في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أعلن الأردن توقيع «إعلان نوايا» مع الإمارات وإسرائيل؛ برعاية وتشجيع أمريكي في دبي، وهو الإعلان الذي ينص على بيع تل أبيب مياهها المحلاة لعمان، مقابل بيع الأخيرة كهرباء من مشاريع طاقة متجددة لتل أبيب، فلماذا تحتاج الأردن إلى توقيع مثل هذا الاتفاق؟ وهل تستغل إسرائيل حاجة الدول العربية للموارد للقبول بتعميق التطبيع معها وتعزيزه؟ 

الأردن بين فكي كماشة: شح المياه وتعزيز التطبيع

يعتبر الأردن ثاني أفقر بلد في العالم من ناحية مصادر المياه، وتتزايد حاجته للمياه باستمرار بسبب الزيادة السكانية الطبيعية، والزيادة السكانية الناجمة عن موجات اللجوء المختلفة، فمنذ عام 2011 وحتى 2021، ارتفع عدد سكان الأردن 3 ملايين ساكن تقريبًا، أي ما نسبته 40% من عدد السكان، ويُضاف إلى ذلك تحديات سوء إدارة المياه أيضًا، إذ يقدر الفاقد من المياه في الأردن بنحو النصف، سواء بسبب اهتراء شبكات المياه، أو بسبب السرقة والتعدي على المياه، والتي حاول الأردن محاربتها.

وقد واجه الأردن تحديًا كبيرًا في توفير المياه خلال أواخر عهد رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو، إذ ماطل نتنياهو لأشهر قبل أن يرضخ للضغط الأمريكي لتزويد الأردن بمقدار 50 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، ويحصل الأردن على جزء من مياهه عن طريق نهري الأردن واليرموك بموجب ملحق خاص باتفاقية وادي عربة، لكن نتنياهو عاد ووجه انتقادًا لخليفته في المنصب؛ نفتالي بينيت، لتزويده الأردن بالمياه دون مقابل سياسي، في ظل حاجة إسرائيل لتعميق التطبيع مع دول الجوار.

Embed from Getty Images

سد الموجب في الأردن

سمحت إسرائيل ببيع المياه للأردن ضعف ما كانت تبيعه سابقًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وأصبحت الأردن تحصل على 100 مليون متر مكعب، بعد أن كانت الكمية 50 مليون متر مكعب، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء مشكلة المياه في الأردن، ولا إيجاد حل مستدام لشح المياه، خصوصا أنه لا أفق حاليًا لعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم في المستقبل القريب، فضلًا عن أثر التغيّر المناخي عن طريق الجفاف وزيادة الحرارة وقلة مناسيب الأمطار في السنوات الأخيرة، وهي الظروف التي أصابت المنطقة وأثرت على دولها، وجعلت الأردن بحاجة إلى حل مستدام لمشكلة المياه. 

ولكن كيف انتقل الأردن من موقع السلام البارد مع إسرائيل إلى تعميق التطبيع معها عبر حل مشكلته المائية بواسطة تل أبيب، وبالتعاون مع الإمارات راعية التطبيع مع إسرائيل في المنطقة، والتي كانت متحمسة لصفقة القرن في ظل عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي عارضها الأردن بشكل رسمي. 

من السلام البارد إلى «الماء مقابل الكهرباء» 

خلال عهد نتنياهو أصبحت العلاقات بين إسرائيل والأردن «باردة» حسب وصف ملك الأردن عبد الله الثاني، وذلك على خلفية الخلاف القائم بين الطرفين على ملف القدس، ورفض الأردن ضم أراض فلسطينية جديدة إلى إسرائيل، وغيرها من الملفات التي ترتبط بالخصوص بصفقة القرن الأمريكية في عهد ترامب التي شملت الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها.

وعلى أثر ذلك ماطل نتنياهو في بيع المياه للأردن، علمًا بأن ملحق المياه من اتفاقية التطبيع (وادي عربة) الموقعة بين الطرفين تفصل الآلية التي يدار فيها ملف المياه بينهما على سبيل الشراكة، كما تقضي بتطوير خطة لتزويد الأردن بأكثر من 50 مليون متر مكعب التي تنص عليه الاتفاقية. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
هل تضع «قناة البحرين» الأردن في قبضة إسرائيل؟

كما أن اتفاقيات أخرى جرى الحديث عنها بين الطرفين خلال الأعوام الماضية، قد تساعد في حل مشكلة المياه في الأردن ومنها مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر الميت، والمعروف باسم «ناقل البحرين» الإقليمي، ولعقد كامل من الزمان جرى الحديث عن تنفيذ مشروع مشترك بين الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية باسم ناقل البحرين، يربط البحر الأحمر بالبحر الميت، ويساعد في تحلية مياه البحر في جنوب الأردن؛ ونقلها إلى بقية مدنه في الشمال، بالإضافة إلى توليد الكهرباء عن طريق تدفق المياه.

وقد جرى الإعلان عن تعثر المشروع لاحقًا بسبب التعنت الإسرائيلي، فيما انتشر الحديث عن إمكانية البدء بمشروع ناقل البحرين الوطني، الذي يقوم على تحقيق أهداف المشروع الماضي، لكن بجهد أردني خالص ودون الشراكة مع تل أبيب، ويتوقع أن يوفر للأردن 350 مليون متر مكعب سنويًا عند الوصول إلى طاقته القصوى، لكن لم يحدث تقدم واضح في المشروع، ولم يجر إعلان خطوات حقيقية لاستكماله، وهو ما دفع الأردن للاتفاق على مشروع آخر مع تل أبيب قد يوفر للبلاد حال البدء به 200 مليون متر مكعب، مقابل بيع الكهرباء المنتجة عن طريق الطاقة الشمسية لتل أبيب، فكيف توصل الأردن إلى توقيع اتفاق شراكة ضخم كهذا ليتجاوز مرحلة السلام البارد إلى تعميق التطبيع والشراكة الإستراتيجية مع إسرائيل؟

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت

بعد خسارة الجمهوريين في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة ووصول جو بايدن إلى السلطة، والتي تبعها خسارة نتنياهو للانتخابات وتشكيل حكومة برئاسة بينيت، بدأت العلاقة بالعودة إلى دفء التطبيع بين الطرفين، برعاية أمريكية، إذ وقع الطرفان ثلاثة اتفاقات برعاية أمريكية، أولها هو زيادة مشتريات المياه من تل أبيب، وثانيها رفع سقف الصادرات الأردنية إلى الضفة الغربية بضوء أخضر من إسرائيل والولايات المتحدة، وثالثها استيراد المنتجات الزراعية من الأردن خلال «سنة الراحة اليهودية» التي يتوقف فيها الإنتاج الزراعي في إسرائيل. 

على غير العادة.. اتفاق كبير في مصلحة الأردن

يعالج الاتفاق الحالي مسألة أكثر إلحاحًا على السلطات الأردنية، ويفتح المجال إلى توسيع باب التعاون مع الإمارات، التي تقود عمليات التطبيع مع إسرائيل، لتصبح شريكة في العلاقات الثنائية الأردنية-الإسرائيلية، برعاية أمريكية، وبحسب وكالة «والا» للأنباء الإسرائيلية التي سرّبت الاتفاق في 17 نوفمبر 2021، فإن المشروع هو أضخم مشروع إقليمي شاركت فيه إسرائيل مع جيرانها، وأن الجزء الأضخم من المشروع سيقام في الأردن.

وكشف التسريب أن هناك شركة إماراتية ستتكفل ببناء وحدات طاقة شمسية في الصحراء الأردنية، لترسل كهرباءها إلى إسرائيل، وهذا ما كان عليه الاتفاق سابقًا بين الأطراف؛ إلا أن المفاوضين الأردنيين اشترطوا لاحقًا أن تزيد كمية المياه التي يشتريها الأردن من إسرائيل، لتصبح 200 مليون متر مكعب في السنة، أي ضعف ما تحصل عليه اليوم.

وبحسب «والا»؛ اشترط الأردنيون بيع المياه مقابل بيع الكهرباء، بينما عارضه الإسرائيليون في البداية، إلى أن توصل الطرفان إلى تخفيف الشرط لاحقًا، دون ذكر تفاصيل المفاوضات حول الشرط، وهذا التساهل لصالح الأردن يعد الأول من نوعه في تاريخ العلاقات بين الطرفين.

ففي آخر اتفاقية وقعت بين عمان وتل أبيب، وهي اتفاقية يشتري بموجبها الأردن الغاز الإسرائيلي لمدة 15 عامًا، وبقيمة 10 مليارات دولار، تضمن الاتفاقية لتل أبيب أن يستمر تصدير غازها للأردن لمدة طويلة نسبيًا، وبربح غير قليل لإسرائيل، مع فائدة فتح السوق الأردنية، وكذلك إمكانية ربط الأردن بـ«خط الغاز العربي»، وبالتالي تشبيك قطاع الطاقة الإسرائيلي مع دول الجوار.

أما في الاتفاقية الحالية، فإن الأردن يعطي لإسرائيل الكهرباء مقابل أن تعطيه تل أبيب الماء، في خطوة لقيت معارضة كبيرة في تل أبيب، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي قرر تأجيل توقيع الاتفاقية ليتفادى أي مشكلات في تمرير قانون الميزانية العامة في إسرائيل من طرف المعارضة الإسرائيلية. 

ويتوقع أن يربح الأردن من هذه الاتفاقية 180 مليون دولار سنويا؛ تُقسَّم على الأردن وعلى الشركة الإماراتية المُنشِئة للمشروع على الأرض الأردنية، وفي المقابل يتمكن الأردن من توفير مصادر مائية أكبر كان في أمسّ الحاجة إليها، مع ورقة ضغط على تل أبيب، إذ ستمثل الطاقة المتجددة التي يوفرها الأردن لإسرائيل نحو 2% من الطاقة بحلول عام 2030.

وأكد مسؤول أردني أن الاتفاق الجديد لن تقره الحكومة الأردنية دون حصول بلاده على ما جرى الاتفاق عليه من المياه، فيما يؤكد تسريب «والا» أن الجانب الأردني لم يكن متشجعًا سابقًا للانخراط في مثل هذه الاتفاقيات، وأن الانفتاح على هذه المقترحات بدأ بعد تشكيل الحكومة الجديدة في تل أبيب، ورغم ذلك لم يجر توقيع إعلان النوايا إلا بعد موافقة الإسرائيليين على شرط بيع المياه. 

إذ يحتاج الأردن إلى 1.3 مليار متر مكعب سنويًا من المياه لجميع الاستخدامات، وعليه فإن الاتفاقية مع تل أبيب ستوفر 15% من احتياجات البلاد من المياه، لذا تقف فإن حاجة الأردن للمياه تقف وراء توقيع إعلان النوايا، إذ يستفيد الأردن أيضًا من استيراد ماء البحر الأبيض المتوسط المحلى من إسرائيل، بدلًا عن جر المياه المحلاة من البحر الأحمر في جنوب البلاد من مدينة العقبة، وذلك في مقابل حاجة تل أبيب للطاقة البديلة.

Embed from Getty Images

محطة طاقة شمسية في صحراء النقب

ويذكر أن الظروف الجوية بين البلدين متشابهة جدًا، إذ تشهد إسرائيل 300 يوم مشمس خلال السنة، وهي من رواد صناعات الطاقة المتجددة، و60% من المساحة التي تحتلها إسرائيل عبارة عن صحارى؛ أهمها صحراء النقب، وإن كان رواد الصناعة في تل أبيب يعتبرون أن أهم معوقات صناعتهم هو قلة مصادر التمويل، والاعتماد الكبير في إسرائيل على الغاز، وهو ما يشير إلى أن أهداف إسرائيل من توقيع «إعلان النوايا» سياسية أكثر منها اقتصادية، في ظل التشجيع الإماراتي لإسرائيل على انتهاز الفرص في تعزيز التطبيع ودمج تل أبيب عضويًا في الاقتصادات العربية.

وبهذا المعنى فإن الاتفاق يعد مكسبًا سياسيًا كبير فيما يخص مسير التطبيع مع دول المنطقة، ويعد كذلك نجاحًا أوليًا لإدارة جو بادين في الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، أما على المستوى الشعبي الأردني فربما يحمل قادم الأيام تحركا شعبيا ضده، إذ يرى الرأي العام في مثل هذه الاتفاقات انجرافًا إلى منزلق التطبيع، وقد يؤدي أيضًا إلى تحرك برلماني؛ ولكن وحتى اللحظة فالاتفاق جرى بشكل سري، ولا يعلم عنه كثير من المسؤولين الأردنيين المعنيين بالاتفاق لدرجة أن الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين هو تحدى الوزراء والنواب الأردنيين إن كانوا يمتلكون نسخة من الاتفاقية بعد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد