عن ألوان هدر الإنسان في العالم العربي يقدم الدكتور مصطفى حجازي كتاب “الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية” استكمالا للصورة التي قدمها في كتابه ” التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” والذي قدمنا له قراءة سابقة” من هنا. ويدخل الكتابان ضمن مشروع الكاتب الذي يطمح لتوظيف علم النفس في خدمة قضايا التنمية الإنسانية.

ويتناول الكاتب خلال فصول كتابه التسعة مظاهر الهدر وأشكاله، حيث يركز في الفصل الأول على “هدر الإنسان محدداته وتجلياته” أما الثاني فيتناول ” العصبيات والهدر” ويستعرض الثالث ” الاستبداد والطغيان وهدر الإنسان”، ويخصص الفصول التالية للحديث عن ” الاعتقال والتعذيب” و”هدر الفكر”و “هدر الوعي والطاقات والانتماء” و”الهدر الوجودي في الحياة اليومية”، ثم يتوقف في الفصل الثامن أمام الديناميكيات النفسية للإنسان المهدور، وأخيرًا يُفرد الفصل التاسع للحديث عن علم النفس الإيجابي وبناء الاقتدار في مجابهة الهدر.

“أما الهدر فهو أوسع مدى بحيث يستوعب القهر “

يستهل الكاتب كتابه موضحا أن القهر والهدر ربما يتطابقان في الدلالة للوهلة الأولى لكن الحقيقة أن الهدر يشمل القهر، فالقهر لا يصبح ممكنا إلا بعد هدر قيمة الإنسان واستباحة حرمته وكيانه في عملية الإخضاع، وهو يتفاوت من حيث الشدة ما بين هدر الدم واستباحة حياة الآخر باعتباره لا شيء، وبين الاعتراف المشروط بإنسانية الإنسان ( أعترف بك ما دمت خاضعا لرغبتي). وبينهما يتسع نطاق الهدر كي يشمل هدر الفكر، وهدر طاقات الشباب ووعيهم، وهدر حقوق المكانة والمواطنة بحيث يضرب الهدر مشروع بناء الإنسان وبناء التمكين وصناعة المصير.

ويركز هذا الكتاب على المحور الداخلي من قضية الهدر، أما المحور الخارجي المتمثل – من وجهة نظر الكاتب – في قوى الاستعمار والتدخل الأجنبي وطغيان العولمة، ومسؤولياتها الكبرى عن واقع التخلف فيدع الكاتب الحديث عنها مشيرا إلى كثرة الكتابات التي تناولتها بالدراسة.

الديمقراطية شعارات، أين أصل المشكلة

يوضح الكاتب بداية أن الحديث عن التخلف وأسبابه أصبح مرتبطا بالحديث عن غياب الديموقراطية وشعارات الحرية مشيرا إلى أنها شعارات أصبحت مبتذلة لكثرة ما ترددت وانتشرت، وتساهلت معها حتى أصبح لسان حالها يقول: دعهم يتساجلون ما دام الأمر لا يمس الكراسي.

لكنه يتساءل: هل نحن فعلا بصدد تشخيص دقيق وواقعي حين الحديث عن الحرية والديموقراطية؟ ألا تسبقها أمور أخرى وتشكل شرطا لها؟

يجزم الكاتب بأننا إذا ما أردنا للحديث عن الحرية والديمقراطية أن يصبح فاعلا فعلينا تجاوز الشعارات، وتسمية الأشياء بمسمياتها والكلام عن مثلث الحصار الفعلي والمادي الذي يفرض على الواقع العربي، وقاعدة هذا المثلث هي: حكم المخابرات والبوليس السياسي اللذان ينحرفان عن وظيفتهما في حماية الوطن من أعداء الخارج إلى مطاردة الإنسان في الداخل لحماية الكراسي، وهي إذا ما استطاعت حماية الكراسي فإنها لا تستطيع قطعا تسيير المجتمع وإنمائه فقد تحول دورها إلى حصار الإنسان والتربص بالسلوك ومطاردة الفكر، أما ركنا المثلث الآخران فهما العصبيات (القبلية أو العشائرية أو الأسرية) و”الأصوليات الدينية” إذ تنتشر الأصوليات المتشددة التي تشن حربها على الفكر وانطلاقه ومرونته وتصل حتى إلى مطاردة النوايا.

ومؤخرا أصبح هذا المثلث رباعيا مع ” تهمة الإرهاب ” التي تواجهها الأمة والتي تدفع بنا لموقع المذنب الذي يتعين عليه دائما إثبات براءته من خلال الانقياد الكامل لمشروع الهيمنة الكوني.

ويوضح الكاتب أن العصبيات تفرض حصارا على أتباعها في مقابل ما توفره لهم من رعاية ونصيب في الغنيمة مرهون دائما بولائهم وطاعتهم، وتظل العصبيات عدوة الاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر، مشيرا إلى أنه في مختلف مؤسسات القطاع العام العربية الأولوية للولاء وليس للأداء.

” تتصارع المالية مع شؤون الموظفين، أو مواقع الإنتاج مع مواقع الخدمات تماما كما كانت تتصارع مضارب بني هلال مع مضارب بني تميم في التراث العربي”

ويستطرد الكاتب متحدثا عن تغلغل العصبية في كل مؤسسات الدولة في المجتمع العربي، وليس فقط أنظمة الحكم فحتى المؤسسات العسكرية تقوم على أسس عصبية إما طائفية أو قبلية عشائرية أو جهوية، ويوضح كيف أن هذه العصبيات تعوق التنمية وتقيد الطاقات برفضها للتنوع.

 

التعذيب كيف يمكن أن يصل انهيار الرباط الإنساني إلى هذا الدرك

ينتقل الكاتب في الفصل الرابع للحديث عن أشد حالات الهدر كارثية والتي تؤدي إلى تدمير الكيان النفسي للإنسان أو تهدف لذلك، ويوضح أن الأكثر استخداما وفتكا من أشكال الأذى الجسدي هو أشكال الأذى النفسي ذات التاثير الخفي والتي تقوم على أسس علمية طبية تستهدف النيل من نواة الكيان الإنساني، وتطال فئة من الناس يشكلون عقبة أمام سطوة الطغيان والاستبداد، فيسعى لتدمير الطاقة الحية الجسدية والنفسية في هذا الكيان، وتكون من الشدة أحيانا بحيث تجعل الضحية تحمل سجنها معها حتى بعد إطلاق سراحها.

يعرض الكاتب مستويات التعذيب الجسدي والنفسي متجاوزا الوقائع والأساليب ومركزا على الدلالات والآثار، فيوضح أن التعذيب الجسدي يهدف إلى التحقير من الضحية، وإثارة إحساس العجز المطلق لديها في مقابل سطوة الجلاد المطلقة وهو ما يهدف بالطبع إلى تسريع الانهيار والاستسلام.

يتجلى الهدر بأعلى مستوياته في التعذيب

 

والتعذيب، كما يؤكد الكاتب، ليس فقط ألما يُحتمل بل هو إيذاء للاعتبار الذاتي تشعر إزاءه الضحية باستطالة الزمن حتى يبدو وكأنه أبدي لا نهاية له، وتتمنى الخلاص بالموت باعتباره الراحة الكبرى لها، ويهتم الجلادون كثيرا بإطلاق شعور الأبدية لدى الضحية، إذ يشكل ذلك شرطا للانهيار والاستسلام. فالمعاناة والآلام تظل قابلة للاحتمال ما دامت مؤقتة أو معروفة الأجل أما التعذيب الوحشي الذي يبدو بلا نهاية فهو يكسر الإرادة ويغير الدلالة بحيث تصبح المقاومة والتحمل بلا جدوى وهذا تحديدا ما يتوخاه الجلاد، وحين تتزعزع المقاومة تصبح القضية بلا معنى وهذه هي الخطوة التمهيدية للانكسار والانهيار المطلوب إيصال الضحية إليه.

” كم تتحمل الضحية وإلى أي مدى تستطيع الصمود؟ لا يتعلق الأمر بالإرادة فقط بل يتعلق بمدى تحمل الجسد. إن الجسد في هذه الحالة هو الذي يقرر: الإرادة تموت في تلك اللحظات”

ويصف الكاتب كيف أن الجسد تحت التعذيب يتوقف عن أن يكون ملكا للضحية ويتحول إلى ملكية الجلاد الذي يدفعه لإطلاق صرخات الألم أو البكاء أو حتى الشتم، ويوضح كيف أن هذه الصرخات تصبح برهانا على ممارسته على الضحية، لذلك يكون أشد ما يغيظه هو تسلح الضحية بالصمت الذي يعني إفلاتها من سطوته وبالتالي فشل فنون التعذيب في تحقيق هدفها، لذا يثور الجلاد كي يدفع الضحية إلى صراخ الألم فهو المدخل إلى الإقرار بالهزيمة والانكسار والاعتراف.

ويمضي الكاتب موضحا أن تعذيب الجسد يتجاوز الألم الحسي إلى مستوى دلالي نفسي اعتباري قيمي، ألم الجسد يضاف إليه ويفاقمه بشكل لا يحتمل ألم العيب والعار وافتقاد الحصانة ونسف الخصوصية، وفي مرحلة معينة لا يعود للضحية من مخرج سوى الاحتماء بالموت الوجودي: لا تعود تحس، لا تعود تبالي، لا يعود لها كيان وجود.

الدكتور مصطفى حجازي

 

لكن الكاتب يؤكد أن هذه الأهوال التي يعانيها من يتعرض للتعذيب تحتاج لمقاومتها لدرجات غير عادية من الحصانة التي لا تتوفر إلا لذوي الإيمان الراسخ بالعقيدة التي توفر وجودا متعاليا على الوجود المادي الراهن والتي تحمي بالتالي القيمة الذاتية من خلال قيمة الانتماء التي لا يمسها تعذيب.

وعن أثر التعذيب بعد التحرر من السجن يقول الكاتب:

” إذا كان الشهداء الأموات أحياء في جنات الخلد، فإن الشهداء الأحياء قد يعيشون في جحيم مقيم إذا لم يحظوا بالرعاية الطبية والنفسية والتأهيل الاجتماعي الذي يرد إليهم مكانتهم واعتبارهم ويجعل لمعاناتهم خلال الاعتقال والتعذيب معنى وجوديا ساميا يعيد إليهم الوفاق مع ذواتهم والحياة”

وينتقل الكاتب في الفصل الخامس إلى هدر الفكر الذي يعد أهم ركن في ثلاثية الهدر الأخطر (هدر الفكر والوعي والطاقات) لأنها تصيب المجتمع ونماءه في الصميم وتتركه في حالة الانكشاف وفقدان المناعة تجاه الضغوط الخارجية المتنامية، كما يهيئ أرضا خصبة لانتشار ما يسميه الأصوليات الموغلة في انغلاقها حيث تظهر كبديل يحمل الخلاص للأمة.

لذا يؤكد أنه رغم التناقضات الظاهرية فإن هناك حلفا مصلحيا ضمنيا على أرض الواقع، ما بين ثلاثية الاستبداد والعصبيات والأصولية، في حربها المعلنة على ثلاثية الفكر والوعي والطاقات.

في عالم الهدر الفكر الأمني أكثر تقدمًا

يشير الكاتب إلى ازدهار الفكر الأمني ما جعل علوم الأمن والمخابرات وتجهيزاتهما هي الأكثر تقدما في عالم الهدر، فالداخلية والمخابرات هما المجال الوحيد الذي يصرف عليه بسخاء.

الفكر الأمني أكثر تقدمًا في عالمنا العربي

 

ويصف ما أصاب العلوم الإنسانية حيث تفرض على الإنتاج العلمي فيها قيود كثيرة، وخطوط حمراء متزايدة، ويُمنع على الباحثين تناول المشكلات الاجتماعية المتفاقمة وكأن بحثها فضيحة؛ لأنها تقارب الفضيحة فعلا في واقعها. وهكذا يُدفع الباحثون إلى التلهي بقضايا جانبية ثانوية لا تمس المسكوت عنه، وتضيع جهود جيل بأكمله من الباحثين في تناول قشور وتفاهات تملأ مجلات البحث الأكاديمي في العلوم الإنسانية ولا تستخدم إلا لأغراض الترقية وإذا ما أفلت إبداع من أسر الفكر فإن الرقابة له بالمرصاد ما يؤدي إلى موت الإبداع.

تهدر كل الأفكار التي تصنع العالم إذًا، فكل ما يسهم في بناء كيان لا يعود له وزن أو اعتبار مع حلول الملكية والأرصدة والأسهم ووجاهتها، محل الاحترام والتبجيل الفكري، ولا تقتصر المشكلة على القوانين المقيدة فقط بل إن القيد الأخطر هو تجاوز السلطات الأمنية للقوانين والدساتير متذرعة بمقتضيات الأمن الوطني والقومي.

أن تُغرق جيلا في التسلية

يوضح الكاتب في الفصل السادس أن هدر الوعي والفكر يرمي في الأساس إلى تعطيل وعي الشباب تحديدا، وهو ما أخذت تقود زمامه الهيمنة الكونية من خلال استراتيجيات التلاعب بالعقول التي تسخّر أدوات التضليل الإعلامي وبرامجه لخدمتها، وتتشارك في هدر الوعي: المخابرات والأصوليات والعصبيات والإعلام الفضائي، في عملية تضليل كبرى تحاول أن تخمد في نفوسهم كل نزعة للقيام بمسؤولية المصير.

حرمان الشباب من المشاركة في قضايا صناعة المصير هو واحد من أبرز أركان هدرهم الوجودي إذ يتعرضون للتهميش عن قضايا الأمة والوطن من خلال سيطرة قلة تزداد شيخوخة باستمرار.

وهذا الهدر يضع الشباب في وضعية مأزقية فعلية تهدّ عافيته وصحته النفسية وتجعله نهبا لمختلف ضروب السلوكيات التعويضية الضارة أو على الأقل غير المجدية.

ويؤكد الكاتب أن الحرمان من المشاركة والعطاء وصناعة الهوية ذات القيمة من خلال البطولات والوطنية، هو إحباط للأجيال الصاعدة، وإيقاف لعجلة التاريخ وتجديد الحياة لذاتها من خلال شبابها والوقوع في التاريخ الآسن الذي يؤازر سلطة الكبار الذين شاخوا وهرموا، إنه قلب لمعادلة الحياة السوية ذاتها، التي تزيح القديم كي تحل محله الشباب الحيوي، في حالة من التجديد الدائم لتيار الحياة ونمائها.

ويحدثنا المؤلف عن عملية هدر الوعي التي تتبناها العولمة من خلال “رضاعة التسلية” وهو المصطلح الذي تفتقت عنه قريحة زبغينو بريجسكي أحد كبار منظري النظام العالمي الجديد، وهو مصطلح يلخص خطة التعامل مع هدر طاقات البشر عموما والشباب خصوصا، والتي يعد أشهرها في الوطن العربي مباريات كرة القدم التي تحولت إلى دين جيد للشباب، ومختلف البرامج المخصصة لصناعة “النجومية” بين جيل الشباب.

يؤكد الكاتب أن وظيفة المراقبة في الوعي هي أشبه ما تكون بكاميرا فيديو تمسح المحيط ورصد المدركات التي يحتمل أن تكون ذات دلالة، كما ترصد الأفكار والمشاعر والأهداف وحلول المشكلات التي يحتمل أن تكسب -نظرا لدلالتها- أهمية من نوع ما بالنسبة للشخص.

وفي مواجهة الوعي تتبارى القنوات وتتفنن في أساليب التسلية المسطحة للوعي والمخدرة للمعاناة الوجودية، وتنزوي أمامها القضايا الاجتماعية والوطنية لتقتصر على مجرد التنويع بين فقرات التسلية.

لا ينكر الكاتب الوجه الإيجابي للعولمة إذ توفر بانفتاح أسواقها وتفاعل الثقافات وكثافة التواصل فرصة لإغناء نوعية حياة الفرد والجماعة، فقد جعلت هذه القنوات العالم كله حاضرا للإنسان، فوسعت دائرة اطلاعه ونوع مرجعياته، ولعبت دورا في تعرية نظم الاستبداد والتحكم وفضح الفساد، كما أنها وفرت فرصة حقيقية “للذكاء الجماعي” أي المشاركة في قضايا الكون وبناء رأي عام عالمي يساند قضايا العدالة مما يخلق حركات ضغط وجماعات ضغط متزايدة التأثير محليا وعالميا، تلجم جموح سلطات الاستبداد.

لكنه يعود ليؤكد أنه برغم وجود هذا الجانب الإيجابي الذي ينمي فرص التحرر إلا أن أوجه الهدر ما زالت نشطة ومؤثرة ومتزايدة الانتشار من خلال استراتيجية التلاعب بالعقول وإدارة الإدراك المعروفين جيدا في عمليات صناعة الموافقة من خلال التضليل.

 

دون خط الفقر، دون خط البشر

فيما يصيب الهدر العام غالبية المجتمع فإن الهدر اليومي يجري على مسرح الحياة اليومية ويندمج معها دون أن يتخذ طابع القضايا بل يظل خفيا ولا يصيب الجميع بالشكل والشدة نفسها، لذا يخصص الكاتب الفصل السابع من كتابه للحديث عن بعض حالات الهدر اليومي، وتحديدا عن الإنسان دون خط الفقر، وعن معاناة الغربة في الوطن وخارجه.

“ذلك أن من هُدر كيانه على هذا الغرار مُهيّأ لهدر كيان كل ما حوله من عمران وناس”

وفي حديثه عن أحوال الناس دون خط الفقر يلفت الكاتب النظر إلى ما تتناوله الدراسات الميدانية للأحوال الإنسانية في أحزمة البؤس التي تتكدس حول المدن الكبرى حيث يجري الحديث عادة عن قضايا جزئية مثل تفشي الجريمة والمخدرات والدعارة والبطالة وكأن كلا من هذه القضايا ظاهرة منفردة وقائمة بذاتها والواقع أننا بصدد شرط إنساني عام يتصف بهدر قيمة الإنسان وحصانته باعتباره المسؤول عن التدهور الأخلاقي الذي يظهر في مختلف هذه الآفات، إننا بصدد فئات أكثر من كونها مهمشة هي فئات مستغنى عنها وفاقدة للاعتراف بإنسانيته، وتحت وطأة الحاجة يفقد كل مرجعياته القيمية ويستسلم للآخرين وللأقدار تفعل به ما تشاء وكأنه في حالة تفرج على إفلات كيانه منه، ويقتنص ما يمكن من استهلاك أو لذة بمختلف الوسائل التي تصبح كلها مباحة: عنف، احتيال، التصرف في حرمة الجسد، في حالة من سقوط المحرمات ذاتها.

 

 “من صور الفقر في الوطن العربي”

 

حين تذبل نزوة الحياة وتتفتح نزوة الموت

يصف الكاتب في الفصل الثامن ما يعتمل في نفس الإنسان المهدور موضحا أن الحالة الصحية المعافاة في الوجود الإنساني تتمثل في تفتح نزوة الحياة والأصل فيها هو النماء والتوسع والبناء وإقامة الصلات والروابط وصولا إلى السيطرة على الكيان وصناعة المصير، ولأن الهدر هو تفشيل مشروع صناعة الوجود والمصير والقيمة، فهو يجعل نزوة الموت هي اللاعب الأقوى على الساحة الوجودية وعندها تفعل فعلها التدميري الموجّه إلى الذات أو إلى الدنيا والناس أو إلى كليهما.

يقع الإنسان ضحية الاكتئاب الوجودي، ويتجمد به الزمن عند صدمة الهدر، والأخطر أن يعيد الإنسان إنتاج الهدر الذاتي ويسترسل في الحديث عن الاكتئاب الذي يطغى أحيانا لدرجة استعذاب الإنسان الخفي للمعاناة والتلذذ بالآلام المصاحبة له، وقد تترسخ ثقافة ” الندب والنواح” وتصبح هي مصدر السلوى والعزاء والتفريج، وبذلك يصل الإنسان لنقطة إعادة إنتاج الهدر من الداخل ويصبح الاكتئاب حليفا أكبر للاستبداد وتوطيد سلطان طغيانه، وهذ هو أخطر ما تنتجه ثقافة “الندب ” التي تشيع في نظم الاستبداد.

وضمن تأثيرات الهدم أيضا أن تتفشى سلوكيات العنف والتخريب والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة، وتبرز لذة التخريب الذي يبدو مجانيا ظاهريا حيث لا يستفيد القائم به أي فائدة مادية إنما يتعدّل ميزانه النفسي والوجودي من خلال إطلاق العنان لنزوة الموت والتدمير كرد فعل على تعطيل نزوة الحياة والنماء والكيان ذي الاعتبار.

في آخر النفق

وقبل أن يختم كتابه يعبر بنا الكاتب في الفصل الأخير إلى الجانب الحيوي، متتبعا الضوء في آخر النفق ومؤكدا أنه رغم ما توحي به ظواهر الأمور فإن قوى النماء لا تزال حاضرة.

” ذلك أن نزوة الحياة الكبرى قد تنتكس لبعض الوقت إلا أنها لا تستسلم أبدا ما دامت هناك حياة”

يستعرض الكاتب متطلبات ولوج عالم القوة مؤكدا أن تنمية الإنسان أصبحت تتطلب مشروعا وطنيا لبناء اقتدار مختلف الشرائح السكانية في مجالات ستة بالتزامن والتكامل، بينها الكفاءة النفسية التي توفر أساس نماء الطاقة الحيوية وتتيح فرص أفضل انطلاق لها، كما أنها توفر المناعة في التعامل مع التحديات والصعاب على أسس من الطمأنينة القاعدية والثقة بالنفس وقبول الذات والوفاق معها، فنحن في عصر الشدائد والتحولات وانعدام اليقين التي تحتاج أعلى درجات المتانة النفسية، والكفاءة النفسية على مستوى الوظائف الحيوية وعملها بكامل طاقتها على صعيد الإنتاج والإنجاز والتوالد والترويح.

ويضيف الكاتب أيضا الكفاءة المعرفية التي تتآلف مع الكفاءة النفسية ليصنعا الكفاءة المهنية، التي أصبحت تتطلب مع تسارع تحولات التكنولوجيا الإقلاع عن الروتين الوظيفي وتبنّي آلية من اللياقة التكيفية الديناميكية تتمثل في حالة من التعلم طوال الحياة.

ويشدد الكاتب على أن مجابهة الهدر من خلال معركة موجهة ضد قوى الهدر الخارجية تظل نصف المهمة إذ يتعين على الإنسان مجابهة التواطؤ الذاتي مع الهدر، فحتى حين لا تكون مواجهة الهدر الخارجي متاحة بسبب موازين قوى شديد الاختلال فإنه بالإمكان دوما العمل على مجابهة التواطؤ الذاتي وإعادة إنتاجه وتحصين الكيان من الوقوع في هذا الفخ فهذا يخلق نوعا من الحصانة الذاتية ضد الهدر الخارجي ويحد من آثاره المعطلة والمؤذية، ويجعل الوفاق مع الذات معقولا ومقبولا بانتظار تغير موازين القوى.

ويتوج استراتيجيات مواجهة الهدر وتجاوزه – كما يشير الكاتب – الالتزام بقضية كبرى بحيث يأخذ كيان الإنسان بعدا وقيمة ودلالة تتجاوز حدوده الذاتية، بما فيها من عجز وقصور ويغير وطأة الشدائد ويجعل الديمومة متحركة لارتباطها بأمل تحقيق الغايات المستقبلية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد