ربما يسيطر اليهود الآن على بعض المجالات في أوروبا، ولكن لم يكن هذا الوضع فيما مضى، ولا نتحدث هُنا فقط عن فترة اضطهاد أدولف هتلر لليهود، بل إن الأمر له جذور متأصلة تعود إلى العصور الوسطى، حينما اضطهد الأوروبيون اليهود، وقتلوهم في مذابح علنية مات فيها الآلاف منهم، في حين أن اليهود، وفي نفس الحقبة الزمنية؛ قد تمتعوا بحرية العقيدة والمعيشة، بل والازدهار ثقافيًا وعلميًا تحت ظل الإسلام ودوله. وفي هذا التقرير نأخذكم في رحلة قصير نقارن خلالها وضع اليهود في أوروبا وفي العالم الإسلامي في ذاك الوقت.

مترجم: لماذا يرى الإسرائيليون أن على العرب الاعتراف بالتهجير القسري لليهود؟

الصليبيون يشقون طريقهم إلى القسطنطينية على جثث اليهود

حينما يُذكر اليهود؛ نتذكر «الهولوكوست» ومن بعده أدولف هتلر، ولكن الحقيقة أن اضطهاد الأوروبيين لليهود كان قد بدأ من قبل ظهور هتلر على الساحة السياسية بعقود طويلة، فخلال العصور الوسطى بأوروبا كان للدين دور كبير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي ذاك الوقت منع الأوروبيون اليهود من حقوق المواطنة، وحرموهم من شغل المناصب في الحكومة أو الجيش، واستبعدوهم من عضويات النقابات.

وتطور الأمر لمحاربتهم محاربة واضجة وصريحة، وفي العام 1096 دشن فرسان الحملة الصليبية الأولى موجة من أعمال العنف تجاه اليهود في فرنسا والإمبراطورية الرومانية، والتي نتج عندها مذبحة شهيرة يُطلق عليها «Worms massacre»، والتي وقعت في ألمانيا وقُتل فيها ما يزيد عن 800 يهودي على يد رجال الحملة الصليبية الأولى.

وقد بنى الصليبيون ذريعة قتل اليهود في تلك المذبحة على شائعة غير مؤكدة بأن أحد اليهود قتل شخصًا مسيحيًا عن طريق غليه حيًا في الماء الساخن بغرض تلويث وتسميم آبار المدينة، ولم تكن تلك المذبحة الوحيدة لليهود على أيدي الصليبيين، فقد وقعت واحدة مماثلة في مدينة ماينتس الألمانية، ومدن أخرى قريبة من راينلاند؛ فقد شق الصليبيون طريقهم إلى القسطنطينية على جثث ما يقارب 5 آلاف يهودي، وعادة ما كان هذا يقع من خلال ترويج إشاعات تمنحهم الحق في قتل اليهود مثل مزاعم عن تضحية اليهود بأطفال المسيحين في الفصح للحصول على دماء من أجل الخبز الذي يأكلونه.

ويظل المثال الأكثر شهرة عن تلك الاتهامات التي وجهت لليهود على يد المسيحيين، هي قصة مقتل وليام الذي عاش في نورويتش البريطانية.

كنز يهود العراق.. مساع أمريكية لمنع إعادة الأرشيف اليهودي العراقي إلى بغداد

دم ويليام يلتصق باليهود

تُصنف تلك الواقعة كواحدة من أكثر أشكال العداء تجاه اليهود في إنجلترا بالعصور الوسطى، ففي العام 1144 في مدينة نورويتش البريطانية، والتي كانت واحدة من أقدم وأغنى المجتماعات اليهودية في إنجلترا؛ عُثر على جثة مشوهة لمراهق مسيحي يُدعى ويليام بالغابات التي تحد المدينة، ولم يُعثر وقتها على أي دليل يربط بين تلك الجريمة واليهود، ولم يوجه أي اتهام لأي يهودي على تلك الجريمة.

ولكن بعد ست سنوات استند المسيحيون إلى تلك الواقعة للتنكيل باليهود، حينما قرر الراهب توماس مونماوث أن يسرد قصة حياة المراهق ويليام في كتاب بعنوان «The Life and Passion of William of Norwich»، وقدم اليهود في الكتاب على كونهم قتلة ويليام، ولكن قصة ويليام كانت مجرد مدخل لهذا الكتاب حتى يضع الدم المسيحي بشكل عام على الأيادي اليهودية، وقد ساعد سرده البلاغي والعاطفي على ترسيخ صورة ثابنة في أذهان المسيحيين بأن وفاة أطفالهم -بغض النظر عن سببها- هي من فعل اليهود؛ الأمر الذي نتج عنه المزيد من المذابح لليهود وليس في بريطانيا فقط، بل في فرنسا أيضًا؛ حيث قتل المسيحيون اليهود دون استنثناء حتى النساء منهم.

الدولة الإسلامية.. «العصر الذهبي للتسامح الديني»

حينما حرم الأوروبيون اليهود من حقوق المواطنة، كانت الحياة في الدولة الإسلامية في إسبانيا توصف بكونها «العصر الذهبي للتسامح الديني» حيث التسامح الديني والعرقي والتناغم بين الأديان بين المسلمين والمسيحيين واليهود، ويذكر المؤرخ بيرنارد لويس عن ذلك أن وضع غير المسلمين في إسبانيا الإسلامية كان نوعًا من المواطنة من الدرجة الثانية، تنطوي على بعض الحقوق، وهي بالتأكيد أفضل من عدم وجود حقوق على الإطلاق.

واحتفظ اليهود بحريتهم في ظل الحكم الإسلامي، شريطة أن يتبعوا قواعد معينة، إلا أنها لم تكن عبئًا كبيرًا وفقًا لمعايير ذلك الزمان، ولم يضطروا للعيش في أماكن مخصصة لهم بغرض عزلهم، ولم يكونوا عبيدًا، ولم يمنعوا من اتباع عقيدتهم، ولم يجبروا على الاختيار بين تحويلهم للديانة الإسلامية أو الموت.

كان الفتح الإسلامي لإسبانيا عام 711 ميلاديًا موضع ترحيب عام من قبل اليهود، وأثار موجة من هجرة اليهود إلى إسبانيا بعد قرن من الاضطهاد تحت حكم الأوروبيين المسيحيين، وولدت حضارة لليهود في تلك المنطقة خلال أوائل العصور الوسطى في ظل الخلافة الإسلامية في إسبانيا منذ عام الفتح وحتى القرن الثاني عشر، وتطورت المجتمعات اليهودية، وازدهرت في جميع أنحاء الأندلس، وخلقت ثقافة مليئة بالحيوية في مراكز السلطة الإسلامية مثل غرناطة، وقرطبة، وإشبيلية، وهكذا وجد اليهود أنفسهم أثرياء ثقافيًا وفكريًا ودينيًا في ظل الإسلام.

وفي إطار إعادة تأسيس الدولة الأموية في قرطبة تحت حكم عبد الرحمن الثالث؛ ظهر مركز إسلامي مستقل للسلطة، ينافس بغداد في الثروة والثقافة، وتطور اليهود في إسبانيا بشكل مستقل وأصبح لديهم ثقافتهم وسلطتهم التلمودية، وتحت تأثير اللغويين المسلمين والنحويين؛ بدأوا بتجربة أشكال ثقافية جديدة باللغة العبرية؛ حينما كان الشعر واللغويات والعلوم والفلسفة والرياضيات تساهم في اهتمامهم بالكتاب المقدس ودراسة التلمود.

ويعتبر كتاب «بستان العقول» للكاتب اليهودي ناتانئيل الفيومي من الأمثلة المهمة على المزج الثقافي الذي حدث بسلاسة بين اليهود والمسلمين، وجاءت مقدمة الكتاب تقول: «التراث اليهودي العربي جزء من التراث الإسلامي، ألفه اليهود العرب خاصة في إسبانيا. وهو مؤلف باللغة العربية، ومدون بحروف عبرية، المضمون عربي، والشكل يهودي، جمعًا بين الثقافة الإسلامية التي عاش فيها اليهود العرب في إسبانيا، والمغرب العربي، ومصر، والعراق، والخصوصية اليهودية في اللغة العربية باعتبارها حروفًا. إن عنوان هذا الكتاب يدل على مضمونه، فهو تحليل عقلي للموضوعات الثلاثة الأثيرة عند الفلاسفة، ولكن بروح صوفية تنعكس في الصورة الأدبية».

التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي

جاء جوهر وصايا التوراة بألا يتشبه اليهود بالأمم الأخرى، ولذلك دائمًا ما تجد المجتمعات اليهودية تفصل نفسها بحاجز بين أي ثقافة أجنبية، ولكن جاء الإسلام ليحطم هذا الحاجز فاستثناه أدباء اليهود وعلماؤهم ولم تعد الثقافة الإسلامية من المحظورات في العصور الوسطى حينما عاش اليهود تحت ظل الإسلام، وربما كان لاتحاد أصل اللغة تقارب الطباع بين اليهود والمسلمين،

وتوفر عقيدة التوحيد في الدين؛ دورًا مهمًا في إخراج المسلمين -من وجهة نظر اليهود- عن سائر الأمم الأخرى. ويعتبر الكاتب اليهودي سعديا بن يوسف جاؤون صاحب كتاب «تفسير التوراه بالعربية» من أهم الأمثلة التي تجسد التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، والمعروف باسم سعيد بن يوسف الفيومي -لأنه ولد في محافظة الفيوم بمصر في العام 882 ميلاديًا- وأصبح أحد أهم وأبرز أعمدة الديانة اليهودية.

شهد سعديا ازدهار الحركة العلمية والثقافية لدى المسلمين، واهتم بقراءة مؤلفات ومعارف علماء المسملين الذين سبقوه، والتي كان من ضمنها الجدالات العلمية بين مدارس فكرية مختلفة مثل أهل السنة والمعتزلة، ومثل مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة فيما يخص قواعد النحو، واهتم أيضًا بما عرضته مدرسة الحجاز ومدرسة العراق فيما يخص قواعد الفقة والتشريع، وأخذ سعديا على عاتقه مهمة إثبات أن الدين اليهودي يتفق مع العقل والتاريخ، متبعًا المنهجية الإسلامية في مؤلفاته.

Embed from Getty Images

نسخة من التوراة وجدت في تركيا

وظهر هذا في كتابه «الأمانات والاعتقادات» والذي ظهر فيه فكر المعتزلة بوضوح شديد، حينما بدأ الكتاب بشرح مفهوم الخلق، والذي وصفه بكون الخالق خلق الكون من العدم مبرهنًا على كلامه بأربعة براهين، الأول منها مستمدة من فلسفة أرسطو، بينما الثلاثة براهين الباقية جاءت من كتابات علماء المسلمين، موضحًا في هذا الكتاب أن الله لم يضطر لخلق العالم بل فعل ذلك بمحض إرادته، وأنه خلق الكائنات ليعبدوه ويلتزمون بأوامراه وتعاليمه حتى يصلوا إلى السعادة في الدنيا، وأن الإنسان يستحق الجزاء الحسن نتيجة أفعاله الكريمة، ولهذا جعل الله؛ الإنسان حُرًا في اختياراته ومسؤولًا عن أفعاله.

ويقول إروين روزنتال المستشرق الألماني ذو الأصل اليهودي: «إننا مدينون لسعديا في التمييز بين أوامر التوراة تلك التي يحكمها العقل، وتلك التي جاءت عن طريق الوحي، على أن مبعثه المتكلمون، وهم طائفة من علماء المسلمين».

بينما قال ويل ديورانت المؤرخ والكاتب الأمريكي في كتابه «قصة الحضارة»: «لقد تأثر سعديا إلى حد كبير بفقهاء الإسلام وسار على نهجهم في الشرح والإيضاح، بل إنه استعار منهم في بعض الأحيان أساليب الجدل والنقاش. وقد انتشرت آراؤه في جميع أنحاء العالم اليهودي، وتأثر بها ابن ميمون، وهل أدلّ على هذا من قول ابن ميمون: لولا سعديا لكادت التوراة أن تختفي من الوجود».

موسى بن ميمون.. سياسي وطبيب تحت ظل الإسلام

وما قاله ويل ديورانت في الاقتباس السابق؛ يأخذنا إلى ذكر موسى بن ميمون وهو واحد من أبرز اليهود الذين تأثروا بالفكر والثقافة الإسلامية في ذاك الوقت والذي قال عنه إسرائيل ولفنسون: «ولسنا نعلم رجلاً آخر من أبناء جلدتنا غير ابن ميمون قد تأثر بالحضارة الإسلامية تأثراً بالغ الحد حتى بدت آثاره وظهرت صبغته في مدوناته من مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة».

موسى بن ميمون

عاش بن ميمون في مدينة قرطبة في الأندلس بالعصور الوسطى، كان والده قاضياً في المحكمة الشرعية اليهودية بقرطبة، وفي ذاك الوقت كانت المدينة حافلةً بالعلماء والفلاسفة من المسلمين واليهود، ومركزًا للعلم، ومنحت مكانة عظيمة لليهود حيث وصلوا فيها لأوج مجدهم، وخرج منهم الأطباء والوزراء الذين شاركوا الملوك والأمراء مجالسهم، وكانوا يجتمعون أيضًا في المعاهد الإسلامية العالية؛ حيث نجح رجال منهم بأن يكونوا خبراء في الفلسفة والطب والشعر والعلوم على أيدي علماء المسلمين؛ فعرف الإنتاج الفكري اليهودي في هذه الحقبة أزهى عصوره وأكثرها خصوبة. وفي تلك البيئة المُثمرة عاش موسى بن ميمون  والذي اعتبر نفسه نتاجاً مباشراً لهذا النمط من التعايش اليهودي العربي الإسلامي.

ولم تقتصر حياة موسي بن ميمون على وجوده في قرطبة، بل أنه سافر إلى فلسطين ومصر أيضًا؛ حيث اصبح واحدًا من اطباء صلاح الدين الأيوبي، وطبيبًا خاصًا لنور الدين أكبر أبناء صلاح الدين، وقرابته من صلاح الدين الأيوبي لم تكن فقط بسبب تميزه في الطب، بل ما عُرف عنه من ذكاء سياسي وقدرة فريدة على تهدئة الثورات؛ الأمر الذي استغله بن ميمون أيضًا لصالحه؛ حينما استخدم علاقته الجيدة بصلاح الدين في تحسين أوضاع اليهود في مصر. ولم تنتهي مكانة موسى بن ميمون في مصر بعد وفاته، فقد بُني له معبد على اسمه في القرن الثاني عشر الميلادي، والذي يقع حاليًا في منطقة وسط القاهرة.

موسى بن ميمون.. أن تكون يهوديًّا في دولة الخلافة الإسلامية

 

المصادر

تحميل المزيد