محمد صلاح عبد الجواد 7
محمد صلاح عبد الجواد 7

2,237

في شهر يونيو(حزيران) العام الماضي وخلال مؤتمر الأمان الشبكي الذي عقدته الحكومة الإسرائيلية في جامعة تل أبيب، أعلن «بنيامين نتنياهو» أن إسرائيل أصبحت تمتلك 20% من الاستثمار في مجال الـ«CyberSecurity» أو ما نسميه باللغة العربية «الأمان الشبكي»، وعلى الرغم من أن مشروع إسرائيل في هذا المجال بدأ فقط منذ أقل من ست سنوات؛ إلا أن إسرائيل تحتل في الوقت الحالي المركز الثاني عالميًا، بعد الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار منتجات الأمان الشبكي الذي يقدر بحوالي 84 مليار دولار، حتى أن الولايات المتحدة في عام 2017 وقعت اتفاقية مع الحكومة الإسرائيلية من أجل أن تقوم الأخيرة بتطوير ورفع كفاءة حالة الأمان الشبكي في الولايات المتحدة خصوصًا بعدما أثبتت أنظمة الولايات المتحدة الحالية، عدم الكفاءة عند التعامل مع الهجمات والاختراقات الشبكية، والدليل على ذلك؛ تمكن روسيا من تنفيذ اختراقات ناجحة للتأثير على مجريات الأمور في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والتي أتت بدونالد ترامب رئيسًا.

ولا تقتصر استثمارات إسرائيل في مجال الحماية الشبكية على الشركات والمؤسسات؛ بل تتعدى إلى دول بأكملها، فعلى سبيل المثال؛ وقعت إسرائيل في أبريل (نيسان) عام 2016، اتفاقية مع حكومة سنغافورة تنص على أن تقوم إسرائيل بالدعم والاستثمار في أكثر من  300 شركة سنغافورية ناشئة، متخصصة في مجال الحماية الشبكية.

التقرير التالي، يستكشف كيف أحرزت إسرائيل خلال  وقت قصير، كل هذا التقدم في مجال الأمان الشبكي.

الحكومة هي مركز الحماية والأمان الشبكي في إسرائيل

يتكون نظام الأمان الشبكي الذي تطبقه إسرائيل من ثلاثة مستويات: المتانة والمرونة والمقاومة. يعتبر المستوى الأول «المتانة» بمثابة الوقاية من الأمراض، وفيه تقوم الحكومة الإسرائيلية فقط بتوفير توجيهاتها ونصائحها واستشارتها للمؤسسات والشركات لكي تقي نفسها من أخطار الإختراق الشبكي «Halking»، أما مسؤولية الوقاية فتقع على الأفراد والمؤسسات نفسها في المقام الأول.

في المستوى الثاني أو مستوى المرونة، يبدأ الدور القوي الذي تلعبه الحكومة الإسرائيلية، وفيه تقوم الحكومة بتحليل ومراقبة وتقييم أنظمة تلك الشركات وتقديم تقارير لها بشكل دوري  يتضمن نقاط القوة ونقاط الضعف، التي من الممكن أن تكون سببًا في أي اختراق أو هجوم شبكي محتمل. وعند تحقيق المستوى الأول (المتانة) والمستوى الثاني (المرونة) تصبح الحماية الشبكية سليمة وقوية بنسبة 95%؛ ولكن تبقى المرحلة الأخيرة  أو مرحلة المقاومة والتي تقوم فيها الحكومة -وحدها- بالتعامل مع أي اختراق أو هجوم شبكي قوي للغاية، بشكل لا تستطيع المؤسسات والشركات التعامل معه.

وقبل الدعم الفني، نجحت الحكومة الإسرائيلية في توفير بيئة متكاملة تتوفر فيها عوامل الدعم الفني والاقتصادي  التي تساعد على تطور هذا المجال. البداية كانت في عام 2010؛ عندما أسند رئيس وزراء إسرائيل «بنيامين نتنياهو» مهمة  إنشاء خطة خمسية لتطوير مجال الحماية والأمان الشبكي في إسرائيل إلى «إسحاق بن إسرائيل»، والذي تمكن من تصميم بيئة متكاملة تتكون من، أولًا: الحكومة وبالتحديد وزارة الدفاع والتي تتولى مهمة الدعم الفني، ثانيًا: الدعم الاقتصادي والاستثماري وذلك من خلال استقطاب شركات كبيرة متعددة الجنسيات رائدة في مجال التكنولوجيا والحماية الشبكية مثل: (  IBM, Deutsche Telekom, Dell, Oracle)، أما العضو الثالث في هذا المشروع، فكانت الجامعات ومراكز الأبحاث التكنولوجية الإسرائيلية.

ومن أجل إيواء هذا المشروع الكبير في مكان واحد؛ أسست الحكومة الإسرائيلية مدينة تكنولوجية كبيرة أطلقت عليها اسم «Advanced Technology Park» أو حديقة التكنولوجيا المتقدمة في مدينة بئر السبع، وفي الوقت الحالي يوجد داخل هذه الحديقة حوالي 70 شركة متخصصة في مجال التكنولوجيا يعمل بها حوالي 1500 مهندس، وتخطط الحكومة أن يزيد هذا الرقم إلى 10 آلاف مهندس بحلول عام 2026.

الجزائر الأولى عربيًّا.. أكثر الدوّل تعرضًا للهجمات الإلكترونية في العالم

المجندون هم العنصر البشري في هذا المشروع
منذ إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تشهد إسرائيل السلام ليوم واحد، الأمر الذي جعل تطوير القدرات العسكرية الإسرائيلية هي المهمة الأولى لأي حكومة إسرائيلية، وعطفًا على ذلك، قامت الحكومة بتطوير خطة لحماية أنظمتها الإلكترونية من الاختراقات والهجمات الشبكية، وبذلك أصبحت الوحدة 8200 داخل جيش الدفاع الإسرائيلي هي الحاضنة لكل الشركات الإسرائيلية الناشئة المتخصصة في الأمان الشبكي.

وعلى الرغم من أن التجنيد لمدة ثلاث سنوات، إجباريًا على كل المواطنين في إسرائيل؛ فإن التجنيد داخل الجيش الإسرائيلي مختلف نوعًا ما؛ لأنه لا يقتصر على تدريب المجندين على العلوم العسكرية والحربية فقط، بل يوجد برنامج موازٍ يهدف إلى تدريب المجندين الصغار على القيادة والعمل المجتمعي والاقتصاد وريادة الأعمال، لذا نجد أن إقامة شركة ناشئة هو الخيار الأول لكثير من الشباب الإسرائيلي فور انتهائهم من الخدمة العسكرية.

وعند التجنيد يتم اختبار المجندين الصغار المرشحين للانضمام إلى الوحدة 8200، من أجل اختيار أمهر وأفضل من فيهم، كي ينضم إلى واحدة من أقوى وحدات الأمان الشبكي العسكرية في العالم، وبعد انضمامهم تتولى الحكومة بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني ومؤسسات تعليمية بتنظيم تدريبات تمهيدية لهؤلاء المجندين، كي يصبحوا مستعدين للانضمام إلى كتيبة الدفاع الإلكتروني الإسرائيلي، وأثناء خدمتهم العسكرية تقوم الوحدة العسكرية بتقييم أدائهم بشكل دوري وتنظيم تدريبات خاصة لهم من أجل رفع كفاءتهم. وبعد انتهاء الخدمة العسكرية، تقوم الحكومة بتوظيف كل من خدم في الوحدة 8200 في أقسام الأمان الشبكي والشركات الخاصة والمؤسسات، وبذلك تضمن إسرائيل أن هناك موظفين أكفاء في مختلف الأماكن يمكنهم التعامل مع أي هجوم شبكي محتمل.

تعليم الأمان الشبكي في إسرائيل يبدأ من المدارس الابتدائية

حتى تضمن إسرائيل استدامة تفوقها التكنولوجي في مجال الأمان الشبكي، فكرت الحكومة في إعداد جيل ماهر من المبرمجين يناسب ثورة إسرائيل التكنولوجية، ولذلك أصبحت إسرائيل هي الدولة الوحيد في العالم التي تنظم معسكرات صيفية ومواد تعليمية طوال السنة لتعليم الأطفال في المدارس، ويدرس الأطفال في هذه الفصول مهارات وتقنيات بسيطة تخص البرمجة والتشفير وكتابة الأكواد وكيفية حماية أنفسهم من أي محاولة لاختراق أجهزتهم الإلكترونية.

وفي فبراير (شباط) عام 2017 أعلنت الحكومة الإسرائيلية تأسيس مركزها القومي لتعليم الأمان الشبكي والذي أصبح مسؤولًا عن تصميم وتنفيذ البرامج التعليمية للطلاب في جميع المراحل التعليمية، حتى يتم تعميم المناهج وضمان كفاءتها بعد أن كان ما يتعلمه الأطفال، من تجهيز المدرسة نفسها، أو من خلال محاضرات بسيطة يلقيها تقنيون من الجيش.

وعلى نطاق التعليم الجامعي، يوجد في إسرائيل حوالي ست جامعات تمنح درجة بكالوريوس علوم الحاسب في تخصص الأمان الشبكي، وحتى وقت قريب كانت إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكن لأي باحث الحصول فيها على درجة الدكتوراة في تخصص الأمان الشبكي كفرع مستقل من العلوم، وليس كما هو معتاد في كافة جامعات العالم، إذ يحصل الباحث على درجة الدكتوراه في علوم الحاسب مع التركيز على الأمان الشبكي.