مع انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر في 22 فبراير (شباط) الماضي، عادت إلى أذهان الكثير من الجزائريّين فُرصة الانتقال الديمقراطي الأُخرى التي شهدتها البلاد قبل أكثر من 30 سنة، وذلك بعد انتفاضة الخامس من أكتوبر (تشرين الأوّل) 1988؛ إذ عرفت خلالها البلاد احتجاجات واسعة وعنيفة في الكثير من المدن الجزائريّة للتنديد بالفساد والظلم، سقط خلالها مئات المحتجّين برصاص قوّات الأمن.

ووسط هذا الضغط الشعبي والغليان السياسي الذي كانت تشهده البلاد، أعلن الرئيس الجزائري حينها؛ الشاذلي بن جديد مجموعة من الاصلاحات السياسيّة التي من شأنها تحقيق الانتقال الديمقراطي، والتي كان من بينها إلغاء نظام الحزب الواحد، والسماح بإنشاء الأحزاب والجمعيات والنقابات الحرّة، وتحرير الصحافة من قبضة السلطة، ووعد بانتخابات حرّة.

ووسط استقطاب سياسيّ شديد اتّسمت به الفترة القصيرة التي شهدت تحرّرًا للفضاء العام من قبضة السلطة والأجهزة الأمنية، استغلّ الإسلاميّون فرصة الانفتاح السياسيّ، وتكتّل الجزء الأكبر منهم في حزب سياسيّ سُمّي «الجبهة الاسلاميّة للانقاذ»، وسرعان انطلق الحزب كالطوفان، يكتسح الساحة السياسية ويكتسب شعبيّة طاغية مكّنته من الفوز في مناسبتيْن انتخابيّتيْن، قبل أن يوقف الجيش المسار الانتخابيّ في يناير (كانون الثاني) 1992، ويعلن حالة الطوارئ، ويلقي القبض على الآلاف من أعضاء الحزب، وتدخل البلاد في نفق مُظلم، أو ما يُعرف بـ«العشرية السوداء» التي اتّسمت بعُنف مأساوي راح ضحيّته أكثر من ربع مليون إنسان، وتضيع فرصة الانتقال الديمقراطي الثمينة لمدّة 30 سنة على الأقلّ.


Embed from Getty Images

ومع انطلاق الحراك الشعبيّ ضد العهدة الخامسة، لم تغِب عن الأذهان ذكريات الانتقال الديمقراطيّ المُجهض قبل 30 سنة، وما رافقه بعد ذلك من أحداث أليمة، فاتّسمت مسيرات «حراك 2019» الأولى بالكثير من التخوّفات من انجرار المظاهرات نحو الفوضى، أو استعمال السلطة للعنف وسقوط ضحايا جُدد، فالبلاد التي لطالما دفعت حصيلة ثقيلة من الموتى في مختلف أطوارها التاريخيّة، سواء خلال ثورة التحرير التي راح ضحيّتها مليون ونصف مليون شهيد، أو ربع مليون هم ضحايا «العشرية السوداء»، لا تملك رفاهية إضاعة فُرصة ثمينة أخرى لتحقيق الانتقال الديمقراطي بطريقة سلميّة.

هذا الماضي القريب جعل قطاعات كثيرة تتخوّف من كلّ حراك سياسي خشية أن يتكرّر سيناريو العنف والدماء، خصوصًا وأنّ شبح «العشرية السوداء» لا يزال يحلّق في الكثير من البيوت الجزائريّة التي يملك أغلبها قتيلًا أو معطوبًا أو مفقودًا من جرّاء الحرب الأهلية.

صحيح أن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» لم تعد تملك القدرة الهائلة نفسها على الحشد، مثلما كانت تسيطر على الشارع في بداية التسعينات، خصوصًا بعد الحملة القمعيّة الشديدة التي تعرّضت لها طوال «العشرية السوداء»، لكن ورُغم حلّها رسميًّا وعدم وجود إطار قانونيّ لها حاليًّا، تبقى الجبهة حاضرة في الحراك الشعبي وفي المشهد السياسيّ العام، وقد مثّلت جنازة زعيمها الراحل عباسي مدني حدثًا بارزًا أثار الكثير من الجدل من طرف المتخوّفين من «عودة الجبهة» وما ارتبط بها في مخيال الكثيرين من مشاهد العنف، بينما يستغلّ بعض أعضائها فرصة الحراك الشعبيّ من أجل المطالبة بمحاكمة قادة الجيش المتسبّبين في «العشرية السوداء».

جنازة عبّاسي مدني.. عزاء أعاد «الجبهة» إلى الواجهة

طُرحت الكثير من التهكّنات عن حجم الشعبية التي بقيت للجبهة الإسلامية للانقاذ بعد كلّ ما مرّ به أعضاؤها من اغتيالات وسجن وتعذيب خلال المواجهة المفتوحة بينها وبين السلطة في «العشرية السوداء»، بين من رأى أنّها فقدت بريقها تمامًا بسبب اتّجاه جناح منها لاستخدام العنف، وبين قائل إنّ خطابها ينتمي إلى فترة أخرى، وأنّ الزمن تجاوزه، لكن تزامُن وفاة مؤسّس الجبهة و«زعيمها الروحيّ» عبّاسي مدني مع الحراك الشعبيّ قد جعل الكثيرين يراجعون هذه التقديرات، خصوصًا بعد مشهد عشرات الآلاف المعزّين الذين حضروا من مختلف الجهات لحضور الجنازة.

جنازة عبّاسي مدني 

جاءت جنازة عبّاسي مدني، الرئيس المؤسّس لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في توقيت حسّاس، بعد أقلّ من شهرين من اندلاع الحراك الشعبي، وككلّ جنازات وأفراح أعضاء الجبهة، سرعان ما تحوّلت الجنازة إلى مظاهرة سياسيّة رُفعت خلالها شعارات الجبهة القديمة التي تذكّر بالمسيرات الضخمة التي كان الحزب يُغرق بها أحياء العاصمة في وقت مضى.

وقد تعالت الأصوات خلال الجنازة بالشعارات السياسية المرفوعة في الحراك الشعبي كل جُمعة، المطالِبة برحيل النظام، وعاد شعار الجبهة الأيقونيّ «لا إله إلا الله، محمد رسول الله.. عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله» ليدوّي مجدّدًا.

وفي الوقت الذي أعادت هذه الصرخات الكثير من لحظات الحنين لأعضاء الجبهة، خصوصًا وأنّ الكثير منهم قد أمضى السنوات الطوال في السجون والمحتشدات بعد إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992؛ فإن هذه الصرخات قد شكّلت مصدر رعب للتيّارات المناوئة للجبهة الإسلاميّة للانقاذ، إذ رأوا فيها دليلًا على أنّ حزب «الفيس» (اختصار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بالفرنسية) لازال يملك قدرة كبيرة على الحشد، رغم الضربات القمعية القاضية التي تلقّاها خلال «العشرية السوداء».

فيما اعتبرها البعض «استعراض عضلات» من قِبل الحركة، وبدأت التحليلات المتكرّرة عن «محاولة اختطاف الاسلاميين للثورة»، في حين أن الجنازة لم تمثّل للكثير من أعضاء ومتعاطفي الجبهة أكثر من زيارة أخيرة لسنوات الشباب والنشاط الإسلامي قبل 30 سنة، لكن هذه المرّة مع ذاكرة محمّلة بمشاهد القمع والمطاردة.

الجنازة التي أتت بعد أقلّ من شهر من استقالة الرئيس بوتفليقة، شهدت منع نائب رئيس «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» علي بن حاج من حضورها، وهو ما أثار سخط وصدمة الكثيرين من أنصار الجبهة الذين كانوا يأملون أنّ رحيل بوتفليقة قد يعني إرخاء القبضة الأمنية المشدّدة على علي بن حاج، الممنوع من التنقّل والعمل والصلاة وغيرها، وهو ما أثار غضب وإحباط الكثير من الحاضرين الذين فقدوا الأمل في أن  يكون رحيل بوتفليقة مؤشّرًا على حدوث تغيير جوهري في ممارسات النظام.

من ثورة التحرير إلى «العشرية السوداء».. كيف سطر عباسي مدني فصولًا من تاريخ الجزائر؟

الموقف من الجيش.. نقطة خلاف بين قيادات الجبهة

أثناء جنازة عباسي مدني، وخلال الكلمات التأبينيّة التي ألقاها قادة الجبهة، حضر موضوع الحراك الشعبيّ بقوّة. وقد كان المثير للاهتمام تلك النبرة المتسامحة نوعًا ما مع قيادة الجيش في لُغة بعض قيادات الجبهة الذين حاولوا إيصال رسائل ضمنيّة داعمة لتحرّكات الجيش، بالإضافة إلى تأكيدهم على ضرورة عدم تصدّر أعضاء الجبهة للمسيرات أو رفع شعارات غير تلك التي يرفعها عموم الناس في الحراك الشعبي.

بدا ذلك واضحًا في كلمة علي جدّي، أحد قياديّي الجبهة، الذي قال: «احذروا أن يدخلوكم في متاهات أو يستفزّوكم، امشوا مع الشعب، ارفعوا الشعارات مع الشعب، يومَ أن يسترجع الشعب حريّته وسيادته، نفتح ملفّاتنا وننال حقوقنا من عند شعبنا بعزّة وكرامة، أؤكّد على الثقة في الله، والثقة في الشعب الجزائري، وهذه الثقة تُترجم بأن نمشي معه، لا نسبقه ولا نتخلّف عليه، حتى لو أبطأ سرعته أبطأنا معه، ولو أسرع أسرعنا، لا نتخلّف عليه».

شاهد: رأي القيادي في جبهة الإنقاذ علي جدّي حول دور الجيش

كذلك أكّد علي جدّي خلال الكلمة ضمنيًّا أنّ الجيش به قيادة وطنيّة تريد محاربة النفوذ الفرنسي في الجزائر، خصوصًا مع الاعتقالات بالجُملة التي راح ضحيّتها مسؤولون سامون في الدولة من بينهم وزراء أوّلون ورجال أعمال نافذون، بالإضافة إلى كلّ من شقيق الرئيس السابق سعيد بوتفليقة ورئيسيّ جهاز المخابرات الجنرالات توفيق وطرطاق.

هذا الرأي المؤيّد ضمنيًّا لتحرّكات الجيش أثار انتقادات من داخل معسكر الجبهة الاسلامية، خصوصًا بالنظر إلى أن علي بن حاج، أكبر رموز الجبهة بعد رحيل عباسي مدني، يتّخذ موقفًا منتقدًا بشدّة للقيادة العسكريّة التي استلمت فعليًّا مقاليد السلطة بعد رحيل بوتفليقة، ويرى أنّها تحاول الالتفاف على الحراك ولا تملك نيّة حقيقية لتسليم السلطة، كما اعتبر قضيّة الراية الأمازيغية التي حذّر منها قائد الأركان مجرّد ذريعة لإعلان حالة الطوارئ.

بعد خطاب قائد الجيش.. هل تستغلّ السلطة الحساسيات الجهوية لتقسيم حراك الجزائر؟

الشيخ الذي كان طوال الثمانينات والتسعينات يُلهب مشاعر أنصاره بخُطبه المدوّية والتي قد يصفها البعض بالمتطرّفة فاجأ الكثيرين بموافقه السياسيّة الأخيرة منذ اندلاع الحراك، إذ دعا جميع التيّارات إلى التوحّد وتجنّب الخلافات بين الإسلاميين وغيرهم من التيّارات، كما أنّه طالب بمحاكمات عادلة لرموز النظام المعتقلين، رغم مسؤوليّة بعضهم عن التضييقات الأمنية التي عانى منها لسنوات طويلة.

المفقودون وجنرالات التسعينات.. «العشرية السوداء» حاضرة في الحراك

عادت الكثير من الملفّات المتعلّقة بـ«العشرية السوداء» إلى الواجهة مع الانفتاح النسبيّ الذي صاحب الحراك الشعبيّ، فبعد 27 سنة من وقف المسار الانتخابي من طرف الجيش ودخول البلاد حربًا أهلية عصيبة، رفع العديد من المتظاهرين في العاصمة ومدن أخرى شعارات مُطالبة بأن تشمل المحاكمات والاعتقالات وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزّار الذي كان أحد أبرز وجوه الانقلاب العسكري سنة 1992.


شاهد: المتظاهرون في العاصمة ينادون «مازال خالد نزّار»

ومن بين هذه الملفّات المرتبطة بـ«العشريّة السوداء»، ملفّ المختفين قسريًّا بعد إيقافهم من طرف الأجهزة الأمنيّة؛ إذ يطالب ذووهم لحدّ اليوم بالكشف عن مصيرهم والشفافيّة في هذا الملف وسط تعتّم شديد من طرف السلطة.

«أبناؤكم ليسوا في جيبي»

عندما وصل بوتفليقة إلى السلطة سنة 1999 باتفاق مع قيادة الجيش، كانت أهمّ بنود الاتفاق بين الطرفين هي عدم فتح ملفّ الانتهاكات الشنيعة التي حدثت خلال «العشرية السوداء» بين الجيش والإسلاميين، وقد بقي بوتفليقة وفيًّا لهذا الاتفاق لآخر أيّامه، وحين عرض مشروع المصالحة التي يعتبره كثيرون مشروعه الأبرز طوال فترة حكمه، نصّ الميثاق على عدم متابعة المسؤولين في الجيش على أيّة انتهاكات ارتُكبت خلال «العشرية السوداء»، وفي إحدى اللقاءات الشعبية الشهيرة أثناء تنقّلات بوتفليقة بين المدن المختلفة، وحين صرخت إحدى أمّهات المفقودين في وجهه مطالبة إياه بالكشف عن مصير ابنها المختطف، كان ردّه القاسي: «أبناؤكم ليسوا في جيبي».

ويعدّ ملفّ المفقودين واحدًا من العديد من الطابوهات التي حاولت السلطة حجبها وتغييبها، وهم أولئك الذين قامت الأجهزة الأمنية باختطافهم خارج إطار القانون ولم يُعرف مصيرهم لحد الآن، وحاولت السلطة إغلاق هذه القضيّة من خلال ميثاق السلم والمصالحة الوطنيّة الذي أقرّه بوتفليقة في سنة 2005 والذي تضمّن تعويضات ماديّة لأهالي المختطفين، لكن الأهالي يؤكّدون من خلال وقفات أسبوعيّة لم تنقطع منذ التسعينات على مطلب «الحقيقة والعدالة» في حق ذويهم، ويبلغ عدد هؤلاء المختفين قسريًّا حسب تنسيقية عائلات المفقودين أكثر من 20 ألف شخص، بينما تؤكّد مصادر السلطة أن الرقم لا يتعدّى حوالي 7 آلاف.

حراك 2019 ليس الأوّل.. حكايات انتفاضات الجزائريين المُجهضة منذ الاستقلال

 

المصادر

تحميل المزيد