4,053

فيما كان سكان حي يبنا الواقع في مدينة رفح (جنوب قطاع غزة) آمنين لحين ما في أحد أيام العام 2003، اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي الحي، وبين الشوارع التي حصنتها المقاومة الفلسطينية بالسواتر الإسمنتية وصلت الدبابات الإسرائيلية بهدوء، ودخل الجنود وسط الأحياء دون أي مقاومة أو تصد لهم، إذ كانت الغالبية تتابع أحد مباريات كرة القدم العربية داخل المنازل.

هذه الرواية التي تدوم في ذاكرة السكان، جعلت الفلسطينيين يقظون لكون العقلية الإسرائيلية العسكرية لا تغيب فرصة استغلال الأحداث الرياضية لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية لها، فإسرائيل على مدار السنين سجلت العديد من الحوادث التي تظهر استغلالها لانشغال العالم بالمباريات الرياضية فتقدم على الحروب والاجتياحات، ولذلك مع بدء استعداد العالم لمشاهدة مباريات نهائيات كأس لعالم لكرة القدم، التي تستضيفها روسيا  منذ بين 14 يونيو (حزيران) وحتى 15 يوليو (تموز) القادم، سارعت موسكو لمطالبة إسرائيل بعدم تنفيذ غارات لسلاحها الجوي في سوريا، وذلك لتخوف موسكو من خروج الوضع عن السيطرة، فيتحول الرأي العام العالمي من كأس العالم إلى سوريا، لكن مع استمرار إسرائيل الآن بقصف مناطق في سوريا وأخرى في قطاع غزة، يمكننا المرور تاريخيًا على آليات استغلال دولة الاحتلال لتوقيت مباريات كأس العالم لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية.

البث الإسرائيلي مجاني للدول العربية!

«العرب ممتنون لإسرائيل: أوقفتم احتكار بث المونديال القطري»، هكذا عنون موقع «المصدر» التابع للاستخبارات الإسرائيلية تقريرًا له يؤكد فيه إتاحة سلطة البث الإسرائيلي مشاهدة مباريات كأس العالم باللغة العربية للدول العربية المحيطة بإسرائيل.

شاب عربي يشاهد مباريات كأس العالم (المصدر: أ ف ب)

قبيل بدء مباريات كأس العالم 2018 القائمة الآن بروسيا، أعلنت إسرائيل عن إتاحتها فرصة مشاهدة هذه المباريات على قناة «مكان» الإسرائيلية من القمر الصناعي (أموس) دون مقابل مادي، وقالت حينها إنها وفرت معلقين باللغة العربية، واستوديوهات تحليلية للمباراة أيضًا باللغة العربية، كما أكدت أن هذا البث متواز مع البث العادي باللغة العبرية، ونقل موقع «المصدر» عن محلل رياضي مصري يدعى «محمود معروف» قوله إن: «قرار اتحاد البث الإسرائيلي بالعربية لبث مباريات كأس العالم مجانًا سيُلحق ضررًا خطيرًا بقطر وخسارة مليارات الدولارات أيضًا»، مضيفًا: «إن بث إسرائيل للمونديال بالعربية يشكل خطوة رائعة، وضربة قاضية لقطر… ستخسر 3.06 مليار دولار، على الأقل، بسبب بث المباريات».

كرة القدم بين ملاعب الرياضة وأروقة الاقتصاد والسياسة!

وبالرغم من أن شبكة قنوات (بي إن سبورت) القطرية هي من تمتلك حقوق البث الحصري لكأس العالم في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية بقيت مصرة على أنها ستنقل للعالم العربي المباريات مجانًا، لكن الحقيقة التي تتبعها «ساسة بوست» هو أن القناة الإسرائيلية لم تبث المباريات باللغة العربية بل باللغة الإنجليزية، فقد اشترت إسرائيل حقوق البث داخل دولتها فقط، وعبر القنوات الأرضية الإسرائيلية، وذلك بمبلغ 6.3 مليون يورو، وكان من المفترض أن تبث بالعبرية فقط، وقد أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على أن (بي إن سبورت) القطرية هي الناقل الحصري لنهائيات كأس العالم، ولا يستعبد المحللون أن تكون جرت محاولات ضمن التحالف المتصاعد بين السعودية والإمارات من جهة وإسرائيل من جهة أخرى لتنفيذ ذلك، خاصة أن الرياض سبق وأن عملت على إلحاق الضرر بقنوات (بي إن سبورت) منذ بدء الأزمة الخليجية، فيما بادلتها إسرائيل وتحديدًا وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن تمنّت للمنتخب السعودي النجاح والتوفيق أمام روسيا.

اللاعب المصري، محمد صلاح في مباراة الثلاثاء بين مصر وروسيا ( المصدر : موقع جول)

ورغم عدم صدق إسرائيل فيما يخص وعد بث المباريات بالعربية إلا أنها حققت أهدافًا لها، تتمثل في أن هذا الإعلان دفع الكثير من مواطني الدول العربية المجاروة إلى تثبيت القناة الاسرائيلية في أجهزة التلفاز، الأمر الذي يعني أنهم عرضة للخطاب الإعلامي الإسرائيلي، فدخول تلك القنوات في البيوت العربية يجعل أفرادها معتادين على الأخبار والروايات الإسرائيلية، ومثلت خطوتها محاولات لاختراق فكري للمجتمع العربي، واستمالة للمشاهد العربي خصوصًا في الدول المحاذية لها، فهي حاولت عبر هذا النوع من الإعلان مواجهة الحالة العربية الشعبية التي ترفض للتطبيع، بالعاطفة الكبيرة التي يكنّها الشباب العربي لكرة القدم.

ويؤكد خبير الحملات الإعلامية «يحيى عبد الهادي» في حديث لـ«عربي 21» أن: «القرار الإسرائيلي خبيث للغاية، فهو حدد النقل من خلال قناة إسرائيلية وعلى القمر الاصطناعي الإسرائيلي، وبالتالي سيتم جر الراغبين من شعوب المنطقة المحيطة بها إلى تحويل أطباق الاستقبال الخاصة بهم إلى القمر الإسرائيلي أو محاولة التقاط القمر من خلال ترددات النايل سات، وهي فرصة كبيرة لقيام إسرائيل بالترويج لأهدافها، من خلال الفواصل الإعلانية والبرامج الخاصة بالتعليق، وبالتالي سوف تقوم ببث سمها في عسل كأس العالم».

على هامش المونديال.. انتهاكات ضد الفلسطينيين

نفذت إسرائيل قرارًا أعلنه وزير الأمن الإسرائيلي «جلعاد أردان» يقضي بمنع الأسرى الفلسطينيين من متابعة مباريات كأس العالم عبر شاشة القنوات الإسرائيلية التي تبث بالعبرية، تلك اللغة التي يعرفها غالبية الأسرى (هناك حوالى 6 آلاف و 500 أسير)، ويأتي هذا القرار بالرغم من نزع الأسرى حقوق نافذة تتيح لهم مشاهدة التلفاز داخل السجون الإسرائيلية.

أسرى فلسطينيون (المصدر : رويترز)

وقد قال «أردان»: «لا أنوي السماح لأعضاء حركة حماس المعتقلين في سجوننا بالتمتع بمشاهدة مباريات كأس العالم، في حين أن هناك رهائن إسرائيليين وجنود في قطاع غزة»، مضيفًا أن: «السجناء الذين يؤيدون الإرهاب لا يمكنهم الاستمتاع بمسابقة رياضية تجمع الشعوب».

وتعج السجون الإسرائيلية بالكثير من الأسرى الرياضيين ومنهم لاعبو كرة قدم، وبشكل عام تعد متابعة الأحداث الرياضية المحلية والعالمية أحد أبرز اهتمامات الأسرى الفلسطينيين، خاصة مونديال كأس العالم الذي ينظم كل أربع سنوات.

ويعقب على هذا القرار «مركز حنظلة للأسرى والمحررين» فيؤكد أن القرار يمثل: «حلقة جديدة من حلقات القهر والحرمان للأسرى الأبطال في سجون الاحتلال ضمن السياسة الممنهجة لإدارة مصلحة السجون في سحب كل منجزات الحركة الأسيرة والامتيازات التي سبق أن انتزعها الأسرى بتضحياتهم ونضالهم»، مؤكدًا على أن هذا القرار بمثابة «ضرب بعرض الحائط لكل مطالب الأسرى واحتياجاتهم واتصالهم بالعالم الخارجي، وهي ممارسات تكشف الوجه الإجرامي الحقيقي للاحتلال».

دروس في الإقناع.. كيف انتصرت «بي دي إس» على إسرائيل وألغت مباراة الأرجنتين؟

أما عسكريًا، فلن ينسى الفلسطينيون تزامن مباريات كأس العالم عام 2014 بالبرازيل مع عدوان إسرائيل على قطاع غزة، حيث شن عدوان واسع في يوليو بالتزامن مع بث المباريات، عرف إسرائيليًا باسم «الجرف الصامد» وتسبب في قتل 1742 فلسطينيًا 81% منهم من المدنيين، وقد أوجع الفلسطينيين بحكاية قتل مجموعة من المواطنين تواجدوا في استراحة على شاطئ ساحل القرارة في خان يونس (جنوب قطاع غزة) لمتابعة إحدى مباريات المونديال، حيث أدى قصف إسرائيلي مباشر لمقتل 10 منهم.

اللبنانيون.. كأس العالم وذاكرة الحرب

في العام 2015، كشفت وثائق سمحت دولة الاحتلال بنشرها أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو العام 1982، كان يهدف لاحتلال بيروت، وليس كما أشيع أنه انطلق ليكون مجرد اجتياح عسكري لمسافة أربعين كيلومترا فقط.

لبنانيون حول تلفاز واحد صغير يعمل على بطارية سيارة (المصدر: الأخبار اللبنانية)

هذا الاحتلال الذي يتم بالتزامن مع انطلاق مباريات كأس العالم لكرة القدم 1982 في إسبانيا، واشتد الحصار والقصف في 13 من يونيو 1982 في أول يوم مباراة بين الأرجنتين وبلجيكا، الأمر الذي أثار اعتقاد أن اختيار هذا التوقيت كان ضمن ترتيبات الاجتياح، إذ على وقع أصوات الدبابات الإسرائيلية بدأ المونديال، وقد حاول اللبنانيون آنذاك البحث عن فرصة آمنة للاجتماع حول تلفاز واحد صغير يعمل على بطارية سيارة لمشاهدة المباريات.

وقد أثار انشغال الشعوب العربية بالمونديال عما يحدث في لبنان الكثير من الانتقادات، وكانت الصدمة بردة الفعل العربي الشعبي فيقول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني «جورج حاوي»: «كانت تشتد تحديًا، عدما يزداد القصف يزداد التحدي، ومخيل لنا أنه الآن العالم سيهتز إن بيروت تحترق، إن قذيفة قد دخلت ملجأ في برج براجني فقتلت 75 بريئًا أو أكثر، الآن العالم سيهتز، شوارع الجزائر ستنزل بها المظاهرات، فإذا بنا نفاجأ أن المظاهرة كانت تعمل لفريق الجزائر اللي انتصر على ألمانيا في كرة القدم.»، فبعدما فازت الجزائر على منتخب ألمانيا لكرة القدم 2-1 في 16 يونيو، وعلى تشيلي في 24 من ذات الشهر، أخرجت الجزائر من الدور الأول بعد مباراة بين ألمانيا الغربية والنمسا ظهر فيها اتفاق الفريقين على اللعب بطريقة تجلب نتيجة معينة تتطيح بالجزائر وتصعد الفريقين، وهو ما فسره العرب بالمؤامرة، فخرجوا بالمظاهرات احتجاجًا.

اجتياح بيروت 1982 (المصدر: موقع عرب 48)

كذلك، لا تنسى الذاكرة اللبنانية أنه بعد أسبوع من مونديال ألمانيا الذي فازت به إيطاليا اندلعت (حرب تموز) 2006، لذلك أصبح اللبنانيون يربطون بين المونديال والحرب، فيقول أحد اللبنانيين إن: «كأس العالم بالنسبة للمشجعين الكرويين اللبنانيين بين نارين؛ نار المتعة ونار أنه من الممكن أن يكون المونديال نحسًا، ويجلب لهم حربًا جديدة».