كان كارلوس الخامس إمبراطور روما المقدسة وملك إسبانيا وأرشيدوق النمسا يجيد عدة لغات أوروبية وكان يقول عنها: «أتحدث الإسبانية للرب والإيطالية للنساء والفرنسية للرجال والألمانية لجيادي»

يقولون إنك إذا كنت تتحدث الألمانية فأنت أكثر واقعية، وأن العقول الألمانية عقول منظمة، وهذا يعود ربما لغرابة لغتهم الأم التي أهلكت عقولهم، فلم تترك لهم مجالًا لتحمل أي شذوذ آخر، وإذا كانت لغتك هي الفرنسية، فأنت عاطفي أكثر؛ فالفرنسية لغة رومانسية بامتياز، بينما الإنجليزية لغة عملية قابلة للتكيف، أما الروسية فيمكن سماع «كلماتها الكئيبة في ألحان تشايكوفسكي الحزينة»،فكيف تؤثر اللغة على الناطقين بها، وهل حقًا تغير نظرتهم إلى الحياة؟

دلالات مختلفة للغة

في القرن الثامن عشر كان الشاعر والفيلسوف الألماني يوهان جوتفريد هيردر يقول: إن «فكر كل شعب وشخصيته مطبوعة في لغته، فلدى الشعوب الكادحة عدد كبير من الأمزجة في أفعالهم، بينما يزداد عدد الأسماء عند الشعوب المتحضرة الميالة إلى الأفكار المجردة» ويضيف: «إن فكر الشعوب يتجلى في شكل لغتها أكثر منه في أي مكان آخر».

وكان الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون يقول: «نستطيع الاستدلال على روح الشعوب بشكل كبير من خلال النظر في لغتها، والتي هي بمنزلة صرح أسهم فيه كل شخص ذي قوة على مدى مئات السنوات».

أيّد برتراند راسل في عام 1889 مقولة إمرسون فقال: «قد يمكننا دراسة سمات الشعوب من خلال الأفكار التي تطرحها لغتهم؛ فالفرنسية – على سبيل المثال – تحتوي كلمات مثل الروح أو روحاني (l’esprit – spirituel) لا يمكن التعبير عنها باللغة الإنجليزية، فنصِل بطبيعة الحال إلى استنتاج قد تؤكده الملاحظة أن الشعب الفرنسي لديه روح أعظم أو روحانية أكبر من الشعب الإنجليزي» وكان راسل يشير إلى تعدد الكلمات الانجليزية التي تعبر عن المعاني التي تحملها كلمة «l’esprit» في الفرنسية.

كان راسل يرى أن خلو اللغة الإغريقية من اللفظ اللاتيني «وقح» (ineptus) يدل على أن أخلاقيات الإغريق كانت عالية لدرجة أنهم لم يكونوا في حاجة إلى لفظ يعبر عن هذه الصفة؛ فهي ليست موجودة أصلًا، لكن الكاتب الروماني شيشرون في تفسير مختلف للأمر عام 55 قبل الميلاد، كان يرى أن هذه الصفة كانت شائعة لدى الإغريق حتى أنهم لم يدركوا وجودها، ولم يحتاجوا بالتالي إلى كلمة تعبر عنها.

كان الحديث «المسلي أحيانًا» حول سمات اللغات والناطقين بها ينهار حين يتجاوز الأحاديث العامة ولدى البحث عن أدلة علمية تدعمه، حتى وإن اجتذب العلماء للحديث عنه مثلما يقول دانتي أليجيري حول الإيطالية ولهجاتها: «إن لهجة الرومان ليست عامية بقدر ما هي عبارة عن مصطلحات دنيئة؛ ولا غرابة في ذلك إذ؛ ينفرد أهل روما عن بقية الإيطاليين ببذاءة أخلاقهم ومظهرهم».

مصدر الصورة

وكان السؤال: إذا لم يكن لدينا في اللغة كلمة «الحب» فهل يمكن أن نشعر به؟ وإذا لم يكن لدينا كلمة تعبر عن اللون الأخضر فهل سنشعر مثلًا أنه مختلف عن اللون الأزرق؟

في ثلاثينات القرن الماضي طرح إدوار سابير وبنيامين لي وورف عالما اللغة الأمريكيين فرضية تقول: إن اختلاف اللغة يفضي إلى اختلاف طريقة التفكير، لكن افتراضهما – أيضًا – لم يُدعم بأي دليل علمي يمكن الاعتماد عليه، وفي السبعينات عاد الاهتمام بهذه الفرضية وتتبّع عدد من العلماء قرائنها بظهور مجموعة جديدة من النظريات تدعم الفكرة وتوفر أدلة جديدة عليها؛ اللغة تتحكم فعلًا في طرق التفكير، وتلقي بظلالها على أهم أبعاد التجربة البشرية الزمان والمكان والعلاقة بالآخرين.

حدودها هي حدود العالم.. من أين جاءت اللغة وكيف تطورت؟

كيف تؤثر اللغة في نظرتنا للحياة وتخطيطنا للمستقبل؟

يحرص المرء في بلدة پورمپوروو على أن يعرف موقعه جيدًا لكي يتمكن من الحديث، ففي لغة «كوك ثايور» (Kuuk Thaayorre) التي يتحدث بها أهل البلدة تُستخدم مفردات (شمال، جنوب، شرق، غرب) لتحديد الجهات، وليس فقط الأيسر والأيمن كما في لغات كثيرة أخرى، تُستخدم هذه المفردات في جمل عادية كأن يخبرك شخص ما أن «الفنجان موضوع جنوب شرق الصحن» أو أن «الصبي الذي يقف جنوبًا من ماري هو أخوها».

وكما تكشف أبحاث ليڤستون من معهد ماكس پلانك للغويات النفسية بهولندا وهاڤيلاند من جامعة كاليفورنيا في سانتياگو فالأشخاص الذين يتحدثون لغات تعتمد على الاتجاهات الأربعة يميزون مواقعهم في الأماكن غير المعروفة لهم بشكل استثنائي، وهذا ما دعم قول العلماء إن متطلبات اللغة هي ما يشحذ القدرات المعرفية للإنسان.

مصدر الصورة

في وصف الأحداث أيضًا تختلف اللغات في من حيث دقة تحديد الفاعل، في اللغة الإنجليزية تشير صياغة الجمل إلى الفاعل كما في: «كسر جون المزهرية» بينما يندر أن يشير متحدثوا اللغة اليابانية والإسبانية إلى المتسبب في الأمر، ففي الإسبانية تُقال «Se rompio el florero» وتعني «انكسرت المزهرية» أو «كسرت نفسها»، وهذه الاختلافات تؤثر في تفسير الناس للأحداث، وتذكرهم لها.

في عام 1939 راح بنيامين وورف عالم اللغة الأمريكي يبحث بين قبائل هوبي وهي إحدى قبائل سكان أمريكا الأصليين في أريزونا، حيث وجد أن مفهوم المستقبل لديهم مختلفً نظرًا لعدم وجود مفردات تعبر عن «الفعل في المستقبل» وبالتالي لم يكن لدى أهل القبيلة تصور واضح للمستقبل، مقارنة بمن يتحدثون اللغة الإنجليزية.

ينظر متحدثو اللغة الإنجليزية إلى الماضي والمستقبل بشكل عمودي فيقولون مثلًا: «الماضي خلفنا، والمستقبل أمامنا»، بينما يرى الصينيون – الذين يتحدثون لغة الماندرين – الزمن بشكل أفقي فيقولون: «الشهر الأدنى والشهر الأعلى»، وفي إدراك الوقت أيضًا نجد في اللغة الإنجليزية التعبير عن الوقت بأنه: طويل أو قصير (short- long)، بينما تعبر اللغة الإسبانية عن الوقت بأنه كثير أو قليل.

مصدر الصورة

في دراسة أجرتها مدرسة «Yale Business»أيضًا جرى تحليل البيانات من 76 دولة وركزت التجربة على أمور مثل توفير المال والتدخين وعادات ممارسة الرياضة. وكانت النتيجة المذهلة أنه في الثقافات التي يتكلم فيها الناس لغة لا تشير إلى المستقبل كانت القرارات الاقتصادية صحيحة بشكل عام.

ووجد الباحثون أن المتحدثين باللغتين الإنجليزية والإسبانية، الذين تشير لغتهم إلى الفعل في المستقبل يميلون إلى توفير 30% أقل من المتحدثين بلغات لا تشير إلى المستقبل، والتفسير هو أن متحدثي مثل هذه اللغات يرون حياتهم بشكل متكامل ولا يرون المستقبل بعيدًا كما يراه المتحدثون بالإنجليزية أو الإسبانية، لهذا يكونون – بشكل تلقائي – أكثر وعيًا بتأثير قراراتهم على حياتهم بالكامل.

لاحقًا في عام 1956 وفي تأكيد لهذه النتيجة أُجريت تجربة على هنود زوني (إحد شعوب أمريكا الأصليين) الذين يعيشون في نيو مكسيكو لدراسة قدرتهم على التفرقة بين اللونين الأصفر والبرتقالي، وهما لونان لا تفرّق بينهما اللغة لديهم، عُرض على مجموعة منهم ألواح خشبية باللون الأصفر ثم طُلب منهم بعد ذلك أن يستخرجوا من بين مجموعة من الألواح باللون الأصفر والبرتقالي ألواح مشابهة لتلك التي عُرضت عليهم، فوجدوا صعوبة في تذكّر اللون الذي شاهدوه في البداية ولم يعرفوا الفرق بين اللونين.

إن اختلاف اللغات في التمييز بين المؤنث والمذكر كما في العربية والإسبانية، أو عدم التمييز بينهما مطلقًا كما في الإنجليزية قد أحدث أثره في رؤية الناس للحياة، إذا طلبت من رسام ألماني أن يعبر عن الموت، فغالبًا سيصوره على أنه رجل، فيما سيعبر عنه رسام روسي بامرأة.

في الربط بين الأشياء وسماتها فإن الناطقين بالإسبانية يربطون كلمة الجسر (وهي مذكر في اللغة الإسبانية) بالمتانة والقوة، فيما يربطه الناطقون بالألمانية (وهي مؤنث في لغتهم) بالجمال والنحافة، إن هذا التمييز في بعض اللغات يُعتبر «هدية اللغة إلى الشعراء» وهو ما يضفي في قصائدهم الحياة على كل المفردات.

«المالطية».. لغةٌ أوروبيَّة أم لهجةٌ عربيَّة؟

اللغة تنقل أفكارنا أم تشكّلها؟

يقول ورف صاحب فكرة «النسبية اللغوية» إن بعض الأشياء تحمل عدة أسماء في لغات معينة، مثل الإبل في اللغة العربية، وهو ما يشير إلى طرق تفكير الشعوب، ففي بعض اللغات مثلًا تتعدد المفردات التي تشجّع على الإبداع والتأمل بينما لا تنجح لغات أخرى في استيعاب هذه المفردات، وهو ما ينعكس على ثقافة متحدثي هذه اللغات.

حين نتعلم لغة جديدة لا يقتصر الأمر فقط على معرفتنا بطريقة أخرى للحديث، لكنه يمتد ليضيف إلينا طريقة جديدة في التفكير، في الزمن والموقع وحتى في الإدراك البصري، إذ تعبر بعض اللغات عن درجات الألوان بشكل أكثر دقة من غيرها، وتأمل عدة فروق بين اللغات الإنجليزية والعربية واليونانية والإسبانية وغيرها يثير التساؤل عما إذا كانت هذه الفروق قد نشأت بسبب اختلاف اللغة فقط أم بسبب اختلاف ثقافات الشعوب؟

مصدر الصورة

في سبعينات القرن الماضي ومع التوسع الكبير في دراسة اللسانيات أدخل العلماء تخصصات مختلفة للدراسة ونشأت تخصصات مثل اللسانيات الاجتماعية واللسانيات الأدبية والنفسية، تدعم نظرية سابير التي تؤكد أن«دراسة اللغة لا يمكن فصلها عن غيرها من المجالات».

حتى الآن فإن تأثير اللغة الأم الذي جرى إثباته علميًا يظهر في مجالات الفكر مثل الذاكرة والإدراك وترابط الأفكار، وفي مهارات عملية مثل معرفة الاتجاهات، لكن ما يؤكده غاي دويتشر في كتابه «عبر منظار اللغة.. لماذا يبدو العالم مختلفًا بلغات أخرى؟» هو أن الأبحاث العلمية الجادة حول تأثير اللغة لا تزال في بدايتها، وأن الغالب في تناول هذا الموضوع هو الخيال، فبعيدًا عن الاختلافات في عدد الكلمات المستخدمة في وصف الثلج أو التعبير عن الروح أو العقل، يبقى السؤال الأكثر جدية هو: هل تقود اللغات المختلفة ناطقيها نحو أفكار وتصورات مختلفة؟

وما يؤكده دويتشر هو أن «معظم الباحثين الجادين يجيبون عن هذا السؤال بالنفي القاطع»، فاللغة في رأيهم متشابهة عند جميع أصناف الجنس البشري، أو كما يقول نعوم تشومسكي: «إن علماء المريخ لا بد أن يستنتجوا أن جميع الأرضيين يتحدثون بلهجات مختلفة للغة واحدة»؛ إذ تتشارك جميع اللغات أساسًا في قواعد لغة عالمية ودرجة معينة من التعقيد المنهجي.

وهو يشير أخيرًا إلى أن المجالات التي ثبت فيها تأثير اللغة بشكل علمي مقنع حتى اليوم هو المساحة والجندر واللون، ويعتبر أن ما سوى ذلك من أبحاث أجريت في السنوات الماضية لا تزال في انتظار أدلة مقنعة تدعمها.

العالم سيفقد أكثر من نصف اللغات خلال 100 سنة فقط!

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!