يعتمد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الدين كجزء أساسي لإظهار صورته العامة، وذلك باستخدام الأرثوذكسية باعتبارها وسيلة لتعزيز أجندته السياسية. غير أن الأرثوذكسية لم تكن الديانة الوحيدة التي شهدتها روسيا في فترة ما بعد الحرب الباردة. فمن بين تلك الديانات الأخرى، كان الدين الإسلامي، الذي كان منبوذًا يومًا ما من قبل الدولة السوفيتية، إحدى الديانات التي احتضنتها الدولة الروسية.

كان هذا هو موضوع العرض الرئيسي لبولات أخميتكاريموف، طالب الدكتوراه في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جورج واشنطن. أخميتكاريموف تناول في رسالته، التي جاءت تحت عنوان «الإسلام وديناميكيات النظم العرقية والطائفية في روسيا، 1990-2012» مواقف الدولة الروسية تجاه الدين، وكيف تطورت تلك المواقف تجاه الإسلام في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.

باعتبارهم الأقلية الدينية الأكبر في روسيا، يشكل المسلمون نحو 11% من مجموع التعداد السكاني في روسيا. هذا في الوقت الذي توقع فيه مركز بيو للأبحاث أن ترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما يقرب من 13% بحلول عام 2030، ونحو 17% بحلول عام 2050 بتعداد سكاني يتخطى حاجز 20 مليون مسلم في روسيا.

لتسليط الضوء على مدى التطور الذي شهده الإسلام بروسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أشار أخميتكاريموف إلى أن نسبة “المؤمنين المسلمين” ازدادت بشكل كبير خلال العقدين الماضيين.

أكد أخميتكاريموف كذلك على وجود نوع من الإحياء الإسلامي في مرحلة ما بعد الشيوعية في روسيا في عام 1997. إحياء إسلامي تعكسه الزيادة التي شهدتها أعداد المساجد في روسيا. ففي الفترة من 1990 وحتى 1997، ارتفع عدد المساجد في روسيا من 160 إلى 7000 مسجدٍ. وفي حين كان إنشاء هذه المساجد يعود إلى مبادرات خاصة، فإن ذلك ربما يؤشر على تنامي الاتجاهات غير العدائية تجاه الإسلام في روسيا، وربما تجاه الدين بشكل عام.

وليس ذلك فحسب، بل إن عدد المبشرين بالإسلام الذين وفدوا إلى روسيا من الخارج ارتفع هو الآخر من صفر إلى ألف خلال ذات الفترة في نهايات القرن الماضي، ناهيك عما شهدته أواخر التسعينات من تصاعد وتيرة استخدام مصطلحي «الوهابية» و«السلفية».

جنبًا إلى جنب مع تلك الاتجاهات والمواقف الروسية تجاه الإسلام، والدين بشكل عام، فإن ثمة تحولًا كبيرًا كانت الدولة الروسية تشهده في ذلك الوقت.

ففي الوقت الذي كانت فيه سياسة الدولة في عهد الاتحاد السوفيتي يمكن تصنيفها على أنها “العلمانية الحازمة” التي فرضت فيها الدولة الخناق على التعبير الديني، فقد تحولت تلك السياسة إلى «العلمانية السلبية» في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، حتى أن مواقف الدولة تجاه التعليم الديني كان يجري تصنيفها على أنها «محايدة.«

وفي بدايات القرن الحالي، تحولت سياسات الدولة إلى مرحلة «الأديان المعترف بها» ليتم الاعتراف ليس فقط بديانة واحدة، كما كان الحال في روسيا في عهد بطرس الأكبر في عام 988، وإنما بأكثر من ديانة في ظاهرة أطلق عليها أخميتكاريموف «شراكة عضوية».

وردًا على سؤال حول ما إذا كان أخميتكاريموف يعتقد بأن مواقف الدولة الروسية تجاه الإسلام يمكنها أن تتأثر باتجاهات بوتين المتزايدة نحو الأرثوذكسية والإجراءات في أوكرانيا، قال بأن الكنيسة الأرثوذكسية لديها أهدافها الخاصة وليست مجرد «أداة في يد الدولة».

كما أشار إلى أن روسيا «لا تهدف بالتأكيد إلى أن تصبح دولة دينية». بشكل عام، لا يبدو أن أخميتكاريموف يعتقد بأن الحرية الدينية للمسلمين في روسيا ستعتريها مخاطر في المستقبل القريب.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد