رفضت محكمة النقض في فرنسا، طلب إسقاط تهمة التواطؤ في ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» من طرف شركة «لافارج» للإسمنت، بسبب دفعها أمولًا لجماعات مسلَّحة في سوريا، من بينها «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» خلال الحرب السورية ما بين عامي 2012 و2014. وتخضع الشركة الفرنسية للتحقيق القضائي منذ سنة 2017 بتهمة تمويل مجموعات مصنفة «إرهابية» في فرنسا من بينها «داعش»، ويجري التحقيق مع سبعة من كبار مسؤولي الشركة.

وكان رئيس الشركة، إيريك أولسين، قد استقال من منصبه سنة 2017 إثر بدء التحقيق معه في هذه القضية، واعترفت الشركة بتقديمها مبالغ مالية لتنظيم «داعش» مقابل السماح لموظَّفيها بممارسة نشاطهم بحريَّة، كما أن هناك قرائن غير مؤكدة تشير إلى أنَّها زوَّدت التنظيم بكميات من الإسمنت.

 مصنع «لافارج» في العاصمة الفرنسية باريس 

وقد أخذت القضية منحى آخر بعدما كشفت تقارير لصحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية بأن أجهزة الاستخبارات الفرنسية على أعلى مستوى، كانت على علم بهذه الاتصالات بين الشركة الفرنسية وتنظيم «داعش»، وهو ما كشف عنه مسؤول الأمن داخل الشركة، الذي صرَّح بأنه التقى مسؤولي المخابرات الفرنسية عشرات المرَّات خلال فترة نشاط الشركة في سوريا ما بين 2012 و2014، وأنَّ هذه الأجهزة لم تسجِّل أي اعتراض على هذه التعاملات المالية بين الشركة الفرنسية والتنظيم المصنَّف في «قائمة الإرهاب» من طرف الاتحاد الأوروبي. 

ومن أجل الحفاظ على خطِّ إنتاجها في المصنع السوري، والذي افتتح سنة 2010 باستثمار قدِّر بـ680 مليون دولار، والواقع في مدينة جلبية، التي تبعد 87 كيلومترًا شمال مدينة الرقة التي اتخذها تنظيم «داعش» مركزًا لنشاط التنظيم منذ 2013، دفعت الشركة الفرنسية ما مجموعه 13 مليون يورو بين سنتي 2011 و2015 لعدَّة جهات مسلَّحة تنشط في سوريا، من ضمنها 415 ألف يورو على الأقلِّ لصالح «داعش».

«لافارج» في سوريا.. أطماع اقتصادية بدَّدتها الحرب 

بدأت شركة «لافارج» الفرنسية نشاطها داخل سوريا سنة 2010، قبل أشهر قليلة من اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، وقد كانت أوَّل شركة خاصة تنشط في قطاع صناعة الإسمنت في البلاد، منذ أن أنهت الحكومة السورية احتكارها القطاع في منتصف العقد الأوَّل من الألفية. 

دخلت «لافارج» السوق السورية إثر شراءها شركة «أوراسكوم للإسمنت» واستحواذها على حصتها في «الشركة السورية للإسمنت» الواقعة في مدينة جلبيَّة سنة 2007، وجرى استثمار مبلغ 680 مليون دولار، ليصبح أكبر مصنع إسمنت في الشرق الأوسط، ولعلَّ ضخامة الاستثمارات التي ضخَّتها الشركة الفرنسية في المصنع وقدرته الإنتاجية، قد تفسِّران سبب تمسُّك الشركة بتشغيله رغم المخاطر الأمنية، وحتى المخاطرة بالتعامل مع التنظيمات المسلَّحة في سوريا، وهو ما جعلها عرضة للمساءلة القضائية فيما بعد. 

سنة 2007 كانت تعِد بمرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي بالنسبة للشركة، فبسبب تشبُّع الأسواق في أوروبا وركودها، أدارت لافارج وجهها شرقًا نحو العالم العربي، وقامت بصفقات في عدَّة دول عربية كانت تعرف الكثير من مشروعات السكن والبنى التحتية؛ إذ دخلت الأسواق الجزائرية والعراقية والأردنية، كما اشترت في السنة ذاتها عملاق الإسمنت المصري «أوراسكوم للإسمنت» بمبلغ يصل إلى 12.8 مليارات دولار.

وشكَّل دخولها السوق السوري سابقة من نوعها، بوصفها أوَّل شركة خاصة تنخرط في مجال مواد البناء، المحتكر من طرف الحكومة، وقد تزامن هذا التوجُّه نحو الأسواق العربية، وسوريا بالتحديد، مع انفتاح سياسي بين النظام السوري والفرنسي، تمثل خصوصًا في الزيارات المتبادلة بين الرئيس بشار الأسد والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال سنتي 2008 و2009. 

Embed from Getty Images

زيارة بشار الأسد لفرنسا سنة 2009 

وفي تحقيق استقصائي لقناة «فرانس 2» الحكومية، يصرِّح أحد السوريين الذي يعمل سائق شاحنة لصالح شركة الإسمنت الفرنسية، بأنَّه عبَّر لمسؤوله في الشركة عن قلقه من المرور على نقطة تفتيش، إلَّا أنَّ مسؤوله طمأنه بقوله: «لا تقلق، لدينا اتفاق مع داعش».

ويظهر في الوثائقي الفرنسي وثيقة لتنظيم «داعش» تحمل ختم «الدولة الإسلامية» وجاء فيها: «يرجى من الإخوة المجاهدين السماح لهذه السيارة بالمرور على الحواجز المحملة بمادة الإسمنت التابعة لمعمل لافارج، وذلك بعد الاتفاق مع المعمل على التجارة بهذه المادة». وأشار العامل السوري لدى الشركة، بأن جميع السائقين في الشركة يمتلكون نسخة من التصريح الذي يحمل ختم «داعش».

مصدر الصورة: فرنسا 24

وفي صيف 2012، كانت المواجهات المسلحة بين مختلف الفصائل السورية وقوَّات النظام على أشدها؛ وشيئًا فشيئًا بدأت القوات الكردية في السيطرة على الشمال السوري، لتصل إلى مدينة جلبية حيث يقع المصنع الفرنسي وسيطرت على الموقع؛ وفي حين غادرت الشركات الفرنسية الكبرى الساحة السورية إثر اشتداد وطأة الحرب، مثل شركة «توتال» و«إير ليكيد» و«بيل»، بقيت «لافارج» وحدها في الساحة السورية.

في التحقيق الاستقصائي المصوَّر لقناة «فرانس 2» يفيد جايكوب وارنس، وهو عضو سابق في القوَّات الخاصة والمخابرات النرويجية، ويملك خلفية في إدارة الأعمال، وقد وظَّفته الشركة خلال الحرب الأهلية السورية من أجل ضمان اشتغال المصنع رغم المخاطر الأمنية، يفيد بأنَّ عملية دفع الأموال للفصائل المسلَّحة بدأت مع الأكراد، الذين طالبوا الفرنسيين بمبلغ مقابل ضمان حماية المصنع.

ويوثِّق بريد إلكتروني أرسله مدير شركة لافارج بسوريا برينو بيشو إلى مسؤوله في باريس، كريستيان هيرو، طلبًا مقداره 50 ألف يورو من أجل تسديده إلى المجموعات المسلحة الكردية لدواعٍ أمنية، وفي ردِّه على الإيميل، يوافق المدير الفرنسي على دفع المبلغ، لكنَّه يشدِّد على أن عملية الدفع ينبغي أن تكون «استثناءً» لا ينبغي أن يتكرَّر؛ ولكن هذا «الاستثناء» سيصبح هو «القاعدة» في التعامل مع مختلف الأطراف المسلحة التي ستطلب من الفرنسيين أموالًا مقابل عدم التعرُّض للمصنع. عندئذ بدأت سلسلة «المال مقابل الحماية» لتشمل عشرات الفصائل المسلَّحة، من بينها تنظيم «داعش» و«النصرة».

ومع صعود تنظيم «داعش» في سنة 2013 وسيطرته على مساحات واسعة من سوريا؛ أصبح التنظيم لاعبًا لا يمكن تجاهله في الساحة السورية حسب المسؤولين في «لافارج» الذين أصرُّوا على التمسُّك بالمصنع، ورغم أن التنظيم جرى تصنيفه في قائمة «الارهاب» من طرف الاتحاد الأوروبي منذ يونيو (حزيران) سنة 2013؛ ومنع أي تعامل مالي معه، فإن الشركة الفرنسية بدأت في التعامل مع التنظيم. 

وأشار التحقيق الاستقصائي إلى أن الوسيط السوري بين الشركة الفرنسية والجماعات المسلَّحة، من أكراد وتنظيم «داعش» وغيرهم، هو فراس طلاس، رجل الأعمال السوري، وابن وزير الدفاع السابق في النظام السوري، والمقرَّب سابقًا من الرئيس بشار الأسد؛ وهو أحد ملَّاك الأسهم في الشركة الفرنسية ومهندس صفقة دخول «لافارج» إلى السوق السورية.

وأضاف التحقيق بأن طلاس كان يحوِّل ما معدَّله 75 ألف يورو شهريًّا للمجموعات المسلَّحة؛ وقد عرض الوثائقي أحد الإيميلات بين طلاس، ومدير الشركة الفرنسية في سوريا يخبره فيها عن لقاء مرتقب بينه وبين تنظيم «داعش»، واقترح حينها مبلغ 10 ملايين يورو مقابل أن يسمح التنظيم بالتنقُّل الآمن للمواد والعمَّال. 

«التقيتُ المخابرات 33 مرة».. تمويل «داعش» تحت أعين الدولة الفرنسية

وقد تعرَّضت الشركة الفرنسية لانتقادات لاذعة من الإعلام الفرنسي، ليس فقط بسبب تورُّطها في تمويل تنظيمات مسلَّحة – من بينها تنظيم «داعش» – ولكن أيضًا بسبب تعريضها لموظَّفي فرعها في سوريا لخطر الموت المحقَّق بسبب الحرب الأهلية، لرفضها توقيف تشغيل المصنع رغم الخطر الذي شكَّلته الحرب في سوريا على أرواح 300 موظف يعملون في المركَّب الصناعي.

وحين اشتدَّت الحرب في صيف 2012، لم تفعل الشركة سوى سحب موظَّفيها الفرنسيين، والتشديد على السوريين بضرورة مواصلة تشغيل المصنع رغم الحرب، وهو ما عرَّضهم لعمليات اختطاف وترهيب، من بينها عملية اختطاف تسعة موظَّفين لم يطلق سراحهم إلا بعد أن دفعت الشركة مبلغ 200 ألف يورو. 

قضية تمويل تنظيم «داعش» لم تكن هي الجانب الوحيد الذي أثار جدلًا فيما يتعلَّق بقضية شركة «لافارج»، بل أيضًا التقارير التي أفادت بعلم أجهزة الأمن والاستخبارات الفرنسية بنشاط الشركة خلال وجودها في سوريا، وباتصالاتها مع تنظيم «داعش» دون اعتراض منها، وحصول الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية على معلومات من طرف الشركة حول تطوُّرات الوضع الميداني في سوريا خلال تلك المرحلة. 

وطالبت منظمة «شيربا» لمكافحة الجريمة المالية، وهي مؤسسة غير حكومية، أن يشمل التحقيق وزير الخارجية الفرنسي السابق، لوران فابيوس، بالإضافة إلى السفير الفرنسي في سوريا، إيريك شوفالييه، ومبعوث فرنسا إلى سوريا، فرانس جيلييه.

وقد أفاد مسؤول في «لافارج» أثناء التحقيقات بأنه كان يجتمع كل ستة أشهر مع السفير السابق في سوريا جيليه للتشاور معه بخصوص مصنع الشركة في الرقة، وفي كل مرة اجتمع فيها مع جيليه كان يؤكد له أن تعليمات وزارة الخارجية تقضي بضرورة إبقاء المصنع في الرقة مفتوحًا؛ لأنه يعد أكبر استثمار لفرنسا في سوريا».

فقد أفاد جان كلود فيارد، المسؤول عن الأمن في الشركة وأحد السبعة الذين يجري التحقيق معهم، في تصريحه لجريدة «ليبيراسيون» الفرنسية، بأنَّه التقى 33 مرة بأجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية الفرنسية ما بين سنتي 2012 و2014، وصرَّح أيضًا بأن هذه الأجهزة كانت على علم بالتواصل بين الشركة وتنظيم «داعش» خلال الفترة المذكورة، بالإضافة إلى اتصالات كلود مع المكتب العسكري للرئيس الفرنسي هولاند، واقتراح كلود أن يستخدم المصنع قاعدة عسكرية للجنود الفرنسيين في سوريا.

تاريخ

منذ 10 شهور
مختصر تاريخ فرنسا في دعم الاستبداد بالعالم الإسلامي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد