تعمل أذهاننا طوال الوقت، تجترّ الماضي وتفكر في المستقبل، تفكّر في أحداث سعيدة أو حزينة، لكنها لا تتوقف أبدًا إلا حين نخلد ساعات إلى النوم؛ وقد يحلو لها أن تعمل أيضًا أثناء النوم فتحلم بأمر ما يقلقنا، فما الذي يحدث إذا استطعنا إيقاف هذا الضجيج قليلًا؟

تخبرنا الدراسات أن فائدة كبيرة تعود على أدمغتنا – نفسيًا وعصبيًا – إذا ما سكت العقل قليلًا عن الثرثرة المتواصلة، والباحثون وراء الأمر يجدون كل يوم دليلًا علميًا على فائدة التوقف قليلًا  للتأمل، وإسكات العقل عن الثرثرة، والتفكير فقط في اللحظة الراهنة، وفي هذا التقرير سنتناول ما يحققه لنا التأمل من فوائد.

القدرة على التركيز

ممارسة التأمل لبعض الوقت تدعم قدراتنا على الاستغراق في حالة تركيز عميق لاحقًا، يؤكد ريتشارد دافيسون عالم الأعصاب بجامعة ويسكونسن تأثير التأمل في قدرات التركيز لدى الأفراد، ويقول: إن تجربة أجراها على مجموعة ممن يمارسون التأمل أثبت أفرادها قدرتهم على الاحتفاظ بالتركيز عند التعرض لمقاطعات مفاجِئة، مثل الضوضاء العالية، أكثر من غيرهم ممن لم يمارسوا التأمل.

كما تُطور ممارسة التأمل مناطق مختلفة في الدماغ، مثل تلك المسؤولة عن الوعي والذاكرة والتحكم في العواطف، وتغير وفقًا لذلك بنية الدماغ بشكل واضح في الأشعة المقطعية.

التأمل في المدارس.. تأييد ومعارضة

هناك اتجاه أيضًا للاستفادة من أثر التأمل في المدارس، لتحقيق صفاء الذهن للتلاميذ، وأُُجريت التجربة بالفعل في إحدى المدارس في شرق لندن، وكانت تهدف لمساعدة الطلاب على التركيز على اللحظة الراهنة وتجنّب القلق مما حدث في الماضي أو قد يحدث في المستقبل.

قام الأطفال بأنفسهم بتصميم هذه التجربة، حيث قسّموا أنفسهم إلى مجموعتين، قامت إحداها بممارسة التأمل لمدة أسبوعين لخمس دقائق فقط يوميًا، أما الأخرى فلم تمارسه إطلاقًا، كانت الفكرة هي تعليم الأطفال التركيز على التنفس، والعد من 1 إلى 10، عدة مرات لمدة خمس دقائق، في نهاية فترة التجربة تم تطبيق اختبار لقياس مدى تحسّن التركيز لدى الطلاب الذين مارسوا التأمل، ولاحظ الباحثون تحسنًا بدرجة 2.15 في قدرة الطلاب على التركيز، لكن التجربة وجدت منتقدين شكّكوا في صدق نتائجها، وفي إمكان حدوث أضرار للأطفال جرّاء تجربة التأمل، حيث أشار أحدهم إلى أن التجربة لا تُعد دليلًا علميًا على تحسن حقيقي في قدرات الأطفال، وأن هذه النسبة قد تتحقق – باستخدام أي برنامج أو دواء – بمجرد إخبار الأطفال أنهم يخضعون لتجربة تزيد من قدرتهم على التركيز.

في إبطاء الشيخوخة

تتزايد الأدلة العلمية على تأثير التأمل المنتظم في إبطاء تمكّن الشيخوخة من خلايا الجسم، وتوقّف زحف الأمراض، مثل ضغط الدم والسكري إلى الخلايا.

وقد قارنت دراسة إسبانية مجموعة أفراد مارسوا التأمل لعشر سنوات بانتظام لمدة ساعة يوميًا، بمجموعة أخرى لا يمارس أفرادها التأمل مطلقًا، ويتطابق – فيما عدا ذلك – السن ونمط حياة الأفراد في المجموعتين من حيث النظام الغذائي وممارسة الرياضة، وقد وجدت الدارسة أن التيلوميرات (أو ما يُسمى بالقطعة النهائية في الخلية) كانت أطول لدى المجموعة التي كانت تمارس التأمل بنسبة تصل إلى 10% عن المجموعة الأخرى، ويُعدّ تآكل التيلوميرات سببًا رئيسًا في موت الخلية الحيوي، حيث تتوقف عن الانقسام واستكمال عملياتها الحيوية.

وفي محاولة من العلماء لتفسير هذا التباطؤ الظاهري في شيخوخة الخلية، وجدوا أنه يعود إلى قدرة هؤلاء الأفراد على التعاطف مع الآخرين، وما يُمكن تسميته بـ« التجنب التجريبي» الذي يعني الميل الطبيعي لتجنب الذكريات المؤلمة والأفكار  السلبية. لا يقتصر الأمر على الممارسين القدامى للتأمل فقط، فقد نُشرت دراسة عام 2013 تُفيد بأن ممارسة التأمل لمدة 15 دقيقة يوميًا فقط، كان له أثر سريع في زيادة نشاط الجينات التي تحفظ التيلوميرات، والحدّ من نشاط الجينات التي تؤدي إلى إجهادها، إلى جانب تحسين إنتاج الطاقة في الجسم بشكل عام.

في العلاج النفسي

تقول إليزابيث هوج، المشرفة على القسم النفسي في مركز الطب النفسي بجامعة جورج تاون، إن التأمل علاج غير مكلف نسبيًا، ولا يتسبب في قلق المرضى من أن يُلحق بهم وصمة كالعلاج النفسي مثلًا، وقد أجرى المركز تجربة على مجموعتين من المرضى الذين يعانون من القلق الزائد والمزمن لقياس تأثير التأمل على مستوى التوتر لديهم، وأجرى القائمون على التجربة تحليلًا للدم للمشاركين فيها، لقياس مستوى الكورتيزول، والإنترلوكين 6 و TNF-α وهي هرمونات يفرزها الجسم بكثرة في مواجهة أي مرض، ووجدت التجربة انخفاضًأ كبيرًا في إفرازها لدى المرضى الذين مارسوا التأمل، مقارنة بغيرهم، ويجري البحث في إمكانية تأثير التأمل في علاج حالات نفسية أخرى.

في علاج السرطان

يُعد التأمل أحد العلاجات النفسية التي تُقدم لمرضى السرطان، ويتزايد الاهتمام بها. في أكبر عرض سنوي لأحدث الأبحاث المتعلقة بمرض السرطان كشفت دراسة أن التأمل وتمرينات الاسترخاء الأخرى تقلل من مخاوف الناجين من المرض من عودته إليهم مرة أخرى، وهناك 50% من المتعافين من مرض السرطان لديهم مخاوف من عودته.

ذكرت الدراسة أن 70% من الناجيات من مرض سرطان الثدي – ممن أُجريت عليهن التجربة – كان لديهن خوف من عودته إلى الظهور من جديد بشكل يمنعهن من متابعة الفحوصات الطبية، ويؤثر سلبًا على علاقاتهن وعملهن والحالة المزاجية وجودة الحياة لديهن، وقد ظهر ذلك بشكل خاص في الناجيات الأصغر سنًا، وأشار طبيب الأورام بجامعة سيدني جين بيث إلى أن أثر ممارسة التأمل وتمارين الاسترخاء على التقليل من الخوف كان كبيرًا بشكل فارق في الجانب العاطفي والنفسي للناجيات من المرض.

كما يتضح تأثير التأمل في زيادة مناعة الجسم، أيضًا فقد أشارت تجربة تقارن بين الأجسام المضادة في الجسم لدى من يمارسون التأمل وغيرهم، إلى وجود أجسام مضادة لأثر فيروس الانفلونزا لدى من مارسوا التأمل، بالرغم من حقن جميع من أجريت عليهم التجربة بلقاح الإنفلونزا، لكن – كما تشير التجربة – فإن التأمل يطوّر النظام المناعي في الجسم، ويغير الدماغ بطريقة إيجابية.

كيف تمارس التأمل؟

حاول أن تجد مقعدًا مريحًا، وأن تجلس مستقيم الظهر، حتى لو لم يكن ذلك متاحًا، فيمكنك أن تجرب ذلك وأنت مستلقٍ على السرير، حاول فقط ألا تستسلم للنوم، أو يمكنك أن تشعل شمعة وتحدق فيها، بحيث تتركز أفكارك حول ما يحدث لها، أو تركز على أنفاسك وتقوم بالعدّ من رقم واحد وحتى رقم عشرة، وتعيد الكرّة مرات لعدة دقائق، وينصح الخبراء باستبدال هذه الدقائق الهادئة بالدقائق التي تفحص فيها رسائلك الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي صباحًا، الهدف هو ألا تفكر في أي شيء سوي في اللحظة الراهنة؛ أنفاسك أو ضوء الشمعة مثلًا، طاردًا كل الأفكار السلبية التي قد تدور في رأسك.

هناك عدة تطبيقات يمكنها أن تساعدك في الحصول على دقائق من التأمل، من خلال تمارين تساعد على التأمل وصفاء الذهن، مع خلفية من الموسيقى أو أصوات الطبيعة ومنها Headspace الذي يتضمن تمارين باستخدام الكلمات المنطوقة، ويمكن ممارسته عشر دقائق يوميًا، وSmiling Mind الذي يمكن للأطفال أيضًا استخدامه والاستفادة منه إلى جانب البالغين، ويتضمن برامج تناسب الأعمال المختلفة، وThe Mindfulness الذي يشمل برامج يومية تترواح مدتها من 5 وحتى 30 دقيقة.

المصادر

تحميل المزيد