في إحدى الليالي الهادئة من عام 1972، وقبل ساعاتٍ من إعلان انتصار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، هز انفجارٌ ضخم شقة عائلة «لوبان» الكائنة بالعاصمة الفرنسية باريس، عشرة أطنان من الديناميت كان سلاح الجريمة، فيما لم تتوصل الشرطة أبدًا إلى المنفِّذ.

انتقلت العائلة بعد ذلك إلي بيتٍ آخر، أبٌ وأمّ وثلاث بنات، لكن العائلة لاحقًا تعرّضت لحوادث درامية أثرت على تماسكها كما وضعتها في دائرة الضوء، فانفصلت الأمُّ عن الأب الذي بزغ نجمه، ثم نجم ابنته، ثم نجم حفيدته، لتصبح العائلة – عبر ثلاثة أجيال متعاقبة – رمزًا للتطرف والعنصرية اليمينية في فرنسا.

جان ماري لوبان: عرّاب اليمين الفرنسي

 

إنني أُعلن جهارًا ما يُفكر فيه الآخرون بصمت.

 

هو الأبُ الروحيّ لليمين المتطرف الفرنسي، ولد جان ماري لوبان عام 1928 في قرية صغيرة شمال غربي فرنسا، وترعرع يتيمًا، وانضمّ إلى القوات الفرنسية التي تقاتل في الجزائر ضد حرب التحرير. وكان من ضمن القوات التي شاركت في حرب السويس – المعروفة بـ«العدوان الثلاثي» على مصر عام 1956، ونُقل عنه أنه كان حريصًا حينها على دفن قتلى الجانب المصري وفق التعاليم الإسلامية، وقد عرف عنه رفضه مشاركة فرنسا في حرب العراق، معتبرًا أن الدبلوماسية الفرنسية قد وقعت ضحية مناورات أمريكية-إسرائيلية.

عاد الرجل من الجزائر لينخرطَ في الحياة السياسية الفرنسية، إذ ساهم في تأسيس حزب الجبهة الوطنية عام 1972، متبوئًا زعامتها منذ ذلك الحين وحتى بداية عام 2011، ضمت الجبهة عناصر ينتمون إلى تياراتٍ فكرية متعددة، تبدأ بقدماء من عاشوا في الجزائر إبان احتلالها الذي استمر 130 عامًا، وتنتهي بالكاثوليك التقليديين، مرورًا بكلٍ من أنصار نظام فيشي والقوميين الفرنسيين.

مثَّلت الجبهة منذ نشأتها صوت اليمين المتطرِّف في فرنسا، فجعل العداء للمهاجرين شعاره الرئيسي، مركِّزًا في خطابه على «الهوية الفرنسية»، مع رفض سياسات العولمة أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، مطالبًا بمنح الأولوية لـ«الشعب الفرنسي» في مجالات الإسكان والرعاية الاجتماعية والتعليم، وعلى المستوى الاقتصادي فقد اعتنقت الجبهة في البداية ليبرالية السوق الحرة المتطرفة، قبل أن تتبنى سياسات أكثر «كوربوراتية» خلال التسعينيات.

«إن مفهومنا للأمة هو مفهوم الإرث الدموي ولكنه أيضًا مفهومٌ متكامل، مفهومٌ يضمُّ إليه كل من يريد أن يصبح فرنسيًا بدافع الحب لفرنسا، وليس فقط بدافع حب المصالح الخاصة». نُظر إلى جان لوبان في الإعلام والسياسة على أنه «عدو المهاجرين»، وأدين نحو 18 مرة على خلفية تصريحاته ضدهم، واتهم دومًا بالعنصرية ومعاداة السامية، وقد أخذت القاعدة الجماهيرية لجبهته تتوسع تدريجيًا، حتى حقق مفاجأة بحلوله ثانيًا في الانتخابات الفرنسية عام 2002، ودخوله جولة الإعادة مع الرئيس السابق جاك شيراك، على الرغم من أن التوفيق لم يكن حليفه في النهاية.

وقد ظل الرجل في زعامة الحزب حتى عام 2012، حين أعلن أنه لن يترشح لرئاسته مجددًا، مفسحًا المجال لابنته مارين لوبان التي دشنت لبداية مرحلة جديدة. ومن المفارقات أن جان ماري لوبان، الذي تبنى آراء أكثر محافظة، والذي كان يرى أن الشيء الوحيد الذي تبرع فيه المرأة هو الأعمال والواجبات المنزلية وأعمال المطبخ، هذا الرجل قد امتلأت حياته بالنزاعات مع أقرب النساء إليه، ابنته مارين لوبان، وزوجته، وقد قامت الأخيرة بعد طلاقها منه بنشر صورها عارية تمامًا في مجلة بلاي بوي عام 1987، بغرض الانتقام من زوجها.

 

مارين لوبان: «لن أعيش في جلباب أبي»

 

 

منذ صغرها، وجدت مارين لوبان نفسها مجذوبة إلى مسار والدها، وهي التي وجدت نفسها أكثر تعلقًا به بعد انفصاله عن أمها، رغبت في البداية أن تصبح شرطية، لكنها انضمت إلى سلك المحاماة، حيث عملت لدى أحد أصدقاء أبيها للدفاع عن الأشخاص المنتمين إلى حركات اليمين المتطرف، وبعد أن تزوجت أحد نشطاء الجبهة الوطنية عام 1997، قررت ترك العمل بالمحاماة لتنضم إلى صفوف الحزب.

أما الطريق إلى الجماهير، فقد عرفته الشقراء الفرنسية من بوابة أبيها كذلك، فلم يكد جان لوبان يحقق المفاجأة بوصوله إلى مرحلة الإعادة في رئاسيات عام 2002، حتى اندفع الملايين في الشوارع متظاهرين ضد «عدو المهاجرين»، وجدت الفتاة الجماهير تصفُ أباها بالفاشية، فظهرت على شاشات التلفاز منافحةً عنه ما استطاعت، كانت تلك هي اللحظة التي جذبت فيها لوبان اهتمام الفرنسيين بمظهرها وحججها، وبداية صعودها السياسي الفعلي.

وبالمقابل، كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها لوبان أن ثمَّة خطأ ما في مسيرة الحزب يحتاج إلى تعديل، وكما يعبر أحد الباحثين السياسيين في جامعة مونبلييه: «لقد فهمت حينها أنه طالما ظلّ الحزب موصومًا بالفاشية، وطالما ظل أبوها يطلق تصريحاته المعادية للسامية هنا وهناك، فإنه ليس ثمة مستقبل لهذه الحركة».

وحينما تمّ انتخاب مارين في رئاسة الجبهة بداية عام 2012، خلفًا لأبيها، عمدت إلى استراتيجية لـ«تطهير» صورة الحزب، فابتعدت عن المواقف المثيرة للجدل، أبقت لوبان على المواقف المتشددة تجاه مسائل كالهجرة، والتشدد الإسلامي، وإعطاء الأولوية للفرنسيين «الأصليين»، والدعوة للخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنها حاولت التطبيع بشكلٍ أكبر مع شرائح أوسع من الجماهير، اتخذت لهجة أقل عنصرية، ركزت أكثر على «الهوية الفرنسية» لا العرق.

وقد آتت تلك السياسة أُكُلَها حينما حلّ الحزب ثانيًا في الانتخابات الإقليمية الفرنسية عام 2015 حاصدة ربع أصوات الناخبين، وبدأت تمهد للانتخابات الرئاسية بعد يومين، لكن هذا الخطاب الأقل تشددًا الذي اتبعته مارين كان يُقابل بعقبة وحيدة من داخل الحزب: جان لوبان نفسه!

ظلّ لوبان الأب رئيسًا شرفيًا للحزب، ولم يتوانَ عن إثارة الجدل بين الحين والآخر، ضاربًا عرض الحائط كل مجهودات ابنته لتحسين صورة الجبهة لدى الفرنسيين، والتخفيف من وطأة اتهامها بالعنصرية، وقد كان عام 2015 هو العام الذي انفجرت فيه الخلافات بين الأب وابنته، حين كرر الرجل تصريحاته السابقة التي تخفف من شأن المحرقة النازية بحقّ اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، معتبرًا إياها مجرد «تفصيلة صغيرة من تفاصيل التاريخ»، كما أنه اعتبر أن الحكومة الفرنسية التي تعاونت مع النازيين إبان الحرب «لم تكن بذلك السوء».

رفضت لوبان علنًا تصريحات والدها، معتبرةً أنها تعبِّر عن شخصه لا عن موقف الحزب، وبدوره رفض الأب التراجع أو الاعتذار، وتأزمت الأمور إلى أن وصلت إلى فصل لوبان الأبّ من الحزب الذي أسسه وتزعّمه مدة أربعة عقود، ورد الوالد بإعلان نيته إعلان إسلامه نكاية في ابنته، مؤكدًا أنه «يشعر بالعار لكون ابنته تحمل الاسم نفسه الذي يحمله».

 

«نكاية في مارين قررت اعتناق الإسلام، لقد بدأت محادثاتٍ مع مسجد باريس الكبير من أجل تنظيم مراسيم حفل اعتناقي الإسلام، وبديانتي الجديدة مسلمًا سترونني قريبًا في المسجد لتأدية الصلاة، سأطلق لحية بيضاء طويلة وأرتدي حذاءً رياضيًا من ماركة نايك».

ورغم ذلك، يبدو أن مارين لوبان لم تستطع الانسلاخ تمامًا من عباءة أبيها، فرغم أنها تمكنت مؤخرًا من الوصول إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، بحصولها على نحو 22% من الأصوات، في مقابل نحو 24% لإيمانويل ماكرون، إلا أنها قد وقعت في الخطأ الذي طالما لامت أباها عليه، حين اعتبرت – وهي على بُعد أيام قليلة من الانتخابات – أن بلادها ليست مسؤولة عن لمّ شمل نحو 13.000 يهودي تم ترحيلهم من البلاد أواخر الحرب العالمية الثانية، وهو ما أثر – ويُتوقع أن يؤثر – على حظوظها في الوصول إلى الإليزيه في جولة الإعادة.

 

إنها ليست فاشية، وليست معادية للسامية، لكنها لا تستطيع مقاومة الحمض النووي لعائلة لوبان.

 

ماريون ماريشال لوبان: الحفيدة المتطرفة

 

 

أصغر نائب في تاريخ الحياة النيابية الفرنسية، الفاتنة الشقراء «ماريون ماريشال لوبان»، دخلت عالم السياسة مبكرًا، واستطاعت مؤخرًا رغم صغر سنها (25 عامًا)، اﻹطاحة بمرشحي الحزبين الجمهوري والاشتراكي – الحاكم – بفارق كبير في المرحلة اﻷولى من الانتخابات الجهوية، بعد أن خاضت الانتخابات ضمن صفوف الجبهة الوطنية، التي انضمت إليها وهي في سن 18 عامًا.

ماريون هي ابنة «يان لوبان»، الابنة الوسطى لجان ماري لوبان، أي أنها حفيدة مؤسس الحزب، وابنة أخت زعيمته الحالية مارين لوبان، وقد جذبت الأنظار بسبب مواقفها المتشددة، التي جعل البعض يصنفها على أنها أكثر قربًا إلى «تطرف» جدها منها إلى «دبلوماسية خالتها»، فهي لا تترك مناسبة إلا وتبدي عداءها للمهاجرين والعولمة، وتؤكد اعتزازها بـ«الأصول المسيحية» لفرنسا، وهجومها على «الإسلام الراديكالي».

ينظر لماريون على أنها «ولي عهد» الجبهة الوطنية المرتقب، التي ستضمن استمرار زعامة الجبهة في الجيل الثالث من عائلة لوبان، ورغم أنها تنفي أنها تحمل طموحًا شخصيًا بهذا الخصوص في المستقبل، تمامًا كما تنفي الأنباء المتناثرة عن خلافات بينها وبين خالتها، إلا أنها بنظر الكثيرين تمثِّل فرصة ذهبية لليمين الفرنسي، لـضم المزيد من الشباب الفرنسيين إلى صفوفه، خاصة أولئك الناقمين على سياسات العولمة والاندماج والتعددية الثقافية.

هؤلاء ربما يجدون في ماريون لوبان ضالتهم المنشودة، التي تقودهم إلى تحقيق انتقامهم الموعود، متسلحة في ذلك بإرث العائلة وحيوية الشباب، فمن يدري؟ ربما تحقق ماريون غدًا ما قد تخفق فيه مارين اليوم.

 

المصادر

تحميل المزيد