يبلغ  عدد من قُتل من فلسطينيي عام 1948 منذ مطلع العام الجاري حتى اليوم 77 قتيلًا بينهم 11 امرأة، بيد أن عداد هذا الرقم للضحايا قد يتغير الآن في لحظة كتابة هذا التقرير، وذلك لأن إعلان مقتل مواطن عربي كان موجودًا في مخبز أو بقالة أو مارًا في شارع عام لا يتوقف على يد العصابات العربية.

في مدن وبلدات تقع تحت الحماية الأمنية الإسرائيلية ويقطنها فلسطينيو عام 1948 تستهدف العصابات العربية؛ عصابات الإجرام، وعصابات السوق السوداء وعصابات «الخاوة» أي شخص ولأتفه الأسباب، حتى أن يوم العشرين من سبتمبر (أيلول) 2019 وحده شهد أربع جرائم قتل متفرقة، وهي حوادث تدل على جحم فوضى الإجرام في المدن والقرى العربية.

مبدأ «فخار يكسر بعضه» للخلاص من فلسطينيي الداخل

يقول قادة فلسطيني الداخل في إسرائيل بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قررت بعد أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2000 العمل على اختراق المجتمع العربي وتفتيته من الداخل، ذاك الزمن الأول الذي عقب اندلاع الانتفاضة الثانية وشكل مرحلة مفصلية لدى الإسرائيليين حين انتفض فلسطينيو الداخل ووقعت مواجهات دامية قتل على إثرها 13 شابًا بسلاح الشرطة الإسرائيلية.

مواطنة فلسطينية تشارك في مظاهرة مناهضة للجريمة المنظمة وعمليات القتل الأخيرة

يؤرخ إلى الفترة السابقة تحديدًا باعتبارها وقتًا أخذ فيه سلاح الجريمة يتسلل إلى مجتمع فلسطينيي الداخل في متاهات عصابات الإجرام، والنزاعات العائلية والانتقامات الدموية؛ ظهرت الأسلحة الأوتوماتيكية كبندقية (إم 16)، ومسدسات (باريتا) و(چلوك) الأمريكية والقنابل اليدوية، حتى إن الإحصائيات الرسمية تقدر انتشار أكثر من 600 ألف قطعة سلاح دون تراخيص بين فلسطينيي الداخل، فإذا ما علمنا أن سعر القطعة الوحدة من سلاح (إم 16) يتراوح ما بين 60 إلى 70 ألف شيكل (الدولار يعادل 3.5 شيكل)،أدركنا مدى أرباح سوق السلاح السوداء، إذ تدر تلك التجارة ملايين الشواقل سنويًا.

تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فإن: «نسبة المواطنين العرب (يشكلون خمس الإسرائيليين) الذين يُقتلون أكثر بثلاثة أَضعاف من نسبتهم السكّانية العامة، وأنّ حوادث إطلاق النار أكثر بـ12 ضعفًا ممّا هو عليه الحال في المجتمع اليهوديّ في إسرائيل»، بل ويورد تقرير «المراقب لإسرائيل» معطيات تفيد بإن: «نسبة السكّان العرب المتورّطين في جرائم العنف الجسديّ هي أكبر بضعفين من نسبتهم من مُجمل السكّان، ونسبة المتورّطين في جرائم القتل أعلى بضعفين ونصف الضعف».

يقول رئيس «منظمة مساواة للحقوق» جعفر فرح أن سياسة الحكومات الإسرائيلية تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل تتبلور بأروقة المخابرات والوزارات المسؤولة وبينها مكتب رئيس الحكومة ووزارة الأمن الداخلي والمكاتب المدنية الأخرى، والعنف من ناحية المخابرات هو وسيلة سيطرة على المجتمع العربي وبالمقابل لا يوجد ضغط سياسي جدي من قبل وزراء الحكومة لتنفيذ سياسة متكاملة، ويدلل فرح على ذلك بالقول لـ«ساسة بوست»: «تجربتنا مع استخدام السلاح من قبل العرب ضد اليهود تؤكد أن الحكومة الإسرائيلية لديها القدرة لاعتقال المجرمين وملاحقتهم في مجتمعنا».

https://sasapost.co/murder-crimes-in-israels-arab-cities/

إسرائيل تقتطع أموالًا لمكافحة العصابات العربية!

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا عزمه إنشاء لجنة في مكتبه لوضع «خطة وطنية» في غضون 90 يومًا للقضاء على مستوى العنف والجريمة المتزايد في مجتمع فلسطينيي الداخل.

بيد أن الفلسطينيين في الداخل لم يتفاءلوا بقرار نتنياهو، فهو كما يقول مدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنطوان شلحت قرار جاء تحت وطأة الحملة الشعبية التي قامت بها قيادة الفلسطينيين في الداخل، والتي وصفت بأنها أشبه بهبة أو حتى انتفاضة، معقبًا لـ«ساسة بوست»: «من السابق لأوانه الحكم على القرار إلا عند إعداد الخطة نفسها ونشر تفاصيلها على الملأ، نظرًا إلى حقيقة أن الشيطان يمكن أن يكمن في هذه التفاصيل».

وتشكل المواقف الإسرائيلية الرسمية السابقة حاجزًا قويًّا في عدم الثقة بمثل تلك القرارات، إذ أدت تلك السياسات مؤخرًا إلى اقتطاع  ثلث الميزانية المخصصة لمحاربة العنف في مجتمع فلسطينيي الداخل، وكما يبين تقرير لـ«مراقب الدولة» أن ما يعرف بـ«وزير الأمن الداخلي»، جلعاد إردان ورغم ارتفاع معدل الجريمة في المجتمع العربي ألغى ميزانية تقدر بـ434 مليون شيكل (100 دولار = 349 شيكلاً)، رصدتها الشرطة لمحاربة الجريمة في الداخل الفلسطيني، كما قررت إسرائيل في أبريل (نيسان) عام 2018 تحويل مبالغ ضخمة رصدتها الشرطة لميزانية 2018، إلى مصلحة مشروعات جديدة سعى ذات الوزير إلى الدفع بها خلال العام الماضي.

من المفارقة العلم أن الشرطة الإسرائيلية استثمرت في حملة لجمع السلاح غير المرخص عام 2017 من مدن عربية نصف مليون شيكل، صرف معظمها في الإعلانات، ثم في النهاية حققت فشلًا ذريعًا، فهذه الحملة التي اعتمدت على تشجيع فلسطينيي الداخل على تسليم أسلحتهم غير المرخصة للشرطة الإسرائيلية، فحصدت ثلاث قطع سلاح و21 أداة قتالية أخرى فقط، وهي كمية تؤول إلى صفر قياسًا بما هو موجود بين السكان، فكيف يسلم الشاب العربي الذي اشترى بندقية (إم16) بـ40 ألف شيكل على الأقل سلاحه طواعية.

وبالعودة إلى الباحث شلحت يؤكد لـ«ساسة بوست» كون إسرائيل تدعم العصابات العربية ومافيا الجريمة في مجتمع فلسطينيي الداخل من خلال غض الطرف عنها، بل أكثر من ذلك من خلال التقاعس عن محاربتها، وحسب شلحت فإن أشد ما يثبت تلك الحقيقة هو تفشي الإجرام في مجتمع فلسطينيي الداخل بوتيرة متصاعدة سنة تلو سنة، مضيفًا: «ربما يتواتر الحديث عن هذه العصابات عندما تقع جرائم قتل، لكن ما تقوم به العصابات غير منحصر في القتل بل يمتد لتجارة الممنوعات وارتكاب عمليات سطو وسرقة وجباية إتاوات وغير ذلك».

«الرئيس الفخري للمافيا».. إسرائيل على تواصل مع العصابات

«90% من السلاح المتواجد شمالي البلاد (المناطق العربية) مصدره الجيش الإسرائيلي».

بدا «وزير الأمن الداخلي»، جلعاد إردان غير آبه بنتيجة قوله السابق، فمن الناحية الأمنية تلك النسبة تعني أن أمر الأمن الإسرائيلي لا يهم ما دام كم السلاح السابق مصوب نحو صدور المواطنين العرب في إسرائيل لا اليهود.

فلسطيني من الداخل يحمل صورة شاب قتل في جريمة

لم يكتف إردان الذي يصفه فلسطينيو الداخل بـ«الرئيس الفخري لهذه المافيا» بقوله السابق، بل قال بوضوح لإذاعة عبرية في القدس إن: «المجتمع العربي عنيف جدًا، هو مجتمع جدًا جدًا وألف مرة أخرى جدًا عنيف، ففي وقت الكثير جدًا من النزاعات تنتهي هنا (أي بين اليهود) بدعوى قضائية، أما هناك فيمتشقون سكينًا، ويمتشقون السلاح»، لتؤكد تلك المواقف حقيقة أن السلاح الذي يقلق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ويثير مخاوفها فقط هو السلاح الذي قد يصيب مواطنيهم اليهود، حيث تبذل كل الجهود والميزانيات للعثور على السلاح الذي يعرَّف كـ«أمني» أو «إرهابي» فقط.

ويدلل على ذلك ما جاء في رسالة بعث بها قادة فلسطينيو الداخل إلى إردان اشتملت على التالي: «العصابات العربية، أي عصابات الجريمة العربية معروفة للشرطة، وتحركاتها معروفة، والعلاقات بينها معروفة، وللشرطة اتصالاتها مع تلك العصابات، وهي تستطيع استعمال تلك الاتصالات للجم حركة هذه العصابات، لكنها تختار ألا تفعل عن سابق قصد وترصد».

الوضع السابق وكما تظهر الأرقام أدى لأن يشعر أكثر من ثلث (36٪) فلسطينيي الداخل المحتل بعدم الأمان الشخصي، مقارنة بـ13٪ من اليهود، بل يخشى 59٪ منهم  أن يكونوا ضحايا للعنف في أي لحظة، خاصًة أنه حسب مؤشر الأمن الشخصي لعام 2018،  فإن 61٪ من جميع ضحايا القتل والقتل الخطأ في إسرائيل كانوا مواطنين عرب.

يقول الباحث أنطوان شلحت: «ثمة محور مهم فيما تقدم يتمثل بوجود كميات كبيرة من السلاح غير المرخص وغير القانوني في المجتمع العربي وفي أيدي العصابات العربية، ومجرد ذلك هو دليل على أن الدولة تغض النظر عن هذا السلاح، بمعنى آخر أنها تجيز هذا السلاح لتطبيق سياستها إزاء المجتمع الفلسطيني، وهي سياسة قمع حقوقه القومية من خلال تشظيته طائفيًا وانهياره اجتماعيًا، والسلاح يخدم هذه السياسة»، ويعتقد شلحت أنه طالما ظل هدف السلاح مقتصرًا على تدمير المجتمع فستظل الدولة غاضة النظر عنه، وهي ستفعل العكس تمامًا لو استعمل السلاح لغايات أخرى، مثلًا أمنية.

إسرائيل والعرب.. هكذا استغلت إسرائيل الأحداث العربية لتبدو كـ«الحمل الوديع»!

المصادر

تحميل المزيد