لم تكن ملايين الدولارات التي دفعها ولي العهد، محمد بن سلمان، على حملات العلاقات العامة، ذات جدوى كبيرة. ففي نهاية الأمر؛ خرج تقرير الاستخبارات الأمريكية، الذي يشير إلى تورط ابن سلمان في حادثة مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، وهو ما أساء كثيرًا إلى الصورة التي حاول ترسيخها منذ بداية دخوله لساحة الحكم.

يُحاول ابن سلمان عن طريق هذه المبادرات الجديدة رسمَ صورةٍ مختلفة له، تبعد عنه شبح قتل خاشقجي، وتقربه إلى الصورة الأولى التي أراد رسمها عن نفسه. نرصد في هذا التقرير بعض التحركات لابن سلمان في الآونة الأخيرة، وما الصورة التي يريد رسمها عن نفسه.

«القناع الأخضر».. ابن سلمان يريد الحفاظ على البيئة

في 27 مارس (آذار)، أعلن ابن سلمان عن مبادرتين رئيسيتين في مجال البيئة ومكافحة التغيير المناخي؛ الأولى «مبادرة السعودية الخضراء»، التي تهدف لزراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، والتي تتطلب إعادة تأهيل «40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة».

المبادرة الثانية هي مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»، التي تهدف لزراعة 40 مليار شجرة في منطقة الشرق الأوسط، معتبرًا أنه أكبر برنامج «لإعادة التشجير في العالم» وكلا المبادرتين تسعى للمساهمة في تخفيض الانبعاثات الكربونية العالمية بنسبة كبيرة. صرح ابن سلمان عن المبادرتين: «بصفتنا منتجًا عالميًّا رائدًا للنفط؛ ندرك تمامًا نصيبنا من المسؤولية في دفع عجلة مكافحة أزمة المناخ».

Embed from Getty Images

رؤية 2030 السعودية  

بعد إعلانه عن المبادرة، أجرى ابن سلمان محادثاتٍ مع دول المنطقة مثل الكويت، والبحرين، وقطر، والسودان، والعراق، ولإعطائها بعدًا عالميًّا تواصل مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لبحث «التحديات البيئية»، والحديث عن مبادراته البيئية. ورحبت بالمبادرة أيضًا دول مثل بريطانيا، وروسيا، وباكستان، وعبرت عن رغبتها بالعمل المشترك.

تعد هاتان المبادرتان ضمن رؤية 2030، التي قدمها ابن سلمان منذ صعوده، والتي تسعى لتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط الذي تشهد عائداته تراجعًا مستمرًّا خاصة بعد بداية جائحة كورونا، وآثارها الاقتصادية. قبل الإعلان عن المبادرات الخضراء، كان ابن سلمان قد أعلن عن مشروع مدينة «ذا لاين – The Line» ضمن مشروع نيوم، ويسعى مشروع «ذا لاين» إقامة «مدينة مليونية» طولها 170 كيلومترًا، تحافظ على الطبيعة بنسبة 95%، وكما يقول ابن سلمان في الفيديو الدعائي للمشروع: «صفر سيارات، صفر شوارع، صفر انبعاثات كربونية»، وبحسب شعار ابن سلمان فإنَّها «ثورة حضارية للإنسان تضع الإنسان أولًا».

وقد نشرت الشركات التي يوظفها اللوبي السعودي في واشنطن، وروجت مشروع «ذا لاين»، كما تبين الوثيقة التالية المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية.

ولكن لماذا البيئة تحديدًا الآن؟ باختصار هو ركوب في الموجة العالمية التي تقودها أمريكا والدول الأوروبية؛ فقد أصبحت البيئة محورًا أساسيًّا في السياسة الداخلية والخارجية لدول العالم، وكانت برامج مكافحة التغيير المناخي، إحدى الركائز الأساسية التي اعتمد عليها جو بايدن في حملته الانتخابية في أمريكا، حيث يطمح برنامج بايدن الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية خلال عام 2050، عن طريق الاستثمار في الطاقة النظيفة، وقيادة دول العالم في هذا الاتجاه. ولم يكن للرئيس السابق، دونالد ترامب، اهتمام مباشر في هذه القضية، وبالتالي لم تكن المبادرات السعودية مصبوبة في هذا الاتجاه.

البناء على ما سبق.. ابن سلمان المتنور في مواجهة التطرف

بعد صعود ابن سلمان لولاية العهد، وعزل محمد بن نايف، بدأ الشاب الطموح بتصوير نفسه على أنَّه المتنور الذي سيخلص السعودية من «ظلمات الجهل والرجعية»، إلى آفاق «التنوير والانفتاح والوسطية»؛ فقد سمح بقيادة المرأة، وافتتاح قاعات السينما، وتنفيذ المهرجانات الغنائية، وقد كانت انعكاسات ذلك كبيرة على الإعلام الغربي، وبدأ بعض المحللين الغربيين في التنبؤ بمستقبل أكثر ليبرالية، ولكن قابل هذا الانفتاح الاجتماعي، تضييق سياسي، وانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، وسجن للمعارضين أو الناقدين. وجاءت حادثة مقتل خاشقجي لتضرب ما بناه الشاب بداية فترة ولايته للعهد.

يستمر ابن سلمان حتى اليوم في محاولات استعادة الصورة الأولى، صورة المتنور، حتى بعد حادثة مقتل خاشقجي، وتمثل ريما بنت بندر، السفيرة السعودية لدى أمريكا هذا الوجه باستمرار، فقد خرجت في مؤتمر مرئي عقدته وزارة التجارة الأمريكية، للحديث عن برامج تمكين المرأة المستمر في السعودية. تقول ريما في مداخلتها: «إنَّ رؤية 2030 ليست برنامجًا للتنويع وتقوية اقتصاد الدولة فقط، بل أيضًا برنامجًا لتمكين المرأة، لتحقيق المساواة بين الجنسين، وتحقيق التنوع والتعايش»، كما تحدثت عن أنَّ السماح للمرأة بالقيادة هو فقط خطوة بسيطة ظاهرة، وإنَّ ما يحدث في العمق أكبر بكثير من ذلك.

وتستثمر مبادرات التجديد التعليمي، والتجديد في المناهج التعليمية، ففي منتصف مارس الماضي صرح وزير التعليم السعودي، حمد بن محمد آل الشيخ: «لن نسمح باستغلال المؤسسات التعليمية للترويج للفكر المتطرف، أو استخدام المسؤولية المهنية التعليمية في غير سياقاتها الوطنية»، وجاء ذلك في سياق برنامج لإنشاء «وحدات التوعية الفكرية» لتجديد المناهج التعليمية، ونشر وتعزيز ما يسميه ابن سلمان «قيم الوسطية ومحاربة التطرف».

كما يحاول ابن سلمان، عن طريق البرامج الرياضية تشتيت التركيز على سجل حقوق الإنسان؛ فقد كشف تقرير صحيفة «الجارديان» عن أنَّ السعودية صرفت ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار لتحسين سمعتها، عن طريق استضافة الرياضيين المشهورين، واستضافة مباريات الملاكمة والمصارعة العالمية.

ابن سلمان يروج نفسه «جزءًا من حل السلام في اليمن»

يسعى ابن سلمان إلى تصوير نفسه على أنه وجه السلام، وجزءٌ من الحل المستقبلي في اليمن. فقد عرضت السعودية، عن طريق وزير خارجيتها، فيصل بن فرحان، مبادرة سلام لإنهاء الحرب، ووقف إطلاق النار، وبمثل هذه المبادرات تحاول السعودية تصوير الحوثي بأنَّهم هم من يرغبون بالصراع.

خلال عرض المبادرة، صرح وزير الخارجية السعودي بأنَّه يتوقع من أمريكا الترحيب ودعم المبادرة، وهو ما حدث بالضبط بعدها بفترة وجيزة. وتأتي هذه المبادرة في سياق مركب، فهُنالك إدارة ديمقراطية بالبيت الأبيض تريد العودة للمفاوضات مع إيران من أجل الاتفاقية النووية، وفي الوقت نفسه تريد موازنة ذلك بدعم حليفتها التقليدية السعودية.

وتأتي المبادرة وسط محاولات ابن سلمان لاسترضاء البيت الأبيض، بعد مرور ست سنوات على بداية عاصفة الحزم، والتدخل السعودي في اليمن، وانتقادات واسعة في واشنطن تجاه السلوك السعودي في اليمن، من جراء الانتهاكات الإنسانية الناتجة من قوى التحالف.

وتعلن السعودية باستمرار عن إرسالها مساعداتٍ إنسانية، عن طريق «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ وذلك لتصوير نفسها على أنها ساعية دائمًا إلى السلام، ويُحاول ابن سلمان ضمن هذه المبادرات تصوير نفسه على أنَّه جزءٌ من الحل، وليس جزءًا من المشكلة، على خلاف إيران التي تدعم الحوثي.

ابن سلمان أو الفوضى.. الرسائل المبطنة للعالم

بالرغم من موافقة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على نشر تقرير الاستخبارات الأمريكية الخاص بمقتل خاشقجي، فإنَّ بايدن يرفض معاقبة ابن سلمان مباشرة، ومع بداية فترة بايدن، فقد صرَّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض بأنَّ «نظير» بايدن هو الملك سلمان، وليس ولي العهد، وتقرأ هذه التصريحات أحيانًا بأنَّها محاولة لعزل ابن سلمان عن المشهد الدولي.

في هذا الصدد، تصدر سردية جديدة مفادها أنَّ عزل ابن سلمان عن السلطة، سيكون أخطر بكثير من حوزته عليها. وينتقد جريجوري جوز، الخبير في الشرق الأوسط في مقالة نشرها على موقع «فورين آفيرز» من يريدون فرض عقوبات على ابن سلمان، بأنَّهن يتناسون بأنَّ ابن سلمان جزء لا يمكن الاستغناء عنه في عملية صناعة القرار، وأنَّه احتكر السلطة، ويقول: «إنَّ محاولات عزل ابن سلمان لن تفيد بشيء، بل ستقلص قدرة واشنطن على التحكم بسلوكه خارجيًّا، وبدرجة أقل داخليًّا»، وأكد أهمية التنسيق مع ابن سلمان في القضايا الأمنية المهمة، ونقلت صحيفة «ذا آرب ويكلي» موقف جوز، وأضافت أن ابن سلمان، شخصية مركزية للحل في اليمن.

ستبقى حادثة مقتل خاشقجي على المدى القريب شوكة في حلق ابن سلمان، فقد كان نشر تقرير الاستخبارات خطوة سياسية، تسمح لبايدن ابتزاز السعودية والضغط عليها، لتمرير مصلحته في المنطقة، وموازنة لعبته بين إيران والسعودية، ولكن ابن سلمان ما زال يحاور المناورة بصورة جديدة يرسمها لنفسه، أكثر هدوءًا، وأكثر سعيًا لتدعيم الخير في العالم.

عربي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: «ذا لاين» و«نيوم».. الحقيقة المظلمة وراء أحلام السعودية الطوباوية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد