمت إزالة التغريدة بسرعة، وعاد “الحسن” ليؤكد مؤخرًا أنه لن يغض الطرف ضد أي أنشطة متطرفة، ولكن العديد من المصادر تؤكد وجود موجة من التأييد للدولة الإسلامية في البحرين وصلت إلى صفوف مؤثرة ضمن رجال الأمن.

    إلى أي مدى تمثل داعش خطرًا على دول الخليج؟

    المتتبع لأسلوب عمل التنظيم يلحظ أنه يتبع قواعد أقل مركزية وصرامة فيما يتلق بأنشطته خارج المناطق التي تقع تحت نفوذه في سوريا والعراق، ففي حالات معينة يقوم التنظيم بدعم الجماعات المسلحة التي تتبنى رؤى مشابهة لرؤية التنظيم في المواجهات المسلحة ضد السلطات الحاكمة أو ضد المصالح الأجنبية في بلادها، كما يتلقى البغدادي بيعة هذه التنظيمات له أيًّا كان موقعها كما حدث من أنصار بيت المقدس في مصر وحركة شباب المجاهدين في الصومال وجماعة بوكو حرام في نيجيريا.

    هناك حالات أخرى أقل تطورًا في الدول التي لا تسمح ظروفها الأمنية بإنشاء هيكل تنظيمي واضح، حيث يكون أنصار داعش فيها متفرقين بحيث لا يجمعهم رباط تنظيمي أو أي مرجعية قيادية محددة، هنا يكون الأداء أكثر عشوائية ولا مركزية، ويمكن فهمه ببساطة من خلال دعوة زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” أنصاره في وقت سابق إلى “الجهاد” في كل مكان بما في ذلك السعودية، التي تهكم على حكامها واصفًا إياهم بـ”آل سلول”، حيث دعا البغدادي إلى الجهاد ضد الدول العربية والإسلامية المشاركة في التحالف الذي تشنه الولايات المتحدة ضد التنظيم.

    يبدو واضحًا أيضًا من أسلوب عمل التنظيم خارج سوريا والعراق أنه يركز بشكل كبير على اختراق الأجهزة الأمنية على المستويات الوسيطة وفوق الوسيطة، لم يكن من قبيل المصادفة أن يظهر تأييد بعض عناصر الأمن في كل من السعودية والبحرين والإمارات للتنظيم، ربما يمكن رؤية الصورة بوضوح أكثر  إذا التقطنا صورة على الجانب المصري خصوصًا لعملية اختطاف “اللنش” الشهر الماضي قرب ميناء دمياط والتي تأكد تورط أحد ضباط الجيش المنضمين للتنظيم في تدبيرها، كذا عملية كمين كرم القواديش التي يأتي على رأس المتهمين فيها أحد ضباط الجيش السابقين.

    لن تسمح التدابير الأمنية التي تزداد تعقيدًا في الخليج للتنظيم بممارسة عمل تنظيمي ممنهج ربما في المدى القصير، لكن سياسة الاستهداف العشوائي من قبل الأنصار، وبعض العمليات التي يتم تدبيرها عبر اختراقات في الأجهزة الأمنية تؤكد أن “داعش” ربما صار بمقدورها استهداف الأنظمة الخليجية في عقر دارها.

المصادر

تحميل المزيد