«أيها الحب الأعمى الأحمق، ماذا فعلت بعيني؟ فهما تبصران لكنهما لا تعيان ما تبصران» *وليام شكسبير- مسرحية تاجر البندقية

تستهوي روايات الحب والأفلام الرومانسية الكثيرين؛ وقد يتأثرون إلى حد البكاء إذا انفصل الحبيبان، وقد برع الفن  بجميع أشكاله في التعبير عن صور العشق والهوى المختلفة، ووصف لنا ببراعة ذلك الشعور الذي يعتري الأفئدة وينمو بداخلها، ويجعل الأرواح تحلق عاليًا لتلمس السماء، وتشتبك بالنجوم.

ويرتبط الحديث عن الحب في الفلسفة بالحضارة اليونانية؛ إذ نجد أن أبرز نصوصها كان «محاورة المأدبة» لأفلاطون التي حاول من خلالها الوصول لجوهر الحب، ولكن ماذا عن العلم؟ وكيف يرى تأثير الحب في عقولنا؟ وهل للقلب علاقة بالحب أم أن مشاعرنا محلها العقل؟ وهل حقًّا مرآة الحب عمياء عن العيوب والأخطاء؟

الحب في الحضارات القديمة والأديان

على مر العصور والحضارات المتلاحقة احتل القلب مكانة كبيرة؛ فعلى سبيل المثال في الحضارة الفرعونية عده المصريون القدماء دليلهم لمعرفة الخير والشر، وبوصلتهم الأخلاقية التي توجههم نحو الأفعال الصحيحة، أما الإغريق فالقلب بالنسبة لهم كان مصدر التفكير والمشاعر، ولم يقتصر الأمر على الحضارتين المصرية والإغريقية؛ إذ امتد للحضارة الصينية التي كانت تراه أيضًا مركزًا للمشاعر.

ومن الحضارات امتدت مكانة القلب إلى الأديان السماوية والثقافات؛ ففي التراث المسيحي والإسلامي نرى أن الله يطلع دومًا على القلوب. ويمكن القول هنا إن الحضارات والأديان كانت تعد القلب رمزًا للإنسانية، ومقياسًا لجودة البشر ومؤشرًا للمشاعر، أما العضو الذي يضخ الدم في جسم الإنسان فليس له علاقة مباشرة بالحب.

الأمان العاطفي

مرآة الحب عمياء! ماذا يحدث لأدمغتنا حين نقع في الحب؟

هل سبق ووقعت في الحب؟ هل تتذكر حينها كيف كان شعورك؟ وهل كنت قادرًا على وصف ذلك الشعور للمحيطين أم كان الأمر مستعصيًا على الوصف؟ يقول الروائي الفرنسي ستندال: «أن تقع في الحب، هو أن تشعر فورًا بأنك مبتهج لسبب ما، وهذا السبب لا يمكن أن يكون مبهجًا إلا لأنه يجسِّد شكلًا مثاليًّا» وبعيدًا عن وصف شعور الحب؛ كيف يؤثر فينا هذا الشعور؟ وما الذي يفعله تحديدًا في أدمغتنا؟ وهل مرآة الحب لا ترى كما يقال؟

1. تنشيط مناطق الدماغ التي تحتوي على تركيزات عالية من مادة الدوبامين

أجرى الدكتور سمير زكي، والأستاذ الدكتور أندرياس بارتلز، الحاصلان على دكتوراه من كلية لندن الجامعية، دراسة بحثية عام 2000، على 17 متطوعًا من الذكور والإناث، تتراوح أعمارهم بين  21 و37 عامًا، وكان شرط الدراسة أن يكون المتطوعون في حالة حب حقيقي.

وقد أجرى الباحثان مسحًا دماغيًّا للمتطوعين أثناء رؤية صور محبيهم، وكشفت عمليات البحث عن أن هناك مناطق محددة في الدماغ أضاءت فور رؤية الصور، وكانت هذه المناطق هي الجزع الإنسي والقشرة الحزامية الأمامية، وأجزاء من المخطط الظهري.

وأوضح الدكتور زكي أن الحب الحقيقي ينشط المناطق المسئولة عن نظام المكافأة في المخ، وهو عبارة عن مجموعة من الهياكل العصبية المسؤولة عن الحوافز والمشاعر الإيجابية، كما يحفز الحب أيضًا مناطق الدماغ التي تحتوي على تركيزات عالية من مادة الدوبامين، وهي المادة الكيميائية المرتبطة بالرغبة والإدمان؛ ولذلك حين نقع في حب شخص ما، نشعر بما يشعر به الشخص الذي يتناول الكوكايين؛ إذ يزيد إفراز الدوبامين إحساس السعادة.

2. الإحساس بالأمان

والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فبحسب الدراسة نفسها، يؤثر الحب في منطقة دماغية أخرى وهي القشرة الأمامية، وهذه تحديدًا هي التي تفسر لنا لماذا نكون عميانًا أمام الحب ولا نرى أخطاء المحب وعيوبه ولا ننزعج منها؛ وذلك لأن مسئولية القشرة الأمامية في التفكير والحكم على الأشخاص معطلة.

غير أن الأمر ليس بهذا السوء، فللحب مزايا أخرى؛ إذ إنه يؤدي إلى تعطيل منطقة صغيرة في الدماغ تُدعى اللوزة، وهي المسئولة عن استجابات الخوف، ويرى دكتور زكي أن الشخص الذي يعيش قصة حب حقيقية يتعطل لديه هذا الجزء من المخ؛ وبالتالي تخمد استجابات الخوف لديه ويشعر بالأمان.

3. اضطراب في عملية إفراز الهرمونات

الحب وفقًا لعلماء الأعصاب ينقسم إلى ثلاث مراحل: الشهوة والانجذاب والتعلق. خلال المرحلة الأولى عادة ما يرتفع إفراز الهرمونات الجنسية مثل التستسترون والإستروجين، وهما المسئولان عن تحسين المزاج وزيادة الرغبة الجنسية.

هل مرآة الحب عمياء؟

أما في مرحلة الانجذاب فتفزر الغدة النخامية مادة الدوبامين، ولكن في الوقت نفسه يحدث انخفاض لهرمون السيروتينين وهو ناقل عصبي أيضًا ينظم الحالة المزاجية والقلق والسعادة، وارتفاعه يساهم في زيادة الشعور بالحماسة والإثارة، أما انخفاضه فيؤدي إلى الاكتئاب.

وفي دراسة أجرتها دوناتيلا مارازيتي، أستاذة الطب النفسي بجامعة بيزا الإيطالية، على مجموعة من المتطوعين، اتضح أن الأشخاص الذين يعيشون حالة من الحب لديهم الانخفاض نفسه في السيروتينين الذي يصاحب الأشخاص المصابين بالوسواس القهري. وهنا خلصت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن الوقوع في الحب هو حالة مرضية تجعل المصابين به غير طبيعيين، وربما لهذا السبب يفقد المحبون القدرة على التفكير في أي شيء آخر غير الحب، وتضيف الدكتورة أن هذه الحالة من الحب تنتهي في مرحلة ما وتعود الأمور إلى طبيعتها.

وفي مرحلة التعلق تفرز الغدَّة تحت المهادية هرمون الأوكسيتوسين، وهو الهرمون نفسه المسئول عن تعلق الأم بطفلها إذ يُفرز بكميات هائلة عند الولادة كما أنه يُفرز أيضًا أثناء الرعشة الجنسية، وقد كشفت الدراسات الحديثة عن أن هذا الهرمون يلعب دورًا كبيرًا في استمرار العلاقة الزوجية ولهذا اُطلق عليه اسم «هرمون الحب»

إذا كان العقل هو المتحكم بالحب فلماذا يخفق القلب؟

هناك أربع وسائل اتصال بين العقل والقلب؛ الاتصالات الفسيولوجية، والاتصالات بالحقول الكهرومغناطيسية، والاتصالات العصبية، والاتصالات الكيماحيوية أو الهرمونات، ولهذا يتأثر القلب بما يفرزه الدماغ وما ينتجه الجهاز العصبي، وحين نرى الشخص الذي نحبه أو نسمع صوته أو نشم رائحته تفرز الغدة الفوق كلوية «الكظرية» هرمون النورادرينالين وبعد أن يُفرز هذا الهرمون نشعر على الفور باضطراب ضربات القلب، والتعرق وارتعاش الأطراف، وتقلصات المعدة، بالإضافة إلى انتفاخ الخدين وتوردهما.

علوم

منذ 9 شهور
ساعدنا على البقاء.. كيف نشأ الحب على كوكب الأرض؟

المصادر

تحميل المزيد