بانكوك؛ الرجل الذي قاد الصين لتصبح اليوم ثاني أكبر اقتصاد بالعالم لم يكن هو الزعيم السابق للبلاد شياو بينج, إنما كان “لي كوان يو” أول رئيس وزراء لسنغافورة, أو على الأقل هذه هي الطريقة الوحيدة التي قد يصف بها المؤرخون في المستقبل سر صعود الصين.

ففي منتصف العام 1970 وفي السنوات الأخيرة من الثورة الثقافية في الصين كانت التنمية في البلاد قد وصلت إلى طريق مسدود. ففي ظل ديكتاتورية الحزب الشيوعي بعض الأعضاء كانوا يتعرضون للقمع بحجة أنهم من المعادين للثورة, ودفعوا كذلك بالأوضاع السياسية نحو حالة من الاضطراب. و أدت كذلك أوجه عدم الكفاءة لدى الاقتصاد الموجه إلى انتشار الفقر بالبلاد. وإدراكًا منه لذلك الوضع الصعب فقد أشعل  الزعيم السابق دينج شعلة الإصلاح.

لكن في العام 1980 اختلف كلٌّ من الزعماء الصينيين والعلماء حول أي نوع من البلاد يريدون بناءه. في البداية سعى دينج إلى إدخال آليات السوق في الاقتصاد والسماح كذلك بسقف معين من الديمقراطية. لكن في الوقت نفسه أصر آخرون على تقييد المشاركة العامة في الحياة السياسية. حيث رأى المعسكر الأخير الاستبداد مفتاحًا لكلٍّ من الاستقرار والتنمية الاقتصادية.

نظر الصينيون إلى سنغافورة على أنها الحالة المثالية, حيث اقترن حكم الحزب الواحد مع اقتصاد السوق المزدهر. وقد تخيل البعض أن هذه الطريقة ستؤتي ثمارها كذلك بالنسبة للصين, في الوقت الذي كان فيه “لي كوان يو” وكثير من السنغافوريين من أصل صيني.

واصلت الصين ترددها ما بين الديمقراطية والاستبداد. فقد قوبلت حركة مؤيدة للديمقراطية واسعة النطاق بحملة من القمع الأمني وذلك في ميدان تيانانمين عام 1989. ومع ذلك فقد استمر دنيج في الإصلاح والذي انتهى به إلى نظام يشبه في كثير من جوانبه سنغافورة. فالسياسة الصينية قد ثبتت دعائمها, أو على الأقل هذا ما يبدو على السطح, وأصبحت الأمة الصينية هذه الأيام هي مصنع العالم.

أصبح النموذج الصيني يعرف لاحقًا باسم توافق بكين, لكن يمكن إرجاع الفضل في بناء ذلك النموذج إلى لي كوان يو.

الصين اليوم في طريقها لمزيد من الإصلاحات الجديدة. ففي العام الماضي أعلنت الحكومة الصينية أن ستًّا من الشركات المملوكة للدولة بما في ذلك شركة الصين الوطنية للحبوب والزيوت والمواد الغذائية سوف يستخدمون كنماذج, حيث سيتم نقل هذه الشركات من السيطرة الكاملة للدولة إلى ملكية مختلطة من قبل شركة استثمار تابعة للحكومة وأيضًا مستثمرين في القطاع الخاص. فهذه تعتبر وعودًا بتحرير الشركات من قبضة الحزب الصارمة و جعل الإدراة في أيدي القطاع الخاص.

هذه الإصلاحات إذا ما تم تنفيذها بشكل كامل فسوف تؤدي إلى شركات تشبه في وضعها  “تيماسيك القابضة” وهي صندوق الثروة السيادية والتي تدعمها الحكومة السنغافورية. فالصندوق يملك حصصًا في الشركات الكبرى هناك مثل الخطوط الجوية السنغافورية.

لكن يبقى هناك فرق حاسم بين النظامين الصيني والسنغافوري وهو الفساد. حيث أنه كان معروفًا عن كوان يو أنه لا يتسامح مطلقًا مع ذلك. والصين على الرغم من أنها أكبر من سنغافورة بكثير إلا أنها فشلت في كبح جماح الكسب غير المشروع – ولو أن  الرئيس الصيني جين بينج يدير الآن حملة شرسة من أجل مكافحة الفساد.

هذا ولا زال الحكم معلقًا حول إلهام سنغافورة لما يسمى بتوافق بكين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد