في عالم مثالي، قد يبدو وجود منصات التفاعل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وغيرها، فرصة مثالية للتعبير الحر عن كل الآراء والأفكار التي يمكن أن تجابه بقوانين أو عادات تكبلها، وتعرقل مسيرتها نحو الانتشار وشغل النقاشات العامة. لكن هذه النظرة المثالية تنبع من فكرة بسيطة؛ مفادها استقلالية منصات التواصل الاجتماعي عن سلطة حكومات العالم، القوي منها والضعيف، وأنها غير مضطرة لتبني وجهات نظر معينة، انطلاقًا من فكرة أن رأس مالها هو المستخدِم وليس السلطة، لكن عندما نُسقط هذه الفكرة الحالمة على الصراع بين إسرائيل وفلسطين، سرعان ما تظهر كل الحقائق، التي تضع حيادية منصة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» محل تساؤل وموضع مكاشفة.

«فيسبوك» في فلسطين.. حلم الحرية يتحول إلى كابوس

أصدر المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية تقريرًا قال فيه: إن الاستخدام الأساسي لموقع «فيسبوك» بالنسبة لـ96% من الفلسطينيين، هو تتبع الأخبار. ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية كانت على دراية بهذه الدراسة؛ إذ عمدت إلى تطبيق خطة ضغط على إدارة موقع «فيسبوك» لتنفيذ مطالبها بالسيطرة الكاملة، على استخدام الفلسطينيين لشبكة التواصل الأكثر انتشارًا في العالم، بكل الوسائل، لتتحول المنصة مع الوقت لأداة في يد الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ رؤيتها الكاملة للتحكم في أهم قناة إعلامية يستخدمها الشباب الفلسطيني.

Embed from Getty Images
في نهاية عام 2016، أقيم اجتماع بين ممثلي إدارة «فيسبوك»، ووزيرة العدل الإسرائيلية (المؤيدة للاستيطان) أيليت شاكيد، بعد الضغوط التي مارستها الحكومة الإسرائيلية على الشركة، والتهديد بتوقيع غرامات عليها، أو ربما حجب الموقع بشكل كامل في إسرائيل.

عقب هذا الاجتماع المعلن، تصاعدت معاناة النشطاء والأفراد الفلسطينيين، الذين يستخدمون المنصة في إعلان آرائهم التي ترفض الاستيطان، والسياسات الإسرائيلية في إدارة الأراضي المحتلة؛ فسرعان ما أصبحت الشركة العملاقة في مجال التواصل الاجتماعي، والتي دائمًا ما تُعرِّف نفسها بأنها المجال الحر لتبادل الرؤى والأفكار دون قيود، أكثر صرامة في ما يتعلق بالمنشورات المعادية لإسرائيل وسياساتها، فبعد الاجتماع بفترة قصيرة صرحت شاكيد بأن تل أبيب قدمت لـ«فيسبوك» 158 طلبًا بشأن صفحات فلسطينية، اتهمتها تل أبيب بالتحريض على العنف، وأن الشركة استجابت لما يقرب من 95% من طلبات تل أبيب.

 

خطة إسرائيل لترويض «فيسبوك»

أقام المركز القانوني الإسرائيلي «شورات هادين» دعاوى قضائية ضد موقع «فيسبوك» متهمًا الموقع بدعم الهجمات المسلحة على المواطنين الإسرائيليين، وجمع المركز منشورات لمواطنين فلسطينيين تحرض على العنف، موجهين الاتهام لـ«فيسبوك» بدعم هذه المنشورات المحرضة على العنف، وقالت نيتسانا دارشان ليتنر، مؤسسة المركز: «يجب على إدارة فيسبوك أن تتحمل المسئولية، لا يمكنهم البقاء في أبراجهم العاجية في بالو ألتو؛ بينما يتركون الدماء تراق هنا في شوارع إسرائيل».

ورفعت نيتسانا دعوى ضد إدارة «فيسبوك» باسم 20 ألف مواطن إسرائيلي يتهمون فيها المنشورات المحرضة على العنف عبر منصة التواصل الاجتماعي، بالمسؤولية المباشرة عن حوادث العنف التي يتعرض لها المواطنون الإسرائيليون، إضافة إلى مواطنين أمريكيين تعرضوا بدورهم لحوادث عنف على الأراضي الإسرائيلية.

Embed from Getty Images
نيتسانا طالبت المحكمة الفيدرالية في نيويورك بإجبار «فيسبوك» على دفع مبلغ مليار دولار حال إثبات صدق الدعوى. قبل ذلك، وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 مارست تل أبيب ضغطًا كبيرًا على الموقع بعد اندلاع ما عُرف وقتها بـ«انتفاضة السكين»، وعلق عليها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، قائلًا: «وكأن أسامة بن لادن يقابل مارك زوكربيرج». من جانبه، رفض فيسبوك كل المزاعم المقدمة ضده بمحكمة نيويورك الفيدرالية، لكنه أرسل وفدًا رسميًّا بعد ذلك لمقابلة مسؤولين إسرائيليين لبحث طرق التعاون بين الموقع وتل أبيب، لتبدأ حينها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في مراقبة أنشطة الفلسطينيين على المنصة وإرسال تقاريرها إليها، لترد الأخيرة بتنفيذ معظم تلك الطلبات.

الكل يخضع لمقص الرقيب الإسرائيلي.. «حركة فتح» ليست استثناءً

كان أبرز مظاهر هذا التعاون؛ إغلاق صفحات أربعة من محرري وكالة أخبار «شهاب نيوز»، التي كان يتابع صفحتها على «فيسبوك» أكثر من 6.3 مليون شخص، إضافة إلى ثلاثة مديرين في شبكة «أخبار القدس»، والتي كان يتابع صفحتها الرسمية على «فيسبوك» 5.1 مليون شخص، وذلك بعد أن سجلوا جميعًا نفس الشكوى بخصوص عدم قدرتهم على دخول صفحاتهم الشخصية على الموقع.

محررو وكالة شهاب نيوز أكدوا أن الأمر لم يكن مفاجئًا لهم بشكل كبير، فقد أوقفت صفحاتهم الشخصية للمرة الرابعة في خلال أشهر قليلة، ما يدل على رقابة شديدة الوطأة من إدارة «فيسبوك» تجاه كل ما يكتبونه وينشرونه على صفحاتهم.

تقول رماح مبارك، مديرة وكالة شهاب نيوز عن هذه الوقائع: «في السابق، كان يتم إيقاف الصفحة مؤقتًا. فقد تم إيقافها مرة بشكل مؤقت، ثم عادت بعدها بأسبوع، وفي المرتين اللاحقتين كان الإيقاف بشكل دائم، لذلك كان علينا إنشاء صفحات جديدة. لقد تواصلنا مع (فيسبوك) مرات عدة، لكنهم لم يردوا. نفس الأمر حدث لصفحات أخرى ووكالات أخبار في غزة». بعد ذلك، صرحت إدارة الموقع بأنها قد أخطأت، وأعادت كل الصفحات التي تم إيقافها باستثناء صفحة وحيدة لمحرر في وكالة شهاب نيوز الإخبارية.

فيما استمرت وتيرة الرقابة الخانقة من «فيسبوك» تجاه النشطاء والصحافيين الفلسطينيين في التصاعد، ووثقت تقارير، الصفحات العامة والشخصية التي تم إيقافها بشكل دائم أو مؤقت في ظل تزايد أعدادها تزايدًا مستمرًا، فقد رصد تقرير غلق صفحات مراكز حقوقية، ووكالات أخبار مثل «شبكة الحوار الفلسطيني»، و«غزة الآن»، و«شبكة أخبار القدس»، و«شبكة أخبار رام الله»، إضافة إلى عدد كبير من صفحات النشطاء والصحافيين الذين انضموا إلى القائمة الآخذة في الاتساع. الصفحة الأبرز والتي تم إغلاقها كانت صفحة «حركة فتح» الرسمية، التي يتابعها الملايين، وتم إغلاقها بسبب صورة قديمة نشرتها الصفحة للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حاملًا بندقية.

فيسبوك يدعم حرية الإسرائيليين في الدعوة إلى قتل الفلسطينيين

قد يتوقع البعض أن تكون سياسة «فيسبوك» لمقاومة خطاب الكراهية تعمل في كلا الاتجاهين المنخرطين في الصراع، وأنه يغلق الصفحات الداعية إلى العنف من الجانب الإسرائيلي كما يفعل مع الجانب الفلسطيني، لكن الحقيقة قد خالفت هذا التوقع بشكل كبير؛ فقد رصدت دراسة انخراط 122 ألف مواطن إسرائيلي في استخدام منصة «فيسبوك» من أجل التحريض على العنف ضد الشعب الفلسطيني، وكانت الكلمات المفتاحية لهذه المنشورات شديدة العنف مثل: «اقتلوا» و«احرقوا» العرب، لكن كل هذه المنشورات العنيفة لم تحرك ساكنًا في حرب الموقع ضد خطابات الكراهية.

فيسبوك

المصدر: independent.co.uk

 

وفي تجربة أخرى أجرتها محطة إخبارية إسرائيلية، لمراقبة الاختلاف في ردود الفعل من قبل السلطات الأمنية الإسرائيلية، وإدارة «فيسبوك» عندما يكون خطاب الكراهية صادر من جهة فلسطينية، وعندما يخرج من جهة إسرائيلية. كتب المواطن العربي، شادي خليلة أنه يريد قتل اليهود، ليتلقى شادي مكالمات تليفونية من أقاربه وأصدقائه مطالبين إياه بمسح المنشور، والتأكد من كون صفحته قد تمت سرقتها أم لا، وحصد المنشور 12 إعجابًا فقط. بينما كتب المواطن الإسرائيلي، دانيال ليفي، أنه يجب عليه أخذ الثأر للطفلة الإسرائيلية التي قتلت على سريرها، ليحصل المنشور على 600 إعجاب، وتعليقات عديدة تبارك نيته، وتشجعه على التصرف وفق قوله.

وتعرض المواطن العربي للتحقيق من قبل السلطات الأمنية الإسرائيلية؛ بينما المواطن الإسرائيلي لم يتم التحقيق معه، وفي كلتا الحالتين لم يحذف «فيسبوك» أيًّا من المنشورين، وهو الأمر الذي يدل على عجز «فيسبوك» عن كشف المحتوى العنيف، ويخبرنا الكثير عن تبعية «فيسبوك» لإرشادات الأجهزة الأمنية في قرارات غلق الصفحات الفلسطينية التي تم رصدها قبل ذلك.

وفي تعليق على نتائج هذه التجربة، قال السكرتير العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات: «الفلسطينيون يشعرون بقلق بالغ إزاء المناخ الحالي في إسرائيل. نحن لسنا جاهلين، وقد رأينا تأثير هذا التحريض الذي يأتي في هيئة الإرهاب الاستيطاني، والجنود الذين يقتلون الفلسطينيين المصابين في شوارع المدن الفلسطينية المحتلة»، وبرغم ذلك التصريح الرسمي، فلم يعقد أحد من إدارة «فيسبوك» اجتماعًا مع عريقات، لمناقشة مخاوفه تجاه ثقافة نشر العنف على المنصة الشهيرة.

«فيسبوك» مصيدة إسرائيل للإيقاع بالنشطاء الفلسطينيين

لم يكن لدى الحكومة الإسرائيلية أي تشريع قانوني يمكنها من توجيه الاتهام لأشخاص بناء على كتابات منشورة على الإنترنت، وفي محاولتها التغلب على هذا القصور، أنشأت الحكومة وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في أكتوبر 2015، وكانت الوسيلة الأهم في يد هذه الوحدة للقبض على النشطاء الفلسطينيين، هي منصة «فيسبوك» بالطبع.

حتى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، تشير تقديرات إلى أن عدد النشطاء أو الأشخاص العاديين الذين اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية بسبب منشورات أو إعجابات «likes» على موقع «فيسبوك» يقدر بـ280 شخصًا، ومن بينهم نساء وأطفال فلسطينيون. وبحسب التقرير، فإن السلطات الإسرائيلية قد رفعت من حدة الاعتقالات التي تقام الدعاوى القانونية فيها على أساس التفاعل الإيجابي بكتابة منشور، أو السلبي بتسجيل إعجاب.

 

المصادر

تحميل المزيد